بقلم: د. حامد أنور

تُحيرني للغاية دولة الفاتيكان القابعة على تل الفاتيكان في العاصمة الإيطالية روما، وسبب الحيرة أنَّ هذه الدولة رئيسها هو رجل دين يرأس دولة داخل الدولة, دولة لها سفراء في أكثر من مائة وستين دولةً في العالم، وهذه الدولة لا يختار الشعب الإيطالي رئيسها رغم أنها موجودة على أرضه وفي عاصمة بلاده، بل يختاره مجموعةٌ من رجال الدين الكاثوليكي يسمون الكرادلة الذين يتجمعون من معظم دول العالم ويجتمعون لبضعة أيام- كان في الماضي لعدة أسابيع أو شهور حتى إنَّ أحدهم قد مات أثناء فترة التصويت- في مكانٍ أُعد خصيصًا لهم يُعزلون فيه عن العالم، وعندما يتصاعد الدخان الأبيض فقد ظهرت البشارة واختير رئيس الدولة الذي يظل جاثمًا على أنفاسها حتى الموت، فلا يتم تحديد مدة أو فترة رئاسة أو انتخابات تجديدية.. كيف يكون ذلك وهي دولة تنطق عن الإله، فالفاتيكان كلمة لاتينية تعني دولة النبوة أو دولة الوحي الإلهي من (vaticanus).

 

لا ندري كيف لأوروبا العلمانية أن تحتضن دولةً دينيةً على أراضيها أوَلَمْ تدر ظهرها للدين مع تباشير الثورة الفرنسية؟ وكيف يرضى الشعب الإيطالي أن يحتضن دولةً ذات سيادة على أرضه وهو لا يشارك في اختيارِ رئيسها؟ وما دامت أوروبا تتشدق بالمساواة والإخاء وعدم التمييز رغم أن دينهم العلماني قسَّم سكان مدينة واحدة قسمين هي مدينة برلين، ورغم أن دينهم العلماني مزَّق أواصر الصلة بين العائلات الكورية ففرَّقوهم بحدودٍ مصطنعةٍ بسبب صراعاتهم العلمانية بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية.

 

ولكن سنسير مع ادعاءاتهم النبيلة فلماذا لا تسمح للمسلمين أن يقيموا دولةً على الأراضي الإيطالية مثل الفاتيكان والمسلمون قادرون على متطلباتِ تلك الدولة وأكثر، فمساحة الفاتيكان أقل من نصف كيلو متر مربع والمسلمون باستطاعتهم أن يحصلوا على كيلو متر مربع وأكثر وعدد سكان الفاتيكان لا يتجاوز الألف والمسلمون بإمكانهم تجميع أضعاف هذا العدد.

 

فلماذا في ظلِّ الحديث عن حقوق الأقليات يُحرم المسلمون من هذا الحق؟ أو لماذا لا يتحول الفاتيكان مثل الأزهر عندنا إلى مؤسسةٍ دينيةٍ خاضعة للدولة الإيطالية، ويختار رئيس الحكومة الإيطالية البابا الخاص بها، وبذلك يتم حل تلك الإشكالية، أما أن يصبح الفاتيكان دولةً داخل دولة وتصدر تصريحات غير مسئولة عن رئيسها فهذا أمر لا نقبله، وأعتقد أن الشعب الإيطالي أيضًا كذلك.

 

إن الفاتيكان الذي تأسس عام 1929م وله قوة أمنية من سويسرا تحميه، وقام بأدوار سياسية مثيرة للشك فقد اعتذر عن المحارقِ النازية ومحاكم التفتيش ضد اليهود وبرَّأ اليهود واعترف بكيانهم الغاصب لا بد أن يتم إبعاده عن السياسة في أوروبا العلمانية لا أن يتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية كما تحالف بولس مع ريجان إبَّان الحقبة السوفيتية ضد المدِّ الشيوعي.. وللأسف هذا ما يفعله بينديكت السادس عشر حاليًا مع السيد بوش.

--------------

* d.hamedanwar@yahoo.com