بقلم: أحمد الجعلي*

كنت أتابع بشغف أحداث الانتخابات الفرنسية.. شغف فاق اهتمامي بمتابعة مباراة برشلونة والأهلي، وانتظرتُ بلهفة موعدَ المناظرة المرتقَبة بين متنافسَي الجولة الأخيرة من الانتخابات، ولم يَخِب ظني كما خاب في مباراة الأهلي، فكانت المناظرة تستحق الانتظار والمتابعة، كانت عيناي تنتقلان من وجه المتنافسَين إلى عدَّاد الوقت لكلٍّ منهما؛ آملاً أن تستمر المباراة أكبر وقت ممكن، وأن يزيد المذيع وقتًا إضافيًّا لتلك المباراة، حتى ولو كانت على حساب دقائق يأخذها من مباراة احتفالية مئوية الأهلي مع برشلونة.

 

بالطبع لست فرنسيًّا، ولم أحْيَ في فرنسا، بل ولم أزرْها من قبل، ولم أكن حتى يومًا من المهتمِّين بالشأن الفرنسي الداخلي، إلا أن متابعتي للمناظرة لم تكن بالأساس بغرض معرفة رأي كل مرشح في القضايا الفرنسية الداخلية منها أو الخارجية، وإنما كانت متابعتي فقط هي من قبيل الاستمتاع بمشاهدة فيلم خيال علمي يتحدث عن إنسان المستقبل وتكنولوجيا الفضاء.

 

كنت أتابع هذا الفيلم- أقصد المناظرة- وتعلو في ذهني في كل لحظة علامة استفهام كبيرة: ترى هل ستكون في أرضنا كائنات غريبة مثل تلك الكائنات الفرنسية؟ وهل هناك فعلاً مثل هذه التكنولوجيا المتطورة المعروفة باسم "ديمُقراطية" وهذه الآلات المسمَّاة انتخابات نزيهة وتصويت حر؟!

 

استمتعت جدًّا بهدوء ذاك الكائن الفضائي وزير الداخلية السابق "ساركوزي"، وتساءلت: هل من الممكن أن يكون وزير داخلية في يوم ما مرشحًا كغيره من المرشحين ويصوِّت له البعض، بل ويصل للجولة الختامية من الانتخابات؟! بالتأكيد هذا محضُ خيال علمي، فعهدنا في سلو بلادنا أن أي وزير داخلية هو أكثر الشخصيات العامة حبًّا وجماهيريةً لدى شعوبنا!! فعلى ذمته وحده يكون هناك مئاتُ بل آلافُ المعتقلين المساجين السياسين، واحسب معهم أبناءهم وآباءهم وزوجاتهم وأقاربهم وذويهم حسبةً تؤكد لك أنه من فرْط حب الشعوب لوزراء الداخلية ودعائهم لهم ليلاً ونهارًا، فهم بالتأكيد جديرون بالرسوب في أي انتخابات رئاسية حتى في أدوارها التمهيدية وإن كانت في دوري الدرجة الثانية!!

 

شاهدت أيضًا تلك الكائنة الفضائية "رويال" وهي تهاجم وزير الداخلية السابق- يا نهار زي بعضه- والمرشح للرئاسة والأقرب حظًّا للفوز، وهالني جدًّا هذا الإبهار في صناعة الفيلم، فعهدنا في سلو بلدنا أن من يجرؤ على التفكير في نقد الحكومة أو من يحاول التفكير في الإصلاح فمكانه الطبيعي هو المحاكم العسكرية والمعتقلات، وليس بالتأكيد شاشات التلفاز والمؤتمرات.

 

بلغ بي الشغف مداه بعد هذا الشوط من المناظرة، وظللت أتابع الشوط الإضافي وانتخابات المرحلة الثانية، كانت مثيرة وحماسية بحق، ولكن المفاجأة أن المخرج يبدو قد أسرف في جرعة الخيال العلمي، فأخرج نتيجة المرحلة الثانية من الانتخابات بفوز "ساركوزي" بنسبة 53% في مقابل 46% لصالح" رويال".. خيال علمي يخالف تمامًا سلو بلادنا الذي يقضي بأن تكون نتائج الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات هي فوق الـ99% (وصلت حاليًا حوالي حاجة وتمانين بسبب التطور) وأعلم تمامًا أننا بحكم سَيْرِنا نحو المستقبل ودخولنا القرن الواحد والعشرين فلقد تغيَّرت النسب إلى 80 و70%، ولكن أن تصل النسبة لهذا الفارق البسيط قرابة 7% فقط بين المرشَّحين فهو بالتأكيد محضُ إفراطٍ في الخيال العلمي.

 

ولكن أجمل ما أمتعني في فيلم الخيال العلمي الفرنسي هو أني تأكدت أن العرب تاريخيًّا هم أصل العلوم والفنون، فعلى طريقة انتهاء الأفلام العربية بالنهاية السعيدة وبأن يتزوج البطل من البطلة.. انتهى أيضًا الفيلم الفرنسي بنهاية سعيدة مؤثرة؛ حيث أعلنت "رويال" اعترافها بالهزيمة، وأنها ستبقى مع فرنسا الوطن أيًّا كان رئيسها، وكما بدأت طريقًا مع كلِّ من صوَّت لها وناصَرَها فستُكمل هذا الطريق.

 

وختم الكائن الفضائي "ساركوزي" الفيلم بإعلانه أنه سيكون لكل الفرنسيين، وطلب من أنصاره احترام مشاعر مؤيدي منافسته، وكُتبت كلمة النهاية التي أنهت أحلامي بأن يتحوَّل هذا الفيلم يومًا ما إلى واقع، ففي سلو بلادنا على من يعارض الحكام أن يدفع ثمن تلك المعارضة من سنين عمره معتقلاً في السجون ومحالاً للمحاكمات العسكرية، وعليه أن يدفع ثمن تبنِّيه لفكره بُعدًا عن أبنائه وحجزًا على أمواله واتهامًا له في كرامته وسمعته.

 

انتهى الفيلم الفرنسي ولا أخفيكم أنني من البداية كنت متعاطفًا مع "ساركوزي" ربما بحكم كونه ينتمي للجنس الذكوري، وفي سلو بلادنا لا نتخيَّل المرأة رئيسًا، وأعلم أن كلمتي هذه ستُثير الجنس الآخر ومجالس المرأة ولجان حقوق الإنسان والناشطات والباحثات، وستُعقد الندوات لتتحدث عن الظلامية والتخلُّف والرجعية، وستُكتب المقالات حول أحقيَّة المرأة في ممارسة العمل السياسي والوصول لكرسي الرئاسة..

 

ونظل نتصارع هنا وهناك، وسينسى الجميع أن هناك مقولةً شائعةً في بلادنا تقول: "يبقى راجل- عفوًا أو ست- من يحلم بتداول السلطة"!!

 ويا ما في سلو بلادنا من عجائب!!

---------

* أمين اتحاد الطلاب الحر السابق بجامعة القاهرة.