بقلم: د. حامد أنور*

لا أعرف مَن الذي أوكل إلى النظام المصري الوقوف بجانب الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد ما يُسمَّى بالإرهاب؟ فلا الشعب طلب منه ذلك، ولا هو قام باستفتاءٍ حتى ولو صوريًّا لاتخاذ مثل هذا الموقف المشين لمصر وشعبها وتاريخها.

 

إن اتخاذ القرار بالتخندق والاصطفاف بجانب أمريكا لا يمكن أن ينفرد به شخص وحده ولا أن يتخذه نظام دون توكيلٍ من شعبه، خاصةً أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت وتقوم بتصرفاتٍ إجرامية وأعمال وحشية ترفضها القوانين والشرائع؛ حتى إن عالم الحيوان على ضراوته يأنف أن ينزلق إلى مثل هذه التصرفات.

 

وهذه سُبَّة ووصمة عار ستحفر في صحف التاريخ، ويحاسبنا عليها أبناؤنا والأجيال التي ستأتي- إن أتت- بعدنا فتجد السيد أحمد نظيف لا يستحيي أن يُصرِّح بهذا الموقف علانيةً بكل جرأةٍ تارةً، ونراها تُترجم على أرض الواقع بأفعال وجملة تعديلات دستورية ضد مصلحة الشعب والأمة تارةً أخرى.

 

ثم خرج لنا من رحم هذا التخندق المشئوم مؤتمر شرم الشيخ الذي أخرج وثيقة العهد الدولي للالتفاف على المقاومة العراقية البطولية التي مزَّقت المشروع الأمريكي في المنطقة وحوَّلته إلى خرافةٍ في مستنقع التاريخ، وقتلت أحلام الساسة في البيت الأبيض كلهم جميعًا بلا استثناءٍ.. فكيف نتنكر لأرضنا وتاريخنا وأمتنا ونرضى بعد ذلك كله أن ترفرف أعلامنا تحت راية الشر الأمريكي ولا يعلم أحد إلى أين ينتهى بنا المطاف؟

 

إن الوقوف بجوار الولايات المتحدة هو بمثابة انتحار للأمة العربية والإسلامية بأكملها لأن أمريكا صاحبة مشروع إمبراطوري توسعي في المنطقة يتعارض كليةً مع مصالحنا وأجندتنا الداخلية والخارجية، ويقتل طموحات وآمال الشعوب المستضعفة، وهو مشروعٌ استعماري سيأكل الأخضر واليابس، ويجعل أمتنا ذكرى في كتاب التاريخ، وأمريكا تُروِّج كما هو معروف ومعلن لكل البشر في العالم للقرن الأمريكي الجديد ولمشروعها الاستعماري الصليبي، كما أعلن السيد بوش في المنطقة، وتساند الكيان اليهودي علنًا، وعلى عينك يا كل مواطن عربي ومسلم بدون حياءٍ أو استحياءٍ أو اعتبارٍ لأيٍّ من قادتنا العظام.

 

فكيف بعد ذلك كله يتم اتخاذ قرار بمثل هذه الخطورة؟! وهل الشعب المصري من السذاجة والبلاهة وعدم الوعي إلى درجة أن يتم حشده وتوجيهه فينساق على غير هُدى تحت تأثير التصريحات الجوفاء والعبارات فارغة المعنى ليجد نفسه يقف في المكان الخطأ، وفي الطريق الخطأ بجوار الأمريكيين واليهود، بجوار بوش وأولمرت وبن إليعازر؟! فلمصلحة مَن يتم اصطناع أعداء داخليين وهميين ويُترَك العدو الحقيقي الذي يتربص بنا العدو الحقيقي الذي ما إن يظهر علينا لا يرقب فينا إلاًّ ولا ذمةً.

 

إن العدو الحقيقي أيها السادة هو مَن جلب الخراب للعراق ويشعل نار الفتنة في لبنان ويقتل الأطفال والأبرياء في غزة، وداس على أجساد أسرانا وقتلانا في سيناء، ويرسل توابيت الحزن وصرخات الموت إلى أهالينا في كلِّ مكان.

 

إن العدو الحقيقي الذي ينبغي أن تُكتب ضده وثيقة العهد الإسلامي وتحشد ضده الشعوب هو مَن ينهب خيراتنا ويسرق بركات أرضنا ويغرس بذور الشقاق بيننا، فإليه يجب أن تُوجَّه السهام، ونحوه تصوب الإرادات، وضده يتكاتف الجميع، لا أن يتم إهدار طاقات أمتنا في طريقٍ خاطئ وتحت راية شيطانية فنحن نرفض ذلك.

 

كيف لمصر التي حاربت الصليبيين مائتي عام صامدةً كالأسد الجسور تقف تحت رايتهم الآن؟! وكيف لجيش مصر البطل الذي سَحَقَ اليهود في أكتوبر يصطف معهم الآن في نفس الميدان؟! وكيف لرجالات الشرطة العظام الذين قاتلوا الاحتلال الإنجليزي في القناة يعاونون المحتل في تنفيذ مخططه ويتحولون إلى ذراعٍ للأمريكيين ضد أبناء وطنهم وأهليهم؟!

 

ما كان لأبناء مصر أن يخونوا وطنهم.. ما كان لأبناء الكنانة أن يبيعوا عقيدتهم.. ما كان لمصر التي أوصى بها رسولُ الإسلام خيرًا أن تُحارِبَ الإسلامَ وأهله.

---------------

* d.hamedanwar@yahoo.com