ياسر الزعاترة

 

تنعقد القمة العربية في الرياض في ظروفٍ استثنائية، إذ لا تنحصر الأزمة في الملف الفلسطيني، بل تتجاوزه إلى عراقٍ محتلٍ يقاوم الغزاة، فيما ينزف تحت وطأة الاقتتال الطائفي، وإلى لبنانٍ يعيش معضلة تفوح منها الروائح الطائفية أيضًا، مرورًا بصومالٍ يقع تحت الاحتلال الإثيوبي الأمريكي، وليس انتهاءً بسودانٍ محل رسم الوصاية الأجنبية.. إلى جانب ذلك كله، هناك خلل في منظومة القرار العربي الأساسي، ففي حين يقوم التماسك العربي التقليدي على قدرٍ من التفاهم بين مصر والسعودية وسوريا، تخرج هذه الأخيرة من المنظومة لتحسب على طرفٍ إقليمي (إيران) ترى فيه الأطراف الأخرى خطرًا يجدر التصدي له بمختلف الوسائل، بما فيها تحريض الأمريكان على توجيه ضربةٍ عسكريةٍ إليه.

 

في هذا السياق تنهض قضية الحشد الطائفي الذي يجتاح المنطقة من العراق إلى لبنان مرورًا بالخليج، والذي يستهدف عزل إيران تمهيدًا لضربها، لكنه من جهةٍ أخرى يهدد منظومة التعايش بين المسلمين، ويُوفِّر للأعداء فرصة تطبيق سياسة فرِّق تسد.. مع العلم أننا إزاء وضعٍ تتحمل إيران جزءًا لا بأسَ به من المسئولية عنه تبعًا لسياساتها الطائفية في العراق.

 

على أن ذلك كله لا يغير في حقيقة أن الملف الفلسطيني هو الأكثر أهميةً وحساسيةً، لا سيما بعد أن اقتنع الأمريكان بأنه مفتاح الاستقرار في المنطقة، وفي حين رأى البعض في هذه القناعة محطةً لتغيير السياسات الأمريكية، تبدو الأمور خلاف ذلك، والسبب هو تبعية واشنطن لخيارات الدولة العبرية، فيما لا تبدو هذه الأخيرة في مزاج يسمح لها بتقديم عرضٍ مقبولٍ للعرب والفلسطينيين، لا سيما في ظل حالة التخبط التي تعيشها على مختلف الصعد إثر تداعيات هزيمة لبنان، وغياب جيل القادة الكبار.

 

لكن حاجة الأمريكان الماسة إلى بثِّ الوهم بوجود حِراكٍ سياسي سلمي في المنطقة، هي التي دفعت إلى تركيز جميع المشاورات واللقاءات خلال الأسابيع الأخيرة على الملف الفلسطيني وعلى المبادرة العربية وتعديلها، لكأنَّ القمةَ لم تنعقد إلا من أجل ذلك، ولا ندري إن كانت القيادات العربية تدرك حقيقة الموقف الأمريكي الرامي إلى تهدئةِ الملف الفلسطيني من أجل التفرغ لمعالجة المستنقع العراقي والتحضير للعدوان على إيران، أم يدركون ذلك ويتواطئون معه من أجل التخلص من الهمِّ الإيراني بالسلاح الأمريكي؟، أيًّا يكن الأمر، فالقضية الفلسطينية ستدفع ثمن هذه الصفقة، سواء جرى تعديل المبادرة العربية، أم استخدمت قصة "ترويجها" مبررًا لحِراكٍ سياسي نحو الدولة العبرية كما طالبت كونداليزا رايس، والسبب هو أن الحِراك الجديد لن يعدو أن يكون متاهةً جديدةً للقضية، تمامًا كما كان حال متاهة أوسلو، فيما يجري العمل من خلال الترغيب والترهيب على تدجين طرف فلسطيني مقاوم (حماس) على خطابٍ بائسٍ لا ينطوي سوى على تنازلاتٍ مجانيةٍ للعدو تُثير الإحباط في نفوس الناس، وفي هذا السياق يجري سحب المجموع الفلسطيني إلى تهدئةٍ مجانيةٍ ولعبةٍ تفاوضيةٍ سبق أن جربت دون أن تؤدي إلى فائدةٍ تُذكر، وهي متاهة ستمضي حثيثًا في اتجاهِ الجدار المسدود، سواء وقع ذلك بعد شهور أم أكثر من ذلك.

 

ما يحوِّل هذه المخططات إلى هباءٍ في واقع الحال ليس السياسات الرسمية الخائفة أو ذات الحسابات الخاطئة، وإنما الشعوب وقواها الحيَّة، تلك التي أفشلت مشروع الغزو في العراق، كما ستفشله في الصومال، وقبل ذلك وبعده في فلسطين التي ستعود إلى مقاومتها بعد وقتٍ لن يطول، وذلك بعد أن تفتضح اللعبة ونتائجها على أرض الواقع؛ لذلك كله لن ننتظر الكثير من القمة، سواء عدَّلوا المبادرة أم جعلوها متكأً لرحلة مفاوضاتٍ وتطبيعٍ جديدة، وجل ما نتمناه هو أن يبادروا إلى فكِّ الحصار من حول الشعب الفلسطيني، وأن يكفوا عن تحريض فريقٍ منه على الفريق الآخر، أما العراق فسيواصل استنزافه للأمريكان وصولاً إلى دحرهم ورسم ميزان قُوى جديد، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم أجمع.