يبدو أن انحياز الأمين العام للأمم المتحدة "لإسرائيل" واليهود قد أصبح أمرًا مفروغًا منه وأصبح تقليدًا يتوارثه الأمناء العامون, ولسنا بحاجةٍ إلى أن نشير على سبيل التدليل على أن الدكتور بطرس غالي قد انتخب أمينًا عامًا للأمم المتحدة لأنه مسيحي وزوجته يهودية، وأنَّ ديان وزير الخارجية الصهيوني قد ساعد على انتخابه رغم أن الرجل قد حصل على 14 صوتًا في مجلس الأمن وحصل على الصوت الأمريكي بشق الأنفس، ولكن ذلك لا يقلل من الحقيقة, كما أرجو ألا يعتبر التذكير بهذه الحقيقة محاولة للانتقاص من مكانة الرجل وكفاءته وقدرته على تولي هذا المنصب الرفيع, ولا أظن أن عربيًّا مسلمًا مهما كان سجله الموالي "لإسرائيل" يمكن أن يتولى هذا المنصب.
وحتى لا يُقال إن محمد البرادعي عربي مسلم ويدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ مما يكسر القاعدة التي نتحدث عنها, فإنني أُذكر بأن البرادعي رشحته الولايات المتحدة ضد المرشح المصري الذي رشحته مصر محمد إبراهيم شاكر، وأنه ظلَّ يُمدد له بمساندةٍ أمريكيةٍ ولدوافع أمريكية, وهذه الحقيقة أيضًا لا يجب أن تُفسر على أنها مساس لسمعة الرجل واعتزازنا به كمصري عربي مسلم في هذه المرتبة الرفيعة.
ففي الخامس من مارس 2007م، التقى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة "بان كي مون" الكوري الجنوبي والذي انتخب بالإجماع تقريبًا بمساندة أمريكية كاسحة ضد كل المرشحين الآخرين بمَن فيهم المرشح الأردني, برئيسة الكنيست الصهيوني داليا إيتسيك عشية زيارته "لإسرائيل" والأراضي الفلسطينية لأول مرة.
ولا شك أن الرجل لديه فكرة عن الصراع العربي- الصهيوني من منظورٍ معين يحكمه اعتبار أساسي وهو أنه من كوريا الجنوبية، وأن الولايات المتحدة ورؤيتها للقضية تؤثر تأثيرًا فادحًا عليه ولا يقدح في ذلك أنه كان دبلوماسيًّا محترفًا، وأنه كان وزيرًا لخارجية بلاده، ولا بد أنه لُقِّن بأن من أبجديات نجاحه في الصراع العربي- الصهيوني أن يُبدي تعاطفًا خاصًّا مع "إسرائيل" واليهود، فقد عمل سلفه الإفريقي كوفي عنان على اعتماد يوم سنويًّا للاحتفال بذكرى المحرقة اليهودية في ألمانيا, وأنه نفسه خلال السنوات العشر التي قضاها في منصب السكرتير العام قد استسلم تمامًا لنواياه الطيبة تجاه "إسرائيل" واليهود، وكان أبرز أعماله في هذا الصدد أنه أصدر تقريرًا إداريًّا ينفي فيه تمامًا أي مسئولية "لإسرائيل" عن مذابح جنين، وهي التي سجلتها كل المنظمات الدولية، وقد أصدر هذا التقرير بعد أن صدر قرارٌ من مجلس الأمن بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق في هذه المذابح، وتشكلت اللجنة بالفعل بمعرفة الأمين العام، وتداعى أعضاؤها إلى جنيف انتظارًا لتأشيرة "إسرائيل", ورغم أن "إسرائيل" كانت تشجع تشكيل هذه اللجنة حتى تمتص غضبة الرأي العام العالمي إلا أنها قررت عدم السماح للجنة بدخول الأراضي الفلسطينية وابتلع مجلس الأمن والأمين العام والمجتمع الدولي الإهانة وطوى الصمت المطبق هذا القرار البائس ولكنه للحق كان يُدين "الإرهاب الفلسطيني" إدانة تليق بما فهمه من ضرورة الالتصاق بإسرائيل واليهود، وكان أحيانًا يضيق بنقد "إسرائيل" من جانب بعض الدول كما كان يتعاطف تمامًا مع المساعي الصهيونية والأمريكية لملاحقة المعادين للسامية.
