لا أستطيع أن أكتم الفرحةَ التي غمرتني عندما علمت بخبر حكم المحكمة الإدارية التي قضت ببطلان قرار رئيس الجمهورية بتحويل المدنيين إلى محاكمة عسكرية، والذي صدر لصالح قيادات جماعة الإخوان المسلمين المحالين إلى القضاء العسكري؛ بناءً على قرار رئيس الجمهورية.
هذا القرار كان له أبعاد من الأهمية بمكانة تعلو عن كونه حكمًا صادرًا لمجموعة بعينها، ومن أهم أبعاد هذا الحكم أن القضاء المصري أثبت للجميع أنه في أعلى عليين، وأنه يتدخل في الوقت المناسب لإعادة الأمور إلى نصابها، كما أنه بعيد كل البعد عن قبضة النظام الذي حاول خلال المرحلة الماضية اغتياله والنيل من هذه القلعة المصرية الشامخة التي هي الملاذ والركن الشديد لهذا الشعب الذي عرف كل معاني القهر والاستبداد في ظل النظام الحاكم.
كما يعد هذا الحكم بمثابة بشائر النصر للمناضلين في درب الحريات وحقوق الإنسان وللحركة الوطنية سواء كان لونها إسلاميًّا أو يساريًّا؛ مما يعطي لهؤلاء الضوء الأخضر لاستكمال مشوار نضالهم.
كما نجد أن هذا الحكم خرج في مجمله عن كل ما توقعه المحللون بل وأصحاب القضية أنفسهم من الإخوان، فكل مَن عاش أحداث التصعيد من قبل النظام ضد الجماعة والتي وصلت إلى حدِّ اتهامهم بتهمةٍ لم تلصق بأي تيارٍ سياسي من ذي قبل وهي تهمة غسيل الأموال (على نمط عصابات المافيا)؛ حيث توقع الجميع أن المحكمة ستقر قرار رئيس الجمهورية، ولكن جاء الحكم ليعيد للإنسان المصري كرامته وحريته المسلوبة.
إن إقرار الحكم بالطعن على قرار رئيس الجمهورية يعد علامةً فارقةً في تاريخ الوطن فهي المرة الأولى الذي يصدر حكم يضع القضاء المصري في مواجهة شرسة مع النظام ورأسه مما يجعلنا نتوقع أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا كبيرًا ومعركةً شديدةَ الوطيس بين النظام والقضاء، وبالطبع يحتم ذلك على كل المصريين الالتحام بكل قوة مع القضاة ومناصرة قضيتهم العادلة.
كما يعد الحكم رسالةً صريحةً لرئيس الجمهورية بأن من أشار عليه بتحويل المدنيين إلى محاكمة عسكرية كانوا غير أمناء خاصةً أن القضية تتعلق بمجموعةٍ من الوطنيين المدنيين الشرفاء الذين يحملون بين ثنايا صدورهم عشقًا لهذا الوطن فمهما اختلفت القوى السياسية حول فكر الإخوان لم ينكر عليهم أحد وطنيتهم.
لقد أظهر الحكم أن الكلمات التي يطلقها أصحاب القرار مثل (أن الإخوان خطر على الأمن القومي)، كلمات متسرعة ومنافية للواقع الذي نعيشه وإلا كانت المحاكم المدنية أدانتهم، كما أن على النظام وجهابذته أن يفيقوا من شهوة السلطة والسلطان وأن يرضخوا للموجة الإصلاحية التي يتبناها كل المصريين بمختلف ألوانهم السياسية من أقصى اليمين لأقصى اليسار ولا يقف في وجهها إلا أصحاب المصالح والمفسدون، وأن يتيقنوا أن الخطر الحقيقي على الأمن القومي يكمن في حالة الشتات التي يعيشها الوطن والمحاربة التي لا هوادة فيها على كل ما هو إصلاحي.
إن الحكم الصادر ببطلان تحويل المدنيين إلى محاكمات عسكرية دليل واضح على أن المستقبل للإصلاحيين والوطنيين الشرفاء بأطيافهم السياسية المتنوعة الذين تحملوا عناء السجن والإقصاء وإرهاب السلطة وأنه أمل يشرق في سماء الوطن فهنيئًا لمصر بقضائها العادل وهنيئًا للوطنين ببشريات النصر.
هاني صلاح الدين