د. حلمي القاعود

في عام 1905م صدر القانون الفرنسي الذي يفصل بين الكنيسة والدولة، وهذا القانون يمنع الكنيسة من التدخل في شئون الحكومة وإدارتها وسياستها؛ لأن الكنيسة لها قراراتها ورؤيتها التي تستند إلى السماء أو إرادة الله، ومن الصعب أن يخالفها أحدٌ في السلطة الزمنية أو خارجها؛ مما جعل قرار الفصل بين الكنيسة والدولة قرارًا مهمًّا لمنع رجال الدين (الكاثوليك) من العمل بالسياسة؛ لأنهم يصبغون مواقفهم بصبغة إلهية، يجب ألا يردَّها أحدٌ، أو يقف في طريقها مخلوق، وبناءً عليه فقد شاعت العلمانية في أوروبا ثم أمريكا، تحت إطار فصل الكنيسة عن الدولة، وليس فصل الدين عن الدولة.
في بلاد الإسلام لا توجد كنيسة ولا يوجد رجال دين.. المسجد في الإسلام لا سلطان له على أحد إلا بقدر الإرشاد والتوجيه والتربية والعظة، وعلماء الدين لا يستمدون وجودهم أو كلامهم من خصوصية مقدَّسة أو معصومة، كما هي الحال بالنسبة لرجال الدين المسيحيين.. ومن ثم فلا مسوِّغ للفصل بين المسجد والدولة، ولا لتنحية علماء الدين عن ممارسة شئون الحياة، بما فيها السياسة.
بعض النخب في بلادنا تستميت دفاعًا عن العلمانية، ويصرُّون أن تكون مصر علمانيةً، وتخلع صفة الإسلام عنها وعن وجودها، مع أن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يعدونها عقل الإسلام، ومصدر المعرفة الإسلامية الصحيحة، وموطن علماء الإسلام الثقات، وهي بلد الأزهر الشريف، أعرق المؤسسات العلمية الإسلامية (لا يوجد في الإسلام مؤسسات دينية كما يردِّد البعض خطأً أو عمدًا).
وفي تركيا التي كانت عاصمةَ الخلافة الإسلامية ورمزًا لوحدة المسلمين في شتى أرجاء الأرض قبل أن يدمّرها الصليبيون الاستعماريون قام عميلهم "مصطفى كمال أتاتورك"- الذي يقال إن أصوله يهودية، وينتمي إلى يهود الدونمة- بإلغاء الخلافة الإسلامية، وتغيير هوية الدولة، وإحلال لغة بديلة (مكونة من التركية القديمة ولغات أوروبا الحديثة مكان اللغة العربية)، وعلَّق علماءَ الدين المسلمين المعارضين لسياسته التغريبية أو العلمانية كما يُسميها البعض على أعواد المشانق، حتى صارت المشانق مثل الأراجيح في ميادين المدن والقرى التركية، تحمل أصحاب العمائم من رقابهم!! وقبل أن يموت أتاتورك- وهو يحتضر- طلب السفير البريطاني كي يوصي إليه بحكم تركيا من بعده، وكانت زوجه الأولى قد رفضت الاستمرار معه بعد أن اكتشفت عمالته وسوء نيته تجاه الإسلام والمسلمين.
لقد اعتقد أتاتورك أن تركيا حين تخلع إسلامها ستتحوَّل إلى دولة متقدمة مثل الدول الأوروبية، ولكنها صارت ذيلاً لهذه الدول، وتحكَّمت فيها نخبٌ عسكريةٌ وثقافيةٌ، ولاؤها الأول للعالم الصليبي الاستعماري المتوحش، بَيدَ أن الشعب التركي المسلم في قاعدته العريضة ما زال متمسكًا بدينه حريصًا على قرآنه، وبعد أكثر من ثمانين عامًا ما زال الأتراك يزورون مسجد "أبو أيوب الأنصاري"- رضي الله عنه- الفاتح الأول الحقيقي لإستانبول (القسطنطينية) كما قال بحق محمد الفاتح السلطان الأشهر، وتنطلق من مسجد "أبو أيوب" حفلات الزفاف للعرسان الجدُد والأطفال الذين يتم ختانهم، كما هي عادة الأتراك منذ دخل الإسلام إلى القسطنطينية (إستانبول).
بعد ثلاثة أرباع قرن من الزمان فوجئت أوروبا الصليبية الاستعمارية بأن تركيا- عاصمة الخلافة- تستعيد هويتها الإسلامية من جديد، وأن حزب العدالة والتنمية الإسلامي أو صاحب المرجعية الإسلامية يحظَى بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان التركي "العلماني"، ولأول مرة تستقر الحكومة التركية أربع سنوات، وتحقق معدلات اقتصادية مرتفعة وتخفض الديون وتثبت وجودها السياسي أمام قوى الشرَ الصليبي الاستعماري، وترفض المشاركةَ في التآمر على العراق، كما فعلت بعض العواصم العربية.
ومع أن الحكومة التركية الحالية تعلن ثلاث مرات يوميًّا قبل الأكل وبعده أنها تحترم النظام العلماني وتؤمن بالديمقر