نكوصه عن تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية في هذا الشأن وعجزه عن أن يكتب سطرًا واحدًا في تقاريره وهو يتابع تنفيذ هذا القرار عن رفض "إسرائيل" لتنفيذه, كما نذكر أيضًا بموقف كوفي عنان الحازم وسعيه لإطلاق سراح الجنود الصهيونيين الذين اختطفهم حزب الله في لبنان والمنظمات الفلسطينية في فلسطين، رغم أن الرجل لم يتذكر يومًا الطريقة التي خطفت بها "إسرائيل" المجاهدين الفلسطينيين، والأساليب التي تمارسها في تعذيبهم وإبادتهم والعدد الهائل الذي تملأ بهم معتقلاتها بل وخطف الوزراء وأعضاء المجلس التشريعي وسكوت الأمين العام على ذلك كله؛ مما يوحي بأن ما تقوم به "إسرائيل" مشروع تمامًا، ونحمد الله أن الأمين العام لم يمتدح تصرفات "إسرائيل" وبطولاتها في هذا الشأن.
ولكن الأمين العام الجديد للحق كان أكثر عاطفيةً وإنسانيةً من الأمين العام السابق فقد أظهر الأمين العام الجديد فرحه العارم وحظه السعيد لزيارة "إسرائيل"، وقال الرجل خلال لقائه برئيسة الكنيست الصهيوني: "حين استمتعت إلى زوجة أحد الجنود المخطوفين بكيت في داخلي وأنا أسمع معاناتها", وأكد أنه سيفعل كل شيء لإطلاق سراح هؤلاء الجنود, وأردف الأمين العام بأنه يقدر تقديرًا خاصًّا الشعب الصهيوني "المناضل من أجل السلام".
ونحن نشكر بدورنا هذه المشاعر الفيَّاضة من هذا الإنسان الرقيق الذي لا شك أنه سيحدث تقاربًا حتميًّا بين البوذية واليهودية تمامًا مثلما نشرت بعض التقارير الصهيونية أن بعض الأسر اليهودية في الولايات المتحدة تقوم بتهويد أطفال صينيين يتم تبنيهم ثم تهويدهم بعد بلوغهم، وتدفعهم إلى التأكيد على أنه ليس هناك تناقض بين التقاليد الصينية الكونفوشية والتقاليد اليهودية، وكلها أساليب في ظاهرها التقريب بين الأديان والتعايش بينها وفي باطنها السيطرة على الشعوب من خلال توظيف الدين ومحاولة زيادة عدد الشعب اليهودي الذي يبدي الأمين العام إعجابه الفائق به باعتباره مناضلاً من أجل السلام، وهي عبارة تستغلق على فهم العرب المقيمين في هذه المنطقة من العالم, فقد قضيت أكثر من أربعين عامًا في الدراسة والتدريس والممارسة في الشئون الدولية والمتابعة الدقيقة والمباشرة لمجريات الصراع العربي- الصهيوني وأستطيع أن أشهد بأن الشعب الصهيوني يناضل من أجل إفناء العالم العربي، وأن السلام الذي يناضل من أجله ليس هو السلام الذي يدعو إليه بان كي مون وتعلمه من تعاليم بوذا، وهو العدل للجميع واحترام الآخر, وإشاعة السلام الداخلي الناجم عن الرضا بالسلوك, بينما السلام الذي يناضل هذا الشعب من أجله هو سلام المقابر الذي يؤدي إلى إفناء الشعوب الأخرى فتسود المنطقة صمت القبور أو بعبارة أخرى فالسلام الصهيوني pax israiliana " " وهو الذي يلخص كل هذه المعاني.
ألم يقل أحد للأمين العام الجديد بأن أسرى الشعب الفلسطيني يربو عددهم على العشرة آلاف؟ وألم يقرأ عن أحوالهم من تقارير وزارة الأسرى الفلسطينية التي تنشر ذلك في كل المواقع؟ وألم يقرأ عن قتل "إسرائيل" للأسرى بكل الطرق وعن برنامج "إسرائيل" لإبادة الشباب الفلسطيني حتى لا تقوم له قائمة لعقود قادمة؟.
والغريب أن الأمين العام يقوم بزيارة "إسرائيل" اعتزازًا بدورها ولا شك أنه قرأ تقرير ممثله الخاص جون ديوجارت- أستاذ القانون الدولي بجامعات جنوب أفريقيا- هذا الرجل النبيل الذي قدم تقريره إلى مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والذي أكد فيه أن تصرفات "إسرائيل" في الأراضي الفلسطيني لا تقل بشاعة عن الأبارتيد الذي مارسته الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا لعدة عقود وهو نفس الرجل النبيل الذي جاهر في مقال منشور في جريدة "النيويورك تