لا شك أن النموذج الذي أرادت واشنطن إقامته في العراق لم يتحقق، فقد أرادت إسقاط نظام صدام حسين وإنشاء نظام بديل يقوم على الديمقراطية الطائفية ويكون أركانه والقوى الفاعلة فيه هي القوى التي تتوافق مصالحها مع واشنطن، أما مصالح واشنطن في العراق النموذج فهي الاستيلاء على ثروته النفطية وضمان وجودٍ عسكري وسياسي مريح برضا حكوماته وتفتيت وحدة العراق وانفصال الأكراد وسيطرة الشيعة الموالين وتحويل العراق الجديد عن وجهته العربية وتكريس علاقاته والأكراد مع الكيان الصهيوني.

 

ولكن انفراط العقد من واشنطن وتنامي المقاومة ثم تحوَّل العراق إلى ساحةٍ لكل صنوف الإرهاب في هذا الفراغ المخيف، أفقد واشنطن القدرة على السير بالعراق إلى نهاية النموذج، وفي نفس الوقت فإن الفراغ الذي لم تتمكن واشنطن من ملئه قد فتح الباب لإيران لكي تعيد ترتيب أوضاع العراق بما يتفق مع مصالحها بعد أن عانت من العراق القوى الذي ادَّعى منذ خروج مصر من الساحة القومية أنه مركز العروبة الجديد.

 

أدَّت كل هذه التطورات إلى صراع طائفي واستمرار مضطرد في تكريس الحكم الذاتي للأكراد، على أساس أن مقومات الصراع الطائفي قد استكملت في الدستور والعملية السياسية، وقد بعث الاحتلال برسائل واضحة إلى شيعة العراق وأكراده بأنه جاء لإنصافهم من سنته العرب، ولتقرر كل جماعة مصيرها في حرية كاملة، فساند الأكراد الغزو، كما كمن الشيعة انتظارًا للنتائج؛ حيث قدمت لهم العراق بشروط واشنطن لتكريس الطائفية حتى تشغل المقاومة السنية عن مناهضة قوات الاحتلال وشغلها بما هو أهم، وهو المحافظة على بقاء السنة ولو تحت سطوة إخوانهم الشيعة.

 

وهكذا أصبحت العملية السياسية تعني تمكين الشيعة من مقاليد السلطة واستبعاد السنة عقابًا لهم على ما ارتكبوه وأخطره أن صدام حسين من جلدتهم رغم أنه لم يكن طائفيًّا، وهي شيمة أصيلة في النظم الديكتاتورية التي تحارب الطائفية حتى لا تنازعها السلطة، وهي عقاب آخر للسنة الذين رفضوا الانضمام من البداية لهذه العملية وشككوا في النوايا الأمريكية، وحتى يحفظ الشيعة الجميل الأمريكي فيتمسكوا ببقاء الاحتلال، خاصةً أنهم ليسوا واثقين من أي حماية إذا رحلت القوات الأمريكية.

 

هكذا يظهر أن القوة الأساسية في العراق هي الولايات المتحدة، يليها المقاومة العراقية التي تنزل خسائر فادحة بالقوات الأمريكية، ثم قوى وأحزاب الشيعة، ثم قوة الأكراد الذين يصرون على الانفصال والاستقلال عن العراق، ثم إيران التي تستخدم مع واشنطن ورقة العراق مثلما تستخدم نفس الورقة في السياسات الإيرانية الداخلية خاصةً أن صدام حسين كان العدو الأول الذي أوصى الإمام الخميني قبل موته بأن تصلح به كل الشرور، أما العالم العربي فهو القوة المفترضة السادسة التي تراجع دورها رويدًا رويدًا ما دام زمام الأمور يتمركز في يد إيران وواشنطن، مع تنوع أدوات التأثير الإيراني.

