فالملاحَظ أن الدراسات الأوروبية لا تهتم عادةً بمعايير تقييم القمم الأوروبية وتأصيلها، وسبب ذلك هو أن هذه القِمَمَ هي جزءٌ من التزام مؤسسي، فلا يجوز لرئيسٍ في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي أن يتخلَّف لأي سبب عن القمم الأوروبية المعقودة في إطار الاتحاد والتي تتحدَّد سلفًا، كما لا يتصور من باب أولى أن يتخلَّف زعيمٌ عن حضور قمة ثنائية أو جماعية متفَق عليها خارج برامج الاجتماعات الرسمية للاتحاد الأوروبي. من ناحيةٍ أخرى لم يسجَّل أن زعيمًا أوروبيًّا تخلَّف عن حضور قمة لأن علاقاته متوترة مع أحد الزعماء الآخرين، أو أنه يتغيَّب احتجاجًا على أحد أو على موضوع أو يأسًا من أن رأيه لا يؤخذ في الاعتبار؛ لأن ذلك يتعلَّق مباشرةً بصلب الممارسة الديمقراطية التي تحرص أوروبا على أن تكون قاسمها المشترك وعنوان نادي الدول الأوروبية، وأول شروط العضوية الالتزام بالقيم الديمقراطية، أما أن تنجح القمة الأوروبية أو تفشل في معالجة القضايا المدْرَجة على جدول أعمالها ومقدار النجاح أو الفشل فهو لا يرتبط مطلقًا بتحديد نجاح الاجتماع نفسه من عدمه، كما أن فكرة تقديم معايير للحكم على الاجتماع أصلاً ليست واردةً في الثقافة السياسية الأوروبية. إذا انتقلنا إلى الساحة العربية فإن مجرد تعديل الميثاق لكي ينص على دورية القمة العربية كان يبدو نجاحًا ساحقًا في ظل القومية السياسية العربية التي لم تُفرز شيئًا يمكن المباهاةُ به والاعتزاز بقدره، من ناحية أخرى فإن القمم العربية قد أصبحت عنوانًا على فشَل الحكومات العربية في التصدِّى للمشاكل العربية، بل إن البعض صار يخشى من القمم ويتشاءَم منها؛ خشيةَ أن تتحوَّل من لقاءِ كل المشاكل إلى تجمُّعٍ لفرضِ أوضاعٍ تُناقض المصالح العربية في ضوء الهيمنة الأمريكية الواضحة على القرار العربي، تحت عنوان التحالف العربي الأمريكي الذي قسَّم المنطقة إلى معتدلِيْن لا يعارضون السياسات الأمريكية ومتطرِّفين يقفون حجَرَ عثْرَةٍ في سبيل المشروع الأمريكي الصهيوني المناقض لطبيعة المصالح العربية. يمكن أن تُفهم في هذا السياق التعليقاتُ الصحفيةُ السابقةُ على القمم العربية وكذلك تأكيد بعض القيادات العربية أن مشروعات القرارات العربية يتم صياغتُها في واشنطن، وبصرف النظر عن مدى صحَّة هذه المقولات أو خطئها أو مبالغتها إلا أنها تعكس ظاهرةً ليس لها مثيلٌ في أوروبا التي نقيس عليها, وهو ظلُّ واشنطن الكثيف على المنطقة العربية. من ناحية أخرى فإن تواتر فشل القمم العربية على الأقل منذ عام 2002 وتداخُل السياسات الأمريكية الصهيونية كان سببًا في خَلق المزيد من عوامل الشقاق بين الحكم والشارع في العالم العربي، خصوصًا بعد تداخل أوراق الداخل بالخارج، واستغلال الخارج وتوظيفه لسوط تدخله في ترويض الحكومات العربية، واطئمنان هذه الحكومات إلى أنه من السهل التعاون مع هذا الخارج بدلاً من التجاوب مع ضغوط الداخل, لسبب بسيط، وهو أن تعاون الحكومات العربية مع هذا