سيد نزيلي

 

الكيد للإسلام وللمسلمين مستمرٌ منذ جاء الإسلام، وصدع ونادى به رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم-.. ونزلت عليه الآية الكريمة ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214).

 

ومنذ ذاك الحين.. وعلى مدار عشرين عامًا.. أي وحتى لحق- صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، واجه- صلى الله عليه وسلم- عقبات كثيرة، وقوى مضادة معادية، تتربص به، وتقعد له كل مرصد، وتتلون بأساليبها المختلفة بحسب المرحلة والظرف طوال هذه المدة، وأخذت هذه المواجهات تتوزع بيد الدس والطعن والتشويه والإساءة والرمى بالتهم والصفات الشنيعة والإساءة إلى السمعة، والقول بنقل القرآن عن الغير، وبأنه أساطير الأولين بل والسعى إلى عدم سماع هذا القرآن أصلاً وإكثار اللغو فيه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26).

 

هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى، ناصبت كل القوى الرسول- صلى الله عليه وسلم- العداء، وتمثَّل هذا الإيذاء المادي والبدني في التصدي للمؤمنين الأوائل، وتعذيبهم، والنيل منهم وكانوا موالى أو عبيدًا لدى سادة قريش، بل ونال مَن كان من المسلمين من وجهاء قريش مثل أبو بكر وعثمان، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- نفسه، وطاردوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وتمثَّل ذلك في إرغامهم على الهجرة على فوجين إلى الحبشة (إثيوبيا) الآن، ثم الإخراج الجماعي للمسلمين وعلى رأسهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة المنورة، ثم دارت حروب بدر وأحد والخندق، وأخيرًا "فتح مكة".

 

وعمومًا، فإنَّ القوى التي وقفت أمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تناصبه العداء كانت متمثلة في:

1. قوة مشركي قريش، وكانت تُمثِّل معسكر الكفر والشرك والإلحاد؛ وذلك في مكة المكرمة.

2. قوة النفاق والمنافقين في المدينة.

3. قوة اليهود، في مواطن أربعة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وخيبر.

4. قوة النصارى وكانت في جنوب الجزيرة في نجران وجيزان واليمن، كما كانت في شمال الجزيرة العربية متمثلةً في جيوش الروم الشرقيين في جميع بلاد الشام وتركيا، وعلى تخوم الجزيرة العربية.

 

هذه هي القوى التي وقفت في وجه الدعوة الإسلامية والمدِّ الإسلامي، ولقد أعانه الله عز وجل في التغلُّب عليها جميعًا، وانتهى أمر الجزيرة، في أواخر أيام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألاَّ يكون فيها دينان، بمعنى أن الإسلام فيها كان هو الدين الغالب، وله كلمته وأحكامه في سائر الجزيرة.

 

وسار أمر المسلمين بعد ذلك، وتحت قيادة الخلفاء الراشدين الأربعة، ثم الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، صار أمرهم من نصرٍ إلى نصر، في صعود ورفعة وسداد تفتح لهم البلاد والأمصار، حتى إنه لم تمضِ عشرون سنة فقط بعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلا وقد دانت المنطقة من الصين شرقًا حتى المحيط الأطلسي غربًا- بالإسلام، وحتى وجدنا الفاتح المسلم يُولي وجهه إلى مياه المحيط وهو يمتطي حصانه يقول: "لو أعلم أنَّ خلف هذا البحر أحدًا من الناس لخضته".

 

وكان لهذه الدعوة أعداؤها، وأحزن هذا الفتح الإسلامي قلوب الآخرين، خاصةً أهل أوروبا في شمال الأندلس المسلمة "أو فيما تُسمَّى بأسبانيا الآن"، وكانوا في حالةٍ من التخلف والفقر، وكانت تتحكم فيهم الكنيسة والبابوات، وتفرض عليهم سيطرة مطبقة في كل شئونهم، كما كان يتحكم فيهم الإقطاع والنبلاء.

 

وبتأثيرٍ من باباوات الفاتيكان وتمويلٍ من رجال الإقطاع والأباطرة، بدأت أنظار أوروبا تتجه إلى الشرق، إلى العالم الإسلامي شرق البحر المتوسط