من الواضح أن الفشل في تطبيق القرار 1559 الصادر في سبتمبر 2004م فيما يتعلق بتصفية حزب الله في لبنان قد دفع الصهاينة إلى تغيير معادلة الداخل اللبناني، وفي هذا المنظور فإن الولايات المتحدة قد دفعت الكيان الصهيوني إلى القيام بعدوان شامل على لبنان من الناحية العامة، ولكنه عدوانٌ مباشرٌ استهدف حزب الله وشيعة لبنان بوجه خاص.

 

وكانت الذريعة هي أن الحزب قد قام بخطف اثنين من الجنود الصهاينة في معسكراتهم داخل الكيان يوم 12 يوليو 2006م، وبعبارةٍ أخرى فإن إفادات أولمرت رئيس وزراء الصهاينة أمام لجنة التحقيق القاضي في نيبرال قد أكدت أن استهداف حزب الله كان قد تقرَّر منذ اندحار القوات الصهيونية من جنوب لبنان في مايو عام 2000م، كما أن الكيان لاحَظَ صعود الحزب في الحياة السياسية اللبنانية بعد هذا التاريخ، فخطَّط للقضاء عليه، وذلك باستصدار القرار 1559.

 

ولما وجد الصهاينة مفعول هذا القرار بدأ يضعُف ويتم استيعابه داخل لبنان وقع اغتيال رفيق الحريري، ومعنى ذلك أن هذا الاغتيال لا يمكن أن يكون تمَّ بعيدًا عن الصهاينة؛ لأن الاغتيال كان المحفِّز الأكبر للإسراع بتنفيذ القرار، وقد تحقَّق ذلك في الشقِّ المتعلق بانسحاب القوات السورية من لبنان، وبقي الجزء الخاص بحزب الله؛ حيث وُضعت مسألة سلاح حزب الله على مائدة الحوار الوطني اللبناني الذي كان دائرًا وانقطع بوقوع العدوان الصهيوني.

 

 الصورة غير متاحة

قوات صهيونية في جنوب لبنان

من الواضح أن أولمرت قد أكد أن خطة العدوان كانت مدبَّرةً منذ وصوله إلى السلطة في الثاني من يناير عام 2006م، كما أكد أولمرت أنه كلَّف الأجهزة الأمنية بوضع خطط هذا العدوان، واختار فعلاً من هذه الخطط في مارس 2006م تلك الخطة التي بدأ تنفيذها في 12 يوليو في نفس العام بذريعة خطف حزب الله لاثنين من الجنود الصهاينة، خاصةً أن الحزب كان يعلن دائمًا أنه سيقوم بهذه العملية في الوقت المناسب حتى يُرغم الكيان الصهيوني على تبادل المخطوفين مع الأسرى العرب.

 

وكان من الواضح أيضًا التنسيق الكامل بين الكيان والولايات المتحدة في العدوان، لدرجة أن هناك نظريتَين راجَتا في هذه الفترة الأولى تريان أن الكيان هو الذي يستخدم القوة الأمريكية للقضاء على عدوِّه في لبنان، وأما النظرية الثانية فكانت ترى أن الولايات المتحدة هي التي تستخدم الكيان لإنشاء الشرق الأوسط الجديد، حسبما بشَّرت بذلك كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية.

 

ولا أظن أن القارئ بحاجة إلى المزيد من الأدلة لإثبات علاقة التواطؤ الكامل بين البلدين ضد لبنان وحزب الله.. يكفي أن نشير إلى أن الكيان كان يطلب من واشنطن عدم وقف إطلاق النار، وعدم تدخُّل مجلس الأمن، وإفساح الوقت للصهاينة لإنجاز مهمة القضاء على حزب الله، وقد أعلن الصهاينة- خلال عدوانهم على لبنان- أنهم سوف يقومون بتنفيذ القرار رقم 1559 عن طريق استخدام القوة العسكرية، ما دام القرار لم ينفَّذ بالطرق السياسية.

 

وأثار ذلك استغراب المراقبين؛ لأن الكيان هو آخر مَن يحقُّ له الحديث عن الشرعية الدولية وعن قرارات مجلس الأمن التي لا يقيم لها وزنًا ولا يعمل لها حسابًا، وقد أعلن الكيان في مختلف المصادر أنه يُنزل بلبنان أقصى الضرر حتى يمكن أن يغيِّر المعادلة السياسية داخل لبنان لصالح الحكومة وقوى 14 آذار، حتى إذا ما دمَّر لبنان اتجهت أصابع الإدانة إلى حزب الله، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث اتُّهِم الحزبُ بأنه خَطَّط لحرب دون أن تعلم الحكومة ودون أن تعدَّ البلاد لهذا الحرب، وإن كان هذا التخطيط يستجيب لمصالح إيرانية تتناقض تمامًا مع المصالح اللبنانية، وأن الحزب رفض وقف القتال رغم أنه كان يرى بنفسه مدى الدمار الذي ألحقه الصهاينة بلبنان.