![]() |
|
د. حلمي القاعود |
يبدو أن المعركة بين الإسلام وخصومه تعتمد في جانبٍ كبيرٍ منها على المصطلح؛ ذلك أن هؤلاء الخصوم يملكون سلاحًا قويًّا وفعَّالاً وهو سلاح الإعلام: تلفزة وصحافة وإذاعة ووسائط ثقافية متنوعة؛ لذا يشعيون المصطلحات التي تخدم معركتهم ضد الإسلام، وتُدلِّس على كثيرٍ من الناس العاديين الذين يعدُّون الكلمة المطبوعة أو المذاعة شبه مقدسة لا تقبل التكذيب ولا المناقشة.
كان من بين هذه المصطلحات مصطلح "الدولة الدينية" مرادفًا للدولة الإسلامية، ومصطلح الدولة المدنية مرادفًا "للدولة العلمانية"، ومصطلح "الاستنارة" مرادفًا "للتسامح"، ومصطلح "الحداثة" مرادفًا "للتقدم".
والحق أن هنالك فروقًا دقيقة ومهمة تفصل بين هذه المترادفات، ولا تجعلها متقاربة أبدًا أو ذات جذرٍ مشتركٍ على الأقل، كما يفترض علماء اللغة والبلاغة فيما يُعرف بالترادف، وإن كان بعضهم لا يعترف به أصلاً، ويرى أن كلَّ لفظ في اللغة له دلالة مختلفة عن الآخر، ولا يرادفه؛ أي لا يشاكله في المعنى كليًّا أو جزئيًّا.
"الدولة الدينية" أو "الثيوقراطية" على سبيل المثال، مصطلح وفد إلينا من أوروبا؛ حيث ساد الحكم الديني أو الثيوقراطي في العصور الوسطى، وصار للكنيسة الحكم الأول والأخير في قضايا السياسة والعلم والمجتمع، لا ينقضه أحد، ولا يلغيه غير الذين أصدروه.. والإسلام لم يعرف هذه الدولة أبدًا، إنه يعرف دولة يُسيّرها بشرٌ يُصيبون ويخطئون، لا أحد منهم معصوم أو مقدس، وتستطيع امرأةٌ أن تراجع الخليفة أو الحاكم، فيقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".. دولة الإسلام لا تعرف صكوك الغفران أو الحرمان ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾ (الإسراء).
ودولة الإسلام تقوم على الشورى.. ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).
كما تتميز بالاعتماد على منهج العدل والإحسان والتكافل الاجتماعي.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).
وهي دولة لا تعيش في الماضي إلا بقدر ما فيه من قدوةٍ حسنةٍ ومثل رفيعة وأيام مضيئة، ثم إنها مأمورة بالعيش في المستقبل، وأداته الأولى هي العمل الجاد المتقن الذي يشهد عليه الله والرسول والمؤمنون: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة).
وإذا كان العمل أداة المستقبل، فالعلم مضمون هذا العمل، وكان العلماء هم صفوة المجتمع الإسلامي الذين يخشون ربهم بحكم ما وصلوا إليه من معرفةٍ وثقافة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28).
الدولة الإسلامية دولة بشر يُصيبون ويُخطئون- كما سبق القول- وهم يعملون على هدى من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وإجماع الأمة واجتهاد العلماء فيما يستجد من أمور الحياة والمجتمع، هي دولة متحركة متطورة إلى الأمام، ما لم يتحكم فيها طاغية، أو جبار، يتخلى عن قيم الإسلام ومفاهيمه، فتتعطل الحركة ويتوقف التطور، وتصبح دولة الإسلام قصعة الأمم، كما تنبأ البشير النذير- صل
