![]() |
|
د. حلمي القاعود |
وفي بعض الفترات يصمت الركاب عن الكلام.. نادرًا ما يتحدث واحدٌ منهم، ولا تستطيع أن تُفسِّر سبب عزوف الناس عن الكلام، اللهم إلا التفسير السطحي المتعلق بانشغال كلِّ واحدٍ بهمومه الخاصة، ومشكلاته الذاتية.. ولكنهم في أحيان أخرى ينطلقون كأنهم السهام المُصوَّبة إلى الأعداء في ميدان المعركة.. لماذا؟ يصعب أيضًا تفسير ذلك، تفسيرًا عميقًا ودقيقًا وشاملاً.
تحدَّث فلاحان في أسى عن مشكلات السماد والقطن، وبنك القرية الذي أعادهم إلى عصر الخواجة اليهودي المرابي!
وفجأة انتفض أحد الركاب، كانت ملابسه تشي بأنه على شيء من الثقافة ومتابعة الأحداث، قال: أما سمعتم عن الحريق الذي شبَّ في العدوة بالفيوم، ولم يطفئوه إلا بعد عشرين ساعة؟
لم يقصد الرجل أحدًا معينًا بسؤاله أو كلامه، ولكن أحدهم تحدَّث بحزن عن الأشخاص الثلاثة الذين انصهروا في الحريق، والفزع أو الرعب الذي استولى على الناس في المنطقة المحيطة به، فخرجوا على وجوههم هائمين، الأمهات يحملن أطفالهن، وبات كثيرٌ من الخلق ليلته في العراء بعيدًا عن النار التي لم تُجد معها الطائرات العسكرية الخاصة بإطفاء الحريق، الذي ظل مستعرًّا حتى انتهى الوقود وتحوَّل إلى رماد!
قال أحد الركاب بغيظٍ واضح: إن سيادة اللواء الوزير الدكتور صاحب المعالي محافظ الفيوم، تحدَّث في قناة المحور وقال بتأفف وكأنه يعمل مجانًا: "آدينا في الشارع نتابع الموقف"، ونسى معاليه أن الناس كلها في العدوة تركوا بيوتهم، وخرجوا إلى الطرقات، وربما كان سيادته ينام القيلولة ويغطُّ في نومه منسجمًا وسعيدًا، وبعيدًا عن النار ولفحها الرهيب، ثم نزل بعد أن أبلغوه أن وزير البترول حضر من القاهرة ليتابع مأساة العدوة وأهلها بنفسه.
زفر الراكب زفرةً ذات دلالة، وقال: لو أن أهل العدوة، كانوا من أصحاب العيون الزرقاء يعني من أوروبا، أو حتى كانوا سياحًا من جنوب إفريقية، لكانت الحكومة كلها ذهبت إلى العدوة، وجلبت كل إمكانياتها لتنقذ الأهالي وتوفِّر لهم أفضل سبل الرعاية والاهتمام، ولكنهم للأسف من المصريين الغلابة، الذين منَّ عليهم اللواء الوزير الدكتور صاحب المعالي محافظ الفيوم وتفضل بالنزول بعد القيلولة، وبعد بداية الحريق بست ساعات، ونسى سعادته أو سيادته أن واجبه الأول هو التأكد من وسائل الأمان في مستودع الوقود الذي احترق، ولكن سيادته فيما يبدو مشغول بأمور أخرى، من عينة اختيار مرشحي الشورى، وكسب الأنصار للحزب الوطني.. أما أمن الناس وأرواحهم، أما الحفاظ على ثروة البلاد التي يُقدِّرها البعض بأكثر من مائتي طن في واحد فقط من الخزانات فهذه أمور ثانوية لا أهميةَ لها ولا قيمة.
قال أحدهم في يأس: يا عم.. المنحوس منحوس.. اتركونا في حالنا.. منهم لله مَن كانوا السبب!
خيَّم الصمت على السيارة، لا يقطعه إلا صوتُ المُحرِّك، وسحابات الدخان الأزرق التي ينفثها فم السائق الذي بدا مغيبًا عمَّا يقوله ركابه، وكأنه تعود على مثل هذا الكلام منذ زمان، فلا يعنيه أمر أحد.
بعد فترة، جاء من الكرسي الخلفي للسيارة صوت أحد الأفندية وكأنه ينعى نفسه لمَن يسمعه: مَن لم يمت بالوقود مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد!
كان الصمت هو الإجابة الوحيدة على كلامه، وإن كانت بعض العيون حاولت أن تسترق النظر إليه.. مما دعاه برهة إلى القول: إنهم يقتلون الناس أحياءً في كفر الدوار مثلما يصهرونهم في خزانات الوقود
