يمثل اليوم الرابع عشر من شهر مايو ذكرى أليمةً لاغتصاب فلسطين تحت سمع وبصر العالم كله.. ففي هذا اليوم من هذا الشهر من عام 1948م تم الإعلان عن قيام "دولة إسرائيل" وفي دقائق معدودات بعد هذا الإعلان المشئوم توالت اعترافات الدول الكبرى: الاتحاد السوفياتي.. الولايات المتحدة الأمريكية.. ثم جميع دول أوروبا.. وكأنهم كانوا على موعد وترقُّب لهذا الإعلان، وينزل ذلك نزول الصاعقة على البلاد العربية والإسلامية، وكانت أغلب هذه البلاد تقع تحت قبضة الاستعمار والاحتلال الغربي.. ولم تكن تملك من أمرها شيئًا.. وكانت نظُم الحكم القائمة في ذلك الزمن 1948م تدور حول أنواع الفساد كما تدور أسراب البعوض حول المستنقعات العفنة، حسب ما يصور الأستاذ (كامل الشريف) في كتابه القيم (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين).
وهذه هي النتيجة التي خرج بها من آلام المعركة ومخاض التجربة؛ إذ إن كل محاولات الكفاح والإصلاح قبل تقويم هذا الأساس (إصلاح نظم الحكم) هي في الحقيقة ضربٌ من العبث وإضاعة الجهد، وهو بهذا- كما يقول- لا يريد أن ينافق مع المنافقين، أو يحاول معالجة الأطراف البعيدة دون أن يضع الأصابع على منابت الداء ومنابع الفساد.
يحكي الأستاذ كامل الشريف أن الإخوان قد لبوا نداء الدعوة لإنقاذ فلسطين، وأن الواجب يحتم عليهم- مع إخوانهم العرب والمسلمين- العمل على استرداد الأرض المقدسة، أولى القبلتين وثالث الحرمين وأرض الإسراء والمعراج، والتربة التي تحوي بين طياتها جموعًا متلاحقةً من شهداء الإسلام وأبطاله.
وكان الفكر الإستراتيجي واضحًا في عقلية المجاهدين وقتها.. صحيح أن الحافز لإنقاذ فلسطين واجب ديني إسلامي؛ باعتبارها بقعةً من بقاع الإسلام، وتتميز بميزات أخرى مهمة وإضافة تزيدها بركةً وقدسيةً وحظوةً لدى عموم العرب والمسلمين.. إلا أنه كان واضحًا عندهم أن بقاء الكيان الصهيوني خطرٌ يهدد الأمن القومي بكل البلاد المجاورة لها، وأن دفاعهم عن فلسطين يعتبر في الوقت نفسه دفاعًا عن مصر وسوريا والأردن وبلاد الجزيرة.
ويروي الكاتب أن الإخوان كان يمكنهم أن يُريحوا أنفسهم من عناء الجهاد وويلات القتال، وأن يكتفوا بالتصفيق والتظاهر، لكنهم التمسوا كافة السبل والحِيَل لتذليل العقبات وفتح الأبواب المغلقة أمام الجموع الوافدة من شبابهم المؤمن، الذين تدفَّقوا من الأقاليم والعواصم حتى اكتظَّ بهم المركز العام، وضاقت بهم شعب القاهرة، وبدأت حركة التطوع عن طريق المركز العام، وكان يشرف على تنظيمها الصاغ محمود لبيب رحمه الله، ونجح بعون الله ثم بمعونة بعض الشخصيات المجاهدة أمثال صالح حرب باشا واللواء عبد الواحد سبل بك، وأقيم معسكر للتدريب في "هايكستب"، تتولى الجامعة العربية إمداده وتنظيمه، ويشرف على برنامج التدريب فيه البكباشي حسين مصطفى من رجال الجيش العامل.
وشهد معسكر "هايكستب" في أول تكوينه معارك عنيفة بين عواطف الأبوَّة الحنون وعناد الشباب المؤمن المتشبِّث بمبادئه ومثُله العليا، ويذكر المؤلف الكريم أمثلةً حيةً ونماذجَ فريدةً تجلُّ عن الحصر، وتفوق الخيال والوصف؛ مما يبيِّن فهم الإخوان حقيقة دورهم في فلسطين.. جهاد خالص في سبيل الله لا سعيًا وراء الشهرة ولا طلبًا للمغنم التافه، ولكنْ سعيًا وراء عزة الإسلام، فإما نالوها وإما سقطوا شهداء دونها.
يذكر المؤلف أن التدافع بين الشباب على مراكز التطوع بدور الإخوان المنتشرة في أماكن كثيرة كان شديدًا، وكانت تحدو جميعَهم رغبةٌ صادقةٌ في الجهاد وتطهير فلسطين من أطماع اليهود، فمن قائل: "إن الجنة تناديني"، وقائل: "لا أريد العودة.. دعوني أؤدي بعض ما عليَّ من دَين للإسلام"، ومن صائح عند محاولة منعه: "لا.. لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، وذلك كله يبين ما وصل إليه الإخوان من نجاح رائع وهم يحشدون هذا الشباب ويربونه في مدرسة الإسلام الخالدة.
جاء رجل من وسط الدلتا ومعه "جاموسته" يريد أن يتطوَّع للقتال في فلسطين، وأمام الأستاذ البنا- رحمه الله- يدور حوار شيق ولطيف؛ حيث أراد الأستاذ البنا أن يكتفي هذا الأخ بتسجيل اسمه متطوعًا بدون جاموسته؛ إذ المعلوم أن الجاموسة بالنسبة للفلاح هي رأس ماله، فيرد هذا الأخ المجاهد: هل قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿إِِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾ فقط أم قال ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾؟ فما كان من الأستاذ البنا إلا أن أقره على ذلك!!
