طفت سوريا على مسرح الأحداث الدولية فجأةً، بدأ ذلك في تقرير هاملتون الذي يعكس وجهة النظر القومية الأمريكية في الحزبَين الرئيسيين في الولايات المتحدة, والذي أوصى ضمن استراتيجية معالجة الموقف في العراق بالتفاوض مع سوريا.
وقد ثار جدل واسع في الولايات المتحدة حول هذه النقطة في التقرير، وحاولت مراكز البحوث الأمريكية أن تقدِّمَ تصوُّرًا لحدود التفاوض بين سوريا والولايات المتحدة, فرأى بعضُهم أن الحوار يجب أن يقتصر على مساعدة سوريا للولايات المتحدة في الملف العراقي وحده, ولكنَّ تقديرات هذا الاتجاه لم تتفق على الدور الذي تقوم به سوريا في العراق وحدود الطلبات الأمريكية من سوريا، ورغم أن سوريا قد أعلنت استعدادها للتفاهم في ذلك إلا أن المقابل الأمريكي للتفاهم السوري لم يكن واضحًا.
أما الاتجاه الثاني فكان يرجّح أن يكون الملف مدخلاً إلى تفاهم أشمل بين سوريا والولايات المتحدة, ولكنَّ الإدارة الأمريكية أصرَّت على ضرورة تحديد مقدار التفاهم مع سوريا في أضيق الحدود؛ حتى لا يفسد ذلك خطة الإدارة في الضغط على سوريا، والتي اشتملت على الكثير من أدوات الضغط، بدءًا من الضغط النفسي والتهديد العسكري وفرض العزلة، وانتهاءً بالإجراءات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها مما يتسع كثيرًا عما حدَّده قانون محاسبة سوريا الذي أصدره الكونجرس قبل عدة أعوام.
ومن الواضح أن هذا المنهج لم يرُق للكونجرس الأمريكي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، وكانت رئيسة مجلس النواب بيلوسي هي الأكثر تقدُّمًا في هذا المنهج، وبدا أن هناك حربًا بسبب الحرب بين الكونجرس والرئيس، وكانت آخر تجليات هذه الحرب الدخول في صراع مفتوح بين الطرفين عندما أصدر الكونجرس قانونَ الموافقة على الاعتمادات الإضافية للقوات الأمريكية في العراق إذا قدمت الإدارة الأمريكية جدولاً زمنيًّا للانسحاب، بينما أصرَّ الرئيس بوش على أن إدارة السياسة الخارجية تدخل في اختصاصه، وأن سلامة القوات الأمريكية في العراق هي مسئوليته، وأنه لا يجوز للكونجرس أن يُقحم نفسه في ذلك حتى لا يعرِّض أبناء الوطن للمخاطر في العراق.
ثم جاءت الخطوة الثانية من جانب الكونجرس في مواجهة الرئيس بوش عندما قرَّرت رئيسة مجلس النواب الذهاب إلى سوريا ولقاء الرئيس بشار الأسد، واستكشاف حدود التفاهم السوري الممكن، ومكاشفة الرئيس السوري بما تريده الولايات المتحدة، ولكن الرئيس بوش استهجن هذه الخطوة بكل الكلمات والعبارات، بل اعتبرها عملاً تخريبيًّا لخطته الناجحة في العراق وفي عزْل سوريا، في الوقت الذي يرى فيه العالم كله غير ذلك، وتثير زيارة بيلوسي لسوريا عددًا من النقاط المهمة.
النقطة الأولى: هي ما إذا كان الرئيس بوش على خلاف حقيقي مع بيلوسي بشأن سوريا أم أن المسألة تتعلَّق بتوزيع الأدوار بين شركاء القرار في الولايات المتحدة وهما الإدارة والكونجرس- وفقًا للدستور الأمريكي- والذين يحلو لهم القول بأن الخلاف حقيقيٌّ ويستشهدون بالعبارات الحادَّة التي استخدمها المتحدثان باسم البيت الأبيض والخارجية، وباللهجة القاسية التي تؤكد صدق الخلاف والجدل بين الفريقين، وربما يستدلون على صحَّة الاتجاه بتاريخ العلاقة القصيرة بين بيلوسي وبوش، والذي يشهد بعدم ارتياح الرئيس لنجاحها بل واختيارها لرئاسة مجلس النواب، تمامًا مثل تلك الحدة التي واجه بها الرئيس بيلوسي من ناحية أخرى بشأن العراق، أما القائلون بأن ما بدا صراعًا بين بوش وبيلوسي ليس سوى مسرحية فيرون أن ذلك حتى تسَّوق بيلوسي الموقف الأمريكي عند سوريا كلما كانت معارضة بوش أكثر حدَّةً.
