الجدل الذي ثار بمناسبة قمة الرياض العربية يوم 29 مارس 2007 بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بعد كلمة الملك عبد الله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين في افتتاح هذه القمة لفت الأنظار بشدة إلى أمور عديدة، بعضها يتعلق بالعلاقات السعودية الأمريكية وغيرها، ولكن يهمنا فيما أُثير أن نحدِّد في هذه المقالة الوضع القانوني للوجود العسكري الأمريكي في العراق بعد أن أحاطت به الكثير من الغيوم والأوهام والأقاويل، فقد أكد الملك عبد الله في كلمته أن العراق يعاني من احتلال أجنبي غير مشروع، فردَّ البيت الأبيض ووزارة الخارجية بسرعة مدهشة، مؤكدين أن الوجود العسكري في العراق ليس احتلالاً وإنما أساسه دعوةٌ من الحكومة العراقية الشرعية المنتخبة، وفي إطار قرارات مجلس الأمن.

 

ولا بد أن نعترف بأن المواطن العربي بل وشعوب العالم قد وقعوا في مأزق يتعلق بتحديد الوضع القانوني للقوات الأجنبية في العراق، والسبب في هذا اللبس هو أن مجلس الأمن قد تم توظيفه للمساهمة في تقديم انطباع مضلّل لوضع هذه القوات؛ حيث أكد القرار 1546 نقل السيادة من القوات الأجنبية إلى الحكومة العراقية المنتخَبة بنهاية شهر يونيو عام 2005م، وأطلق على هذه القوات الأجنبية وصفًا جديدًا هو القوات المتحالفة مع الحكومة العراقية، غير أن مجلس الأمن كان قد ساهم بالقرار رقم 1483 الصادر في سبتمبر 2003 في هذه الصورة المغرضة؛ حيث فسَّرته الولايات المتحدة وبريطانيا بأنه يضفي الشرعية على الاحتلال، وكان يجب علينا نحن المفكِّرين والمشتغلين بالدراسات القانونية الدولية في العالم العربي أن نجلِّيَ هذا الوهم وأن نبدِّده، على الأقل بالنسبة للمواطن العربي، على أساس أن هناك فرقًا بين وصف الاحتلال وتنظيم وضعه وبين إسباغ الصفة الشرعية عليه، كما أنه لا يُتصوَّر أن يعترف مجلس الأمن فيما زعمت الولايات المتحدة بالاحتلال.

 

أما السبب الثاني في هذا اللبس فهو أن هذا القرار 1546 قد ارتبط بإطلاق ما أسماه بالعملية السياسية التي انخرط فيها العالم العربي وشجَّع عليها؛ أملاً في إنشاء نظام سياسي يكون بديلاً عن النظام السابق الذي أسقطته الولايات المتحدة بغزوها للعراق.

 

ومن الواضح أن الولايات المتحدة زعمت أن غزوَها مشروعٌ؛ بناءً على عدد من الاعتبارات التي رفضها العالم والشعب الأمريكي، وأهمها أن واشنطن استخدمت القوة ضد نظام مستبدٍّ بشعبه، خطر على جيرانه والعالم، وأنها قامت نيابةً عن المجتمع الدولي بهذه المهمة المقدسة الذي باركها الربُّ وألهم بها أحدَ مخلصيه، وهو الرئيس بوش، الذي أكد في أكثر من مناسبة بأنه مبعوثُ العناية الإلهية، أي أن هذه المهمة المقدَّسة قد تقرَّرت من جانب الرب حبًّا في شعب العراق الذي ابتهل إلى الله في صلواته أن يخلصه من طاغية العراق.

 

أما الاعتبار الثاني فهو أن صدام حسين يمتلك أسلحةَ الدمار الشامل، وأن على الرئيس بوش أن ينقِذ العالم من خطره بعملية تؤدي إلى إسقاطه؛ حتى لا يستخدم هذه الأسلحة ضد عباد الله.

 

الاعتبار الثالث هو أن الرئيس بوش قد بعثه الله خصيصًا لكي يحارب القاعدة والإرهاب في العراق، على افتراض أن العلاقة وثيقة بين صدام والقاعدة، ورغم أن كل هذه الاعتبارات مضلّلة إلا أن الرئيس بوش لا يزال حتى الآن يعتقد أنه يحارب أعداء العالم والولايات المتحدة في العراق، وأن هذه الحرب المقدَّسة تستمد شرعيتها من شرعية أهدافها، حتى وإن بدت للعامة من أمثالنا عدوانًا صارخًا على شعب العراق وجريمةً ضد كرامته ووجوده ووحدته الوطنية والإقليمية.

 

والحق أن الدارس لقرارات مجلس الأمن من الناحية النصية سوف يخرج بنتائج غير قانونية، ولعل نصوص هذه القرارات كانت مقصودةً حتى تُغريَ فقهاءَ السلطة في الولايات المتحدة بأن يشيعوا في أعرق المجلات القانونية الأمريكية أن الوجود الأمريكي في العراق ليس احتلالاً وإن بدا كالاحتلال، وحتى لو صح أنه احتلالٌ فإنه يكتسب شرعيتَه من شرعية ونُبْل أهدافه، وهي إسقاط الطاغية الذي عجز شعبُه عن إسقاطه، وإنشاء نظام ديمقراطي ينعم به الشعب مكافأةً من الربِّ على ما عاناه من محن، فعوضه الربُّ هذا النظام الديمقراطي نتيجةَ صبره واحتسابه.

 

ومما شجَّع الرئيس بوش على التمادي هو سكوت العالم العربي، وأن الخطاب السياسي العربي لم يختلف عن الخطاب السياسي الأمريكي، حتى فوجئ العالم العرب