الخارج يمس السيادةَ والاستقلالَ في عصرٍ تستطيع فيه هذه الحكوماتُ أن تتذرَّع بأن العولمة وما أحدثته من انحسارِ أسوارِ السيادة الوطنية لا تجعل إغفال بعض مظاهر الاستقلال في القرار الوطني أمرًا مستهينًا أو عمالةً للأجنبي أو تفريطًا في السيادة الوطنية، ما دامت خطب الرؤساء العرب وتصريحاتهم تحمل عبارات الإباء والشمم والشرف والاستقلال، وغيرها من مفردات القاموس العربي، رغم أنه باسم السيادة والاستقلال تُباع أوطانٌ بأكلمها، بمن عليها وما عليها!! أما مرونة الحكومات العربية مع المعارضة الداخلية فتعني التخلي عن السلطة المطلقة لصالح مجموعاتٍ أخرى تطالب باستحقاق الشعارات الديمقراطية، وهذه المساحة تعدُّ خصمًا مباشرًا من حِصَص الحكَّام، بالمقارنة بما يخصمه الخارج من سيادة الوطن، وهي عندهم مسألة نظرية يمكن التعامل معها. تنفرد القمم العربية أيضًا بخاصِّيةٍ فريدةٍ وهي المبالغة في صياغة القرارات حتى يظن القارئ أن هذه القراراتُ قد أنهَت المشاكل العربية، وأن مجرد انعقاد القمة وصدور هذه القرارات هو نهاية المطاف، فلما تكاثرت هذه القرارات التي لا تجد سبيلَها إلى التنفيذ أضاف ذلك المزيد من عوامل التوتُّر إلى علاقة الشارع بالحكم في العالم العربي. أما سبب المبالغة في صياغة القرارات فربَّما يرجع إلى شعور الزعماء العرب بالحاجة إلى التعبير الحرّ، ما دام التنفيذ يخضع للمواءمات الكثيرة, أي أن القرارات أصبحت ساحةً للتفتيش وإبراءً للذمة، حتى إن بعض الزعماء قد طالب بعلنية الجلسات حتى يشهد الشارعُ العربيُّ خطابَه الناريَّ وتدخلاتِه البطولية. بعبارة أخرى اقترنت شدَّة قرارات القمم العربية خلال فترة معينة باهتمام القادة العرب بالشارع العربي بشكلٍ ما وحرصهم على إرضائه بصرف النظر عن مصير القرارات التي تمَّ اتخاذها، ولم نشهد زعيمًا عربيًّا واحدًا قد تخلَّف عن نقْد الزعماء العرب جماعةً لا فرادى، وحتى عندما بحث القادة العرب عملية الإصلاح في الداخل بضغط من الخارج تحدَّثوا بصفة الجمع والتزموا التعميم حتى تضيعَ مسئوليةُ الإصلاح ويُوزَّع دمه بين القبائل العربية!! حصيلة ذلك كله هو أن فجوة الثقة اتسعت بين الشارع العربي والحكم في العالم العربي، وتناثرت اتهاماتٌ من الشارع للحكم بالتواطؤ أو على الأقل بالتهاون في الحقوق العربية. من ناحية خامسة فإن شيوع الطابع العاطفي للعلاقات العربية يرجع إلى الطابع الشخصي للحكم في العالم العربي، كما يرجع إلى التراث الثقافي العربي ومجافاة الطابع المؤسسي. من ناحية سادسة فإنه في إطار الثقافة العربية يتحدَّد حضور الزعماء للقمة بالبلد الذي تُعقد فيه, وغالبًا ما يكون حضور الزعماء مجاملةً لرئيس البلد المضيف، ويكون تفادي التغيُّب عن القمة دافعه الحرص على علاقات الضيف بالمضيف، وخلال الستينيات كانت العلاقات المصرية العربية تتَّسم بخاصيَّتَين: أولاهما: العلاقات الدبلوماسية المقطوعة معظم الوقت بين مصر وبعض الدول العربية. ثانيهما: دور مصر في قيادة العالم