تقمع شركة ميتا المحتوى الفلسطيني منهجياً، ولا يمكن تفسير ذلك باعتباره أخطاءً فردية، وإذ يعكس هذا القمع أنماطاً متكرّرة في تطبيق السياسات وآليات الإشراف على المحتوى، بحسب نتائج بحثٍ جديد صادر عن المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) بعنوان "الإبادة الرقمية لفلسطين عبر منصات التواصل".

رصد البحث أنماط الرقابة والقمع التي استهدفت المحتوى الفلسطيني عبر منصات ميتا، وتحديداً "فيسبوك" و"إنستجرام"، مستنداً إلى تحليل 3520 حالة وُثّقت عبر المرصد الفلسطيني لانتهاكات الحقوق الرقمية (حُر) بين عامي 2021 و2025، وشملت شكاوى تتعلق بحذف المحتوى، وتعليق الحسابات، وفرض قيود على المستخدمين، وتقليص الوصول للمنشورات، إضافةً لمتابعة آليات استجابة الشركة للاعتراضات المقدّمة من المستخدمين والمؤسسات الحقوقية.

ركّز الباحث الرئيسي فابيو كريستيانو من جامعة أوترخت الهولندية على ثلاثة محاور رئيسية، وهي سياسات "ميتا"، وآليات تنفيذ الإشراف على المحتوى، والتواصل مع المستخدمين المتضرّرين. وبيّنت النتائج عن قصور كبير في الشفافية، ففي 67.5% من الحالات الموثقة لم يحصل المستخدمون على جواب واضح حول السياسة التي زُعم مخالفتها. فيما بقي العديد من طلبات الاستئناف من دون ردّ، وتجاهلت الشركة نحو نصف طلبات الاستئناف التي قدمها "حملة" بين عامي 2021 و2025، والبالغ عددها 2800 طلب.

قال كريستيانو إن "ميتا" تعتمد على بنية اجتماعية وتقنية لقمع المحتوى الفلسطيني، تقوم على "التوسع في تطبيق السياسات، والإنفاذ غير المتناسب بحق الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، والتغييرات غير المعلنة في السياسات، والقمع الخوارزمي، وتأخير استعادة المحتوى، وضعف أو غياب التواصل مع المستخدمين والجهات المعنية". وأشار إلى أن "هذه الإبادة الرقمية تصاعدت بعد السابع من أكتوبر 2023 وخلال الإبادة الجماعية في غزة، في الوقت الذي كان الفلسطينيون بأمسّ الحاجة إلى المنصات الرقمية".

وبيّنت الدراسة أن سياسة المنظمات والأفراد الخطرين (تعرف اختصاراً بالانجليزية بـDOI) كانت الأداة الأكثر استخداماً من قبل الشركة لقمع المحتوى الفلسطيني، إذ استندت "ميتا" في 57.2% من الحالات التي أمكن تحديد السياسة المطبقة عليها إلى هذه السياسة تحديداً. وبحسب معايير مجتمع "ميتا"، تهدف هذه السياسة إلى مكافحة الترويج للجماعات المصنفة إرهابية أو عنيفة، لكنّها استخدمت على نطاق واسع لإخضاع المحتوى الفلسطيني للمراجعة أو العقوبات، ووثّق "حملة" حالات تعرض فيها صحافيون فلسطينيون لتقييد حساباتهم أو لإزالة محتواهم أثناء تغطية أحداث مرتبطة بالحرب على غزة أو بفلسطين عموماً، لمجرد استخدامهم كلمات مثل حركة حماس أو كتيبة جنين في منشورات حيادية ذات طابع إخباري. وأشار البحث إلى أن هذه السياسة استخدمت في 476 حالة لوسائل إعلام خضعت للإشراف، إلّا أن تطبيقها لم يكن مسوّغاً سوى في 20 حالة أي ما يعادل 4.3% فقط من مجمل الحالات.

كشفت البيانات أن الممارسة الأكثر شيوعاً لدى "ميتا" عند تطبيق الإشراف على المستخدمين الفلسطينيين كانت تعليق الحسابات مؤقتاً أو دائماً في 33.7% من الحالات، يليها فرض قيود متفاوتة بنسبة 29.5%، يليها إزالة المحتوى في 25% من الحالات. أشار البحث إلى أن هذه الأرقام تعكس تحوّلاً في طبيعة الرقابة الرقمية، التي تطاول قدرة المستخدم على الوصول إلى الجمهور والتفاعل معه، وهو ما يؤثر على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية الذين كانوا هدفاً لـ46.2% من حالات تعليق الحسابات التي رصدت.

تطرّق البحث إلى ما يصفه بالإشراف الخفي الذي تمارسه منصات "ميتا" من خلال الخوارزميات، لافتةً إلى زيادة ملحوظة في الشكاوى المتعلقة بتقليص الانتشار أو ما يعرف بـ"الحجب غير المرئي" (Shadow Banning)، إذ يبقى المحتوى منشوراً لكنّه لا يصل طبيعياً إلى المستخدمين الآخرين. حذّر "حملة" من أن هذا النوع من الحجب يصعب رصده لأنّه غالباً ما يتم من دون إبلاغ المستخدم بذلك رسمياً، لكنّه يؤثر مباشرةً في قدرة المحتوى الفلسطيني على الوصول إلى الجمهور.

كانت المشكلة في تواصل "ميتا" مع المستخدمين المتضررين إحدى أبرز النقاط التي ركّز عليها البحث، فقد أظهرت البيانات أن ما يقارب نصف الاستئنافات المقدمة لم تلقَ أي تجاوب من الشركة، أما الحالات التي ردّت فيها "ميتا" فقد جاءت إجاباتها عامةً ومقتضبة في معظم الأحيان، من توضيح السياسة التي استند إليها القرار أو طبيعة المخالفة المفترضة.

في الوقت نفسه، أشار البحث إلى أن مقارنة أداء "ميتا" قبل السابع من أكتوبر 2023 وبعده أظهر ارتفاعاً كبيراً في عدد الحالات التي اعترفت الشركة لاحقاً بأنها اتخذت فيها قرارات خاطئة. ففي الفترة السابقة لهذا التاريخ، أقرت "ميتا" بإزالة محتوى خطأً في 14 حالة فقط أي 0.8% من الحالات التي درست. أما بعد أكتوبر 2023، فقد ارتفع العدد إلى 248 حالةً، أي ما يعادل 23% من العدد الإجمالي. كما ارتفع عدد الحسابات التي تبين لاحقاً أنها تعرضت لتقييد خاطئ من ثلاثة فقط قبل أكتوبر 2023 إلى 49 حساباً بعده. عكست هذه المؤشرات، بحسب معدّي التقرير، زيادة كبيرة في أخطاء الإشراف خلال فترة الحرب، ما يثير تساؤلات حول دقة أنظمة المراجعة الآلية والبشرية التي تعتمدها الشركة في التعامل مع المحتوى الفلسطيني.

ودعا "حملة" شركة ميتا إلى إجراء مراجعة شاملة لسياساتها وأنظمة الإشراف الخاصة بالمحتوى الفلسطيني، وتعزيز الشفافية في القرارات، وتحسين فهم السياقات اللغوية والثقافية والعربية، وتطوير آليات استئناف أكثر فعالية وسرعة. كما طالب بإخضاع أنظمة التوصية والخوارزميات لمراجعة مستقلة تراعي مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير، وتوفير ضمانات أكبر لحماية العمل الصحفي والحقوقي على منصاتها.