بقلم: رجب الباسل
الاستفتاء على التعديلات الدستورية الذي تم في مصر يوم الإثنين 26/3/2007م هو الأغرب في العالم، وليس هذا من قبيل المبالغة، ولكنه تعبيرٌ عن واقع عايشناه والعجائب التي رأيناها!!
أول هذه العجائب نسبة الذين أدلَوا بأصواتهم طبقًا لما أعلنته الحكومة ومقارنة ذلك بالتي أعلنتها منظماتُ حقوق الإنسان والمراقبون المحليون ووسائل الإعلام، التي أكدت أنها لم تتعدَّ على أقصى تقدير 5% من إجمالي مَن لهم حقُّ التصويت، أي نحو مليون إلى مليون ونصف مليون ناخب من 36 مليون هم جملة مَن لهم حقُّ التصويت، مقارنةً بما أعلنته الحكومة بأن نسبة المشاركة بلغت 27% من إجمالي مَن لهم حقّ التصويت.
والأعجب من ذلك أنه في عصر السماوات المفتوحة لا زالت الصحف الحكومية تستعمل نفس مصطلحات العصور الشمولية، فالشعب المصري كله الذي شاهد الفضائيات واطَّلَع على مواقع الإنترنت التي أكدت الضعفَ الشديد في الإقبال على التصويت فوجئ في اليوم التالي بالصحف الحكومية وقد خرجت بـ(مانشيتات) من نوع "إقبال غير متوقَّع على لجان الانتخاب" و"الشعب خرج عن بكرة أبيه ورفض الوصاية من الجماعة المحظورة".
ولا أعرف لماذا الجماعة المحظورة بالذات؟ رغم أن الأحزاب التي تُصنَّف أنها كبرى في نظامنا كلها قاطعت، مثل الوفد والتجمع والناصري والغد، إضافةً إلى الإخوان والمستقلين، وهكذا أصبح مستقبل مصر لعقود قادمة يتحدَّد بتصويت 3% منه، وبحزبٍ لم يستطع إلا أن يحشد هذه النسبة التي تُعتبر أبلغَ تعبير عن قوَّته في الشارع، وفي النهاية يصف نفسَه بأنه حزب الأغلبية!!
العجيبة الثانية في هذا الاستفتاء هي تحقُّق نبوءة أحد قيادات الحزب الحاكم البارزين؛ حيث صرَّح صبيحة يوم الاستفتاء أنه يتوقَّع حضور 30% من المصريين للإدلاء بأصواتهم، ولم تمرّ إلا ساعاتٌ معدودةٌ وقد أعلن رئيس اللجنة العليا للانتخابات أن 27% من إجمالي مَن لهم حقُّ التصويت قد أدلَوا بأصواتهم، ولا نعلم: هل يعلم هذا القيادي الحزبي الغيبَ الذي لا يعلمه إلا الله أو أنه أمرٌ دبِّر بليل؟!
العجيبة الثالثة أن رئيس اللجنة العليا للانتخابات هو نفسه وزير العدل (أحد أعضاء السلطة التنفيذية)، ومن ثمَّ فإن ولاءه لمن اختاره، عكس القاضي الذي ولاؤه لضميره بالأساس، وهو سرُّ إبعاد القضاة عن الإشراف الكامل على العملية الانتخابية وعلى عملية التصويت تحديدًا، وسوف أسرد موقفًا شخصيًّا حدث معي يوم الاستفتاء الذي قاطعتُه مثل كثيرين غيري، الذين استجابوا لدعوات المقاطعة، أو هؤلاء الذين رأوا أن العملية مطبوخة مسبقًا وليس هناك داعٍ للإدلاء بأصواتهم، أو قسم ثالث انشغل في عمله عن الحضور للاستفتاء، هذا الموقف يوضِّح الفرقَ بين الإشراف القضائي على الانتخابات وإشراف الموظفين.
لقد فوجئتُ آخر اليوم أن قريبًا لي- وهو قياديٌّ في الحزب الوطني الحاكم- يخبرني أنه قام بالتصويت لي ولكل مَن يعرفُ معارضتَه للتعديلات من أبناء العائلة في الاستفتاء بـ"لا" ولأعضاء الحزب الذين لم يحضروا بـ"نعم"؛ حيث كان مشرفًا من قِبَل الحزب على شياختنا (الباسل)، وعندما اتصل به قياداتُ الحزب وعرَفوا انخفاض معدل التصويت في الشياخة وجَّهوا عتابًا رقيقًا له بأنه لا يمكن أن تكون نتيجة التصويت في شياخة يتعدَّى عددُ أعضائها الألف صوت 50 صوتًا فقط.
![]() |
|
موظف بمديرية الزراعة في دمياط يسود البطاقات!! |
فقام قريبي بممارسة ضغط على الموظف المشرف على الشياخة أن يكون أكثر مرونةً ويسمح بـ(التسويد)، وهو ما تمَّ فعلاً، لدرجة أن قريبًا لي حاول خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2005 أن يُدلِيَ بصوته خلال الجولة الأولى والإعادة، ولكنَّ القاضي المشرف رفَضَ لوجود خطأ في حرفٍ واحدٍ له، و