النقطة الثانية: هي موقف إسرائيل من الزيارة، فقد لوحظ أنه رغم التقارب التامّ بين إسرائيل وجماعة بوش إلا أن إسرائيل ساندت زيارة بيلوسي لسوريا، وأيَّدت أن تكون الزيارة مؤديةً إلى إثناء سوريا عما تقوم به ويضرّ بإسرائيل، وهو وقف مساعدتها لحماس وحزب الله وتحالفها مع إيران, ولا يهم إسرائيل في قليلٍ أو كثيرٍ دورُ سوريا في العراق, بل على العكس كلما ساندت سوريا المقاومة العراقية كان ذلك سببًا في إدانتها عند الشعب الأمريكي؛ لأن إسرائيل لا تريد أن تسمع شيئًا عن الانسحاب الأمريكي من العراق لأسباب كثيرة لا مجال لتفصيلها في هذا السياق، بعبارة أخرى فإن زيارة بيلوسي كسبٌ كاملٌ لإسرائيل، فهي الفائز في الحالين، ولا يهمها أن يكون الخلاف بين بيلوسي وبوش خلافًا حقيقيًّا أو مسرحيةً مثمرةً، ما دامت أهداف الزيارة هي نفسها أهداف إسرائيل.
النقطة الثالثة: تتعلق بحساب الفرص التي أتاحتها زيارة بيلوسي لسوريا، فلا شكَّ أن هذه الزيارة- شاء الأمريكيون أم أبوا- تدلُّ على فشل السياسة الأمريكية في عزل سوريا، وأن صمود سوريا في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية قد أثمر، ومما ساعد على ذلك اتساع الورطة الأمريكية في العراق، من الواضح أيضًا أن الزيارة لم تقتصر بنفسها على الحديث عن كيفية مساعدة سوريا واشنطن في العراق، رغم أن هذا الهدف هو هدف تلتقي عنده الإدارة مع الكونجرس، ويلتقي عنده الحزبان الرئيسيان، ولكنه يخرج عن أهداف إسرائيل.
ولا شكَّ أن شمول الزيارة للبحث في مستقبل العلاقات الأمريكية السورية والسورية الإسرائيلية كان نجاحًا لسوريا التي يُفترض أنها تريد مناقشة الملف بالكامل، أما المكسب الثالث لسوريا فهو أن الزيارة هي إشارةٌ لأوروبا والعالم العربي بأن العُزلة المفروضة على سوريا قد انتهت بإرادة أمريكية، وإن كانت موازيةً أو جانبيةً لموقف الإدارة, ذلك أن سوريا تعلم جيدًا أنها إذا كانت معزولةً حقًّا في العالم العربي- وهو ما تريده واشنطن- فإن هذه العُزلة سببها خضوع العالم العربي للضغوط الأمريكية وليس لعيبٍ في سوريا، أما المكسب الرابع لسوريا فهو إخطارُ العالم بأنها تريدُ السلام، وأنها مستعدةٌ للتفاوض مع إسرائيل, وتذكِّر العالم بأن لسوريا أراضيَ محتلةً يجب تحريرها بالطرق السياسية.
المكسب الخامس هو أنه أُتيح لسوريا أن تشرح موقفها, وأن الولايات المتحدة بهذه الزيارة قد قرَّرت تغيير السياسات السورية باتجاه المواقف الأمريكية عن طريق الإقناع وليس عن طريق الضغط، وبذلك تكون واشنطن قد جرَّبت تغيير النظام وتطويع النظام بالقوة والضغط، وتطويعه بالسياسة والإقناع.
بقي أن نحدد نقطةً مهمةً، وهي هل تؤدي هذه الزيارة إلى نتائج ملموسة في أربعة مجالات أساسية، وهي: العلاقات الأمريكية السورية، العلاقات السورية الإسرائيلية، وعلاقات سوريا بحلفائها في فلسطين ولبنان وإيران وأخيرًا موقف سوريا من معطيات الأزمة اللبنانية؟!
بقطع النظر عما دار في المحادثات فإن المكاسب التي أشرت إليها لسوريا قد تحققت، وأضيف إليها إدراك واشنطن أن سوريا التي تدَّعي أنها معزولةٌ هي طرفٌ أساسيٌّ في كل الملفات الإقليمية، وأن الإقبال الأمريكي والأوروبي عليها سوف يتبعه إقبال عربي وإسرائيلي، ولكنني واثقٌ أن المواقف السورية من القضايا الإقليمية ليست وحدها التي صنعت هذه النتيجة ولكنها أساس إحداثها؛ ولذلك فإن سوريا تستطيع أن توفِّق بين موقفها وبين متطلّبات انطلاقها ولكن يكون ذلك إذا فرَّطت في حلفائها أو بالغت في قيمة هذا التحالف.
------------
* السفير د. عبد الله الأشعل- مساعد وزير الخارجية المصري السابق.