العربي في المواجهة مع إسرائيل, فلما انفردت مصر بالصُّلح مع إسرائيل قُطعت العلاقاتُ الدبلوماسيةُ كلُّها مع مصر, مع فارقٍ واحدٍ، وهو أن التوتر بين مصر وبعض الدول العربية هو الذي سبَّب قطع العلاقات, ولكن قطع العلاقات بسبب الصلح مع إسرائيل كان عملاً جماعيًّا عربيًّا يهدف إلى استرجاع مصر إلى الموقف العربي العام وعدم الانفراد بالتسوية مع تجاهل حقوق بقية الأطراف العربية المتضرِّرة من العدوان الإسرائيلي عام 1967. والحكم على نجاح القمة العربية أو فشلها ممكن وفق عدد من المعايير: المعيار الأول: مدى نجاح القمة في حسم القضايا المفروضة عليها، وللحسم وجهان، وجه نظري أي على مستوى القرارات، وبهذا المعيار فإن النجاح كان حليفَ قمم عربية كثيرة في المرحلة التي سبقت الإشارة إليها، الوجه الآخر هو قدرة العالم العربي على تنفيذ القرارات، والملاحظ في هذا الصدد أن القمم العربية- وخلافًا للقمم في كل مناطق العالم الأخرى- تركِّز على قضايا العلاقات بين العالم العربي والدول الأجنبية, وليس في وجود هذه الظاهرة أن المنطقة العربية مشتبكة مع العالم الخارجي بشكل كثيف بسبب موقعها ووجود إسرائيل والنفط. المعيار الثاني: هو قياس صعوبة الموضوعات على جدول الأعمال بظروف القمة وقدرتها على التعامل معها، وذلك أن ضعف المنطقة العربية في علاقاتها بضغوط النظام الدولي لأسباب عديدة يجعل قدرة هذه الضغوط على التأثير على القمة أمرًا واردًا, كما يجعل قدرة هذه الضغوط على تفريق المواقف العربية وإفشال القمة ملحوظة. المعيار الثالث: هو المقارنة بين مواقف القمة من قضايا معينة ومواقف القمم السابقة في نفس القضايا. المعيار الرابع: هو معدل حضور الشخصيات ومستواها وأسباب تغيُّب الزعماء الكبار، سواءٌ لمشاغل لديهم أو لسبب يتصل بموقفهم من الدولة المضيفة أو من الموضوعات المطروحة، فقد لوحظ أن حساسية بعض الموضوعات أو حساسية العلاقات بين بعض الشخصيات كانت تدفعهم إلى الاعتذار عن حضور القمم لتفادي الاحتكاك، كما حدث بين العقيد القذافي والأمير عبد الله في عهد الملك فهد في إحدى هذه القمم، وظلت الحساسية قائمةً، خاصةً بعد نشْر بعض الصحف الأمريكية مؤامرةً ليبيةً ضد الأمير السعودي، وقد أشرنا في صدد هذه المقالة أن مقاطعة القمم العربية من جانب بعض الشخصيات العربية ليس مألوفًا في قمم المناطق والمنظمات الدولية الأخرى. المعيار الخامس: هو مدى اجتهاد الدولة المضيفة في الترتيب والتنظيم للقمة, وحسن الضيافة للضيوف، ورغم وضوح هذه المعايير إلا أن الحكم على القمم العربية في نظر الشارع العربي لا يكترث بأي من هذه المعايير، وإنما يهمُّه ماذا قدمت القمة لحلِّ المشكلات المطروحة على جدول أعمالها, فالشعوب تهتم بالنتائج النهائية وليس بالتفاصيل التي تهمُّ الباحثين والدارسين.
أعتقد أن تقييم القمم العربية تخضع لعوامل لا علاقةَ لها بالدراسة العلمية في هذا الكتاب؛ ولذلك فإن مثل هذه الدراسة لازمةٌ في منطقتنا العربية على وجه الخصوص.