بقلم: د. حامد أنور

مَن ينظر إلى شبه الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام يجد أنها كانت تتكون من قبائل شتى ومجموعات متناحرة رغم أن ما كان يجمعها من الروابط الكثير والكثير، ولكنها لم تستطع أن توحدها أو تزرع بينها بذور الترابط والاندماج، فلم تستطع وحدة الجغرافيا والأرض أن تقوم بذلك رغم صعوبة المناخ ووعورة البيئة وقسوة الحياة، وأن تجعلهم يتوحدون من أجل التغلب على تلك الظروف الصعبة وتحسين أجواء المعيشة ومواجهة التحديات والتغيرات الإقليمية والتاريخية والدولية والأحداث الملتهبة حولهم.

 

لم تستطع وحدة الجد والأب أن تؤلف بين تلك القلوب المتنافرة وتذيب جبال العداوة بينها، فلم يستطع أبناء إسماعيل وقحطان وعدنان أن يتجاوزوا خلافاتهم التي كانت تنشب لأتفه الأسباب مثل سباق خيل كما حدث في داحس والغبراء، أو رعي نوق كما في حرب البسوس، فتتقد نار حربٍ استمرت الواحدة منها أربعين عامًا.. حروب كانت تستعر جذوتها مع أول نداءٍ أو نفيرٍ ولا تهدأ إلا بعد سنين وسنين.

 

لم تستطع وحدة اللغة أن تكون سبيلاً للتعاون بينهم من أجل النهوض بها والحفاظ عليها وتعليمها في المحافل والبيوت والدفاع عن الجنس العربي والهوية العربية ورفض محاولات الفرس والروم للقضاء عليها لم تستطع كل تلك الروابط مجتمعةً أن تنسف الفروق والمسافات بين القبائل العربية وتجعل لها كيانًا مستقلاً راسخًا بأسسٍ قوية وقويمة، ولكن الإسلام فعل كل ذلك بل وارتقى بسلوكيات العرب وعاداتهم ونقلهم إلى أعلى درجةٍ في سلم الحضارة التي حملوا مشعلها قرونًا وقرونًا، وكل ذلك تمَّ في ثلاثين عامًا، فترةٌ وجيزةٌ لا تُقاس بتاريخ البشر ولا تُذكر بمعيار أعمار الأمم فهزموا الأكاسرة والقياصرة وامتدت خلافتهم شرقًا وغربًا احتوت كل الأعراق والديانات الأخرى لم يظلم تحت شمسها أحد فلا يعرف تاريخ الإسلام أن يهوديًّا عُذِّبَ أو سُجن لأنه مارس شعائر دينه أو طقوس عبادته رغم عدائهم الشديد ومكر الليل والنهار الذي يحيكونه وينتشر على الأرض، وحاليًا للفضائيات.

 

ما أشبه الليلة بالبارحة، إنَّ الصراعات بين الدول العربية تتصاعد لخلافاتٍ حدودية ومواقف شخصية ومصالح فردية ليس للشعوب فيها ناقة ولا جمل، ليس للأمة فيها مصلحة ولا فائدة، أصبح العرب بأسهم بينهم شديد يلقون إلى أعدائهم بالمودة بدل إخوانهم، ولم تستطع القومية العربية أن تُقيم جسورًا حطمتها أهواء وشطحات الإخوة.

 

إن آية الاعتصام في سورة آل عمران شبَّهت الدين بلفظ الحبل وما له من مدلولاتٍ تُوحي بالربط والترابط؛ فهو الذي يُؤلِّف القلوب ويرتقي بالطباع ويزرع التسامح، فهل يعرف التاريخ أن إنسانًا يقسم نصف ماله من أجل رجلٍ لا تربطه به أي صلة ويعرض أن يطلق زوجته ليتزوجها أو رجلٍ يعاديه عمه وأهل قبيلته ويدفع الآخرون الغرباء حياتهم وينفقون أموالهم للوقوف بجواره بلا أي فائدةٍ دنيوية أو مصلحة شخصية؟ وهل يتعب التاريخ نفسه ويبحث في صفحاته عن ما يُماثل أو يقارب تلك النماذج؟

 

إن جسم الإنسان رغم اختلاف تكوين أعضائه واختلاف وظائفها إلا أنها ترتبط بينها بكيميائية خاصة تجعل تلك الخلايا تعرف بعضها بعضًا وتساعد بعضها بعضًا، وإذا دخل جسمٌ غريبٌ فإنها تنقض عليه وتفرز ضده الأجسام المضادة، وهو ما يجعل الأطباء العاملين في مجال نقل الأعضاء يقومون بإجراء تحاليل توافق خلوي بين المُتبرِّع والمُتبرَّع له حتى لا يرفضه الجسم ويهاجمه. فهل نعود إلى كيميائتنا؟

------------------

 d.hamedanwar@yahoo.com