ويذكر الأستاذ كامل الشريف نموذج المجاهد عبد المنعم سعيد؛ حيث اتفق مع نفر من إخوانه أن يغادروا الإسكندرية خفيةً، ويلحق بهذا الأخ عمُّه ليقنعه بالعودة، وذكَّره بمستقبله وحاجة أهله لسعيه وكدِّه، والفتى يأبى ذلك!! ويتدخل قائد المعسكر في الأمر ويحاول إقناع عبد المنعم، ولكن كيف لهم ذلك وقد استقر حب الجهاد وحب الشهادة في وجدان الفتى؟!
وشبيه بهذا النموذج- وما أكثره!!- ما حكاه لنا الأستاذ الحاج حسن الجمل- طيَّب الله ثراه- حيث لحق به والده وأهله في معسكر الهايكستب وأخذوه عنوةً من المعسكر، وحبسوه في غرفة من البيت، غير أنه تحايَل عليهم وتمكَّن من الفرار؛ ليلحق سريعًا بموكب المجاهدين لإنقاذ فلسطين من مخالب اليهود، وهناك أبلى بلاءً حسنًا، سطَّره في كتاب له صدر بعد وفاته بقلم الأستاذ بدر محمد بدر الكاتب الصحفي المعروف.
في مقدمة من إحدى طبعات هذا الكتاب القَيِّم (الإخوان المسلمون في حرب فلسطين) في عام 1951 يقول الأستاذ كامل الشريف: إنه قد تردَّد كثيرًا قبل أن يسطِّر هذه الصفحات عن جهاد الإخوان المسلمين؛ مخافة أن يكون في ذلك دعايةٌ لهم أو تفاخُرٌ بأعمالهم وجهادهم، وهم- والحمد لله- أزهدُ الناس في الدعاية وأشدُّهم عزوفًا عن الضجيج والإعلان، ثم- كما يذكر- إن النتيجة العامة ليست مما يشجع أحدًا على الفخر ببطولة، مهما كان شجاعًا، أو بجهاده مهما كان مخلصًا في هذا الجهاد، وهذه الهزيمة أو "النكبة" تقع على الأمة الإسلامية والعربية كلها، ويشترك فيها الصغير والكبير وكل الأجيال، والإخوان يحسون هذه الهزيمة ويتجرَّعون مرارتها، ولن يخفف من وقعها على أنفسهم إلا شعورهم أنهم قد أخلصوا النية في جهادهم وبذلوا أقصى ما يستطيعون من جهد ليحُولوا دون وقوع الكارثة الرهيبة.
ولكن.. هل سقط لواء الجهاد والمقاومة من يد العاملين الصادقين لنصرة فلسطين واستنقاذها من أيدي المغتصبين الصهاينة؟!
لا.. لم يسقط اللواء، ولن يسقط بإذن الله تعالى، فالمعركة سجال.. ممتدة.. حتى يأذن الله بنصر من عنده، ويتحقق وعده الذي لا يتخلَّف، وتحقيقه يتوقف على المؤمنين الصادقين، الذين ينصرون الله في أنفسهم وفي مجتمعاتهم وفي واقعهم، ويستعلون بإيمانهم على كل عوامل الهزيمة النفسية والمؤامرات المحلية والإقليمية والعالمية، وقد رأينا- والحمد لله- مبشراتٍ لذلك في أرض الواقع وميدان الصراع ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).
بقي أن نعرف الآتي:
1- انعقد المؤتمر الصهيوني العالمي في "بازل" في 14 مايو 1898م برئاسة "هرتزل"، وقرَّروا إعلان دولة "إسرائيل" بعد 50 عامًا، وإعلان "إسرائيل" الكبرى بعد خمسين عامًا أخرى، أي في 1998، وحاولوا شراء أرض فلسطين في بداية القرن العشرين من السلطان العظيم "عبد الحميد"، ولكنه ردَّهم بجفاء وغلظة، ثم حصلوا على وعد "بلفور" وزير خارجية بريطانيا في 2 نوفمبر 1917، وصدر الوعد ممن لا يملك لمن لا يستحق، وها هي الآن تلقَى كل الدعم من أمريكا والغرب.
2- شهد كبار العسكريين في مناسبات عديدة بأنه لو أُتيح لهذه الدعوة الإسلامية الجهادية الفرصة الكاملة هناك في ميدان القتال لتغيَّر مجرى الحوادث تمامًا؛ حيث حقَّق الإخوان بطولات نادرة.
ونترك الأستاذ كامل الشريف- وهو أحد قادة الإخوان في فلسطين، وكان وزيرًا للأوقاف في الأردن في فترة ما، ثم أمينًا عامًّا للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة- يحكي الختام الحزين فيقول: "ليت هذه الجماهير شهدت بعد ذلك كيف عاد هؤلاء الأبطال بعد أن تركوا أحبَّاءهم تحت ثرى فلسطين، وفيهم من ترك عضوًا من أعضاء جسمه عربونًا للعودة القريبة، ولكنَّ الحكومة تكفَّلت باستقبالهم ورصدت قوات من بوليسها ليكون في انتظارهم، لا ليقف لتحيّتهم أو ليصطفَّ على الجانبين لتعظيمهم، ولكن ليحرسهم الساعات الطوال داخل سجون الأقسام (أي المعتقلات).
ولله الأمر من قبل ومن بعد.