![]() |
|
د. حلمي القاعود |
في ظل التغطية الرخيصة على ما يُسمى التعديلات الدستورية التي جرت مؤخرًا، وقنَّنت للأحكام العرفية دستوريًّا، وأمَّمت الانتخابات لصالح المنتفعين في الحزب الوطني من التجار والمحتكرين ومثقفي السلطة، وأطلقت يد النظام في تحويل من يشاء إلى المحاكم العسكرية بالتهم التي تروق له في الوقت الذي يشاء، تسعى بعض الأقلام وخاصةً من مثقفي الحظيرة إلى إثارة قضية قديمة عفا عليها الزمن لستر عورة السلطة البوليسية الفاشية، وإثبات الولاء المستمر الذي لن ينقطع.
لقد أُشبعت قضية الشيخ "علي عبدالرازق" وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" منذ العشرينيات في القرن الماضي حتى اليوم مناقشة وجدلاً، وأريق حولها حبر كثير، وكلما خفت صوت الجدل والنقاش، قام خصوم الإسلام، وأنصار الدولة البوليسية الفاشية بإثارته من جديد.
ومع أن بعض هؤلاء يدعي الموضوعية والمنهجية، فإنه لا يتورع عن ترديد الأكاذيب التي وضعها الكاتب البعثي الراحل "أحمد بهاء الدين" في كتابه "أيام لها تاريخ" وملخصها أن الشيخ وضع كتابه لمواجهة دعوة الملك فؤاد إلى خلافة المسلمين بعد سقوط الخلافة في الأستانة عام 1924م، وأن الشيخ يمثل شجاعةً خارقةً في مواجهة ما يُسمَّى "المؤسسة الدينية" التي تنافق الملك فؤاد وتتقرب إليه، وتحارب التقدم وتتمسك بالسلطان الديني لفرض إرادتها على المجتمع، والمفكرين المستنيرين خاصة، وأن الشيخ علي يمثل امتدادًا لمدرسة الأستاذ الإمام محمد عبده التي حاربت الجمود والرجعية والتخلف، ولقيت معارضةً وعنتًا من المؤسسة الدينية ورموزها!
أكذوبة أحمد بهاء الدين التي نقلها حواريوه من مثقفي الحظيرة، تؤكد أن الشيخ كتب كتابه ونشره بعد سقوط الخلافة، والشيخ يعترف في مقدمة كتابه أنه بدأ كتابته عام 1915م، أى قبل نشره بعشر سنوات، وقبل سقوط الخلافة بيد "أتاتورك"، وكان الشيخ يومها شابًّا وقاضيًّا شرعيًّا، واندفع بحماسة الشباب متأثرًا بدوافع شتى، وصلت إلى القول: إن هناك من وضع له هذا الكتاب، واكتفى بوضع اسمه عليه.. ولكن ما قاله الشيخ وكتبه لا يمثل بحال مدرسة الأستاذ محمد عبده ولا تلاميذه، فقد كان محمد عبده مسلمًا يؤمن بكامل الإسلام، ويراه دينًا ودولة، ودنيا وآخرة، وفكرًا وسلوكًا، وقولاً وعملاً، ولم يكن يراه- في أى من مقولاته- مجرد دين روحي لا علاقةَ له بالحياة وما فيها.
محمد عبده كان مصلحًا، وكان ضد علماء السلطة وفقهاء الشرطة، الذين يفعلون ما يفعله مثقفو الحظيرة، في تسويغ القهر، والدفاع عن الاستبداد، والسعي إلى المنافع الحرام، أو المكاسب التي تأتي من دم الشعب الكادح، محمد عبده لم يكن شيوعيًّا ولا علمانيًّا ولا خادمًا في حرملك السلطة، يحمل الحقائب ويكتب الخطب ويجهز الندوات والمؤتمرات المعادية للإسلام والمسلمين.!
إن الشيخ علي عبدالرازق تجاوز العلم الشرعي ونصوص القرآن الكريم بأخطائه واندفاعاته- ولعلها- كانت أخطاء غيره أو اندفاعاته- واعتذر عنها في النهاية.
لقد زعم الشيخ أن الإسلام شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ، وادَّعى أن الجهاد كان من أجل المُلك، وليس الدين أو الدعوة، ونفى أن يكون للإسلام علاقة بأساليب السياسة أو نظام الدولة المدنية، ورفض إجماع الصحابة على وجوب إقامة إمام عادل... إلى غير ذلك من آراء يدحضها القرآن الكريم والحديث الشريف، وواقع المسلمين في حياة النبي وحياة الراشدين من بعده.
ولأن الشيخ علي ينتسب إلى علماء الأزهر فقد كان عليهم أن يردوا على أخطائه، ويصحّحون اجتهاداته، وكان الأزهر- كما يقول الدكتور "محمد رجب البيومى"- موضوعيًّا حين ناقش أفكار الكاتب مناقشة علمية تعتصم بالدليل، وأصدر تقريرًا مفصلاً بنقاط الخلاف، نشرته الصحف اليومية، ونشر بعد ذلك في كتاب مستقل على نفقة بعض الفضلاء بالمنصورة عام 1344هـ.
&
