لم يعد النزوح في قطاع غزة يعني فقط فقدان المنازل والبحث عن مأوى آمن، بل تحول بالنسبة لآلاف العائلات إلى مواجهة يومية مع ظروف بيئية وصحية قاسية، في ظل انتشار مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات بالقرب من الخيام ومراكز الإيواء.
ففي العديد من مناطق مدينة غزة، تنتشر خيام النازحين وسط بيئة متضررة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، حيث تحيط بها برك المياه العادمة وأكوام النفايات والركام، ما يثير مخاوف متزايدة من تفشي الأمراض بين السكان، خاصة الأطفال وكبار السن.
معاناة تتجاوز النزوح
يقول النازح خالد السالمي، الذي اضطر للنزوح أكثر من مرة منذ بداية الحرب، إن عائلته اعتقدت أنها وجدت مكاناً أكثر أمناً بعد مغادرة منزلها، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف.
ويضيف أن الخيمة التي يقيم فيها تقع بالقرب من تجمع للمياه الراكدة، الأمر الذي تسبب بانتشار الحشرات والبعوض بشكل كبير، إلى جانب الروائح الكريهة التي تلازم السكان على مدار الساعة.
ويشير إلى أن عدداً من أطفاله تعرضوا لمشكلات صحية متكررة، بينها الحساسية والالتهابات الجلدية، فيما تتزايد المخاوف من تدهور أوضاعهم الصحية مع استمرار الظروف الحالية.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
وفي خيمة مجاورة، تؤكد النازحة أم محمد الحداد أن الأطفال هم الأكثر تأثراً بالأوضاع البيئية المحيطة بمخيمات النزوح.
وتوضح أن ضيق المساحات وغياب أماكن آمنة للعب يدفع الأطفال إلى البقاء بالقرب من مصادر التلوث، سواء كانت مياه صرف صحي أو أكوام نفايات متراكمة منذ أشهر.
وتقول إن العائلات تحاول تنظيف محيط خيامها بوسائل بسيطة، إلا أن حجم المشكلة يفوق قدراتها، خاصة مع استمرار تدفق المياه العادمة وعدم انتظام عمليات جمع النفايات.
وتضيف أن العديد من الأمهات يشتكين من ظهور أعراض مرضية مختلفة على أطفالهن، تشمل السعال المستمر والطفح الجلدي ومشكلات الجهاز التنفسي.
انهيار شبه كامل للبنية التحتية
وتعكس هذه المعاناة واقعاً أوسع يعيشه قطاع غزة، حيث تشير بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة إلى تعرض أكثر من 90 في المائة من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي لأضرار جسيمة خلال الحرب.
كما تضررت أجزاء واسعة من شبكات الصرف الصحي التي تمتد لنحو 1545 كيلومتراً، إضافة إلى تدمير أو تعطيل 47 محطة ضخ، ما أدى إلى تراجع قدرة الجهات المختصة على إدارة المياه العادمة ومنع تسربها إلى المناطق السكنية.
ومع استمرار انقطاع الكهرباء ونقص الوقود، تفاقمت الأزمة بشكل أكبر، إذ أصبحت محطات الضخ والمعالجة غير قادرة على العمل بالكفاءة المطلوبة، ما تسبب في تدفق المياه العادمة إلى الشوارع ومحيط أماكن النزوح.
أزمة نفايات خانقة
ولا تقتصر التحديات البيئية على الصرف الصحي فقط، إذ تواجه البلديات أزمة متفاقمة في إدارة النفايات نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بآلياتها ومعداتها.
وتشير تقديرات محلية إلى تراكم نحو 710 آلاف طن من النفايات المنزلية في مختلف مناطق قطاع غزة، في وقت تعجز فيه البلديات عن جمعها أو معالجتها بصورة منتظمة بسبب نقص المعدات والوقود.
ويقول النازح سامر أبو زيد إن النفايات باتت جزءاً من المشهد اليومي داخل المخيمات، مضيفاً أن بعض السكان يلجؤون إلى حرق أجزاء منها للتخفيف من تراكمها، رغم ما يسببه ذلك من أضرار صحية إضافية.
الركام يفاقم التلوث
إلى جانب النفايات المنزلية، يواجه القطاع تحدياً بيئياً آخر يتمثل في الكميات الضخمة من الركام الناتج عن تدمير المباني والمنشآت.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى وجود أكثر من 60 مليون طن من الركام في أنحاء قطاع غزة، نتجت عن تدمير أكثر من 330 ألف وحدة سكنية ومنشأة، ما أدى إلى زيادة مستويات التلوث وانتشار الغبار والمخلفات في مناطق واسعة.
ويرى مختصون أن استمرار وجود هذه الكميات الكبيرة من الركام يشكل خطراً بيئياً وصحياً طويل الأمد، خصوصاً في المناطق المكتظة بالسكان والنازحين.
تداعيات على البيئة والأمن الغذائي
وامتدت آثار الحرب إلى القطاع الزراعي، حيث أظهرت تقارير أممية أن نحو 86 في المائة من الأراضي الزراعية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر، فيما ارتفعت النسبة في شمال القطاع إلى نحو 94 في المائة.
ويحذر خبراء من أن تراجع المساحات الزراعية المنتجة يهدد الأمن الغذائي لملايين السكان، ويزيد من اعتمادهم على المساعدات الإنسانية في ظل استمرار الأوضاع الراهنة.
كما تشير تقديرات بيئية إلى أن العمليات العسكرية والتدمير خلفت ملايين الأطنان من الانبعاثات الكربونية، ما يضيف أعباء جديدة على البيئة في القطاع.
تحذيرات من موجة أمراض
ويحذر مختصون في الشأن الصحي من أن استمرار انتشار المياه العادمة وتراكم النفايات بالقرب من التجمعات السكانية قد يؤدي إلى تفشي أمراض معدية وأوبئة، خاصة في ظل الاكتظاظ الكبير داخل مخيمات النزوح.
ويطالب النازحون والمؤسسات المحلية بتدخل عاجل لدعم البلديات بالمعدات والوقود، وتحسين خدمات الصرف الصحي وجمع النفايات، إضافة إلى توفير مصادر مياه نظيفة ومرافق صحية آمنة.
وبين خيام تحاصرها النفايات ومياه الصرف الصحي، يعيش آلاف النازحين في غزة واقعاً إنسانياً بالغ الصعوبة، حيث لم تعد معركة البقاء تقتصر على النجاة من الحرب، بل أصبحت تشمل أيضاً مواجهة أخطار بيئية وصحية تتفاقم يوماً بعد يوم.