 

وتحاول الولايات المتحدة التوصل إلى تسوية في العراق تكفل لها انسحابًا مناسبًا من العراق وسيطرة كاملة على موارده ومقدراته، وتشكيل حكوماته وإسكات مقاومته والقضاء على قوى الإرهاب فيه، ولذلك تبدو احتمالات التسوية فيما يلي:

 

الاحتمال الأول: نجاح واشنطن في تقليم أظافر المقاومة بالتعاون مع سوريا وإيران، ولهذا بدأت مؤشرات إشراك البلدين في هذه التسوية، فكلا البلدين يجاور العراق وله مصلحة محققة في رسم مستقبله، والأرجح أن تحصل منهما على تنازلات في العراق تساعد على استقرار واشنطن فيه دون القبول لهما بوضع الشريك المفاوض، ما دام العمل على تقويض قوتهما من أبجديات المشروع الأمريكي.

 

وفي هذه الحالة تعلن واشنطن من حينٍ لآخر أنها تتفاوض مع "المسلحين" حتى تشق صفهم من ناحية، وتختبر رد فعلهم وإخراجهم من مخابئهم لأن أشد ما يعرض الإدارة الأمريكية للنقد المتزايد هو تزايد الخسائر البشرية والمادية دون ظهور نهاية أو تسوية تقنع بتبرير هذه الخسائر، فإذا توقفت المقاومة، فلن تكون هناك حاجة إلى الانسحاب أو نقد النواب والشعب.

 

يمكن إنْ تحقق ذلك أن تقدم واشنطن لإيران وسوريا بعضَ التنازلات في قضايا أخرى كالملف النووي، والسلام مع الصهاينة بالنسبة لسوريا وتهدئة الأوضاع في لبنان كتنازل لإيران وسوريا على حساب حلفاء أمريكا في لبنان.

 

الاحتمال الثاني: اتساع قوى المقاومة في العراق، مع تزايد إحراج الإدارة الأمريكية وانهيار محاولات احتواء إيران وسوريا، مما يؤدي إلى تردي وضع الحكم في العراق، وقد يقترن ذلك بانسحابٍ أمريكي تدريجي كان يفترض أن تحل محله الحكومة في العراق، هذا الوضع يدفع المقاومة إلى المزيد من استهداف للمحتل وأتباعه في الحكم، مع استمرار تدخل إيران للاستفادة من الساحة العراقية إذا قررت واشنطن مهاجمة إيران، أو المساومة بها إذا اتجه الصراع الإيراني الأمريكي نحو التسوية، وفي كل الأحوال يخرج الأكراد من المعادلة؛ حيث تكون هذه الأوضاع لصالحهم.

 

الاحتمال الثالث: أن تقرر واشنطن التفاهم مع المقاومة العراقية والتعاون معها في تقليص النفوذ الإيراني، وفي هذه الحالة سوف تجد مساندة سوريا والدول العربية المجاورة وتركيا خاصةً إذا أصرت واشنطن على قمع الفتنة الطائفية والتمسك بوحدة العراق ضد محاولات الاستقلال الكردية أو النيل من هذه الوحدة من جانب إيران؟.

 

إذا اختارت واشنطن هذا الحل فإنها سوف تستغني عن التلطف مع إيران أو التفاهم مع سوريا وسوف تقلب الصورة تمامًا وتكسب ود العالم العربي الذي سيكون مستعدًا لإرسال قوات لحفظ السلام وتنفيذ التسوية التي يتم التوصل إليها.

 

فهل تفكر واشنطن حقًّا في هذا الاحتمال الثالث حتى تخرج من ورطتها في العراق بأقل الخسائر؟. أما المكاسب العربية فهي تعزيز عروبة العراق وحمايتها من التآكل بفعل العوامل الكردية والإيرانية، وكسب تركيا للعالم العربي وأمريكا، وعزل إيران، وهو كسب أمريكي كبير وعامل حاسم في الملفات الإقليمية في المنطقة.

 

فهل يستطيع العالم العربي أن يعمل لإقناع واشنطن بهذا الاحتمال الثالث المفيد له ولأمريكا في وقت واحد؟

--------------

* السفير د. عبد الله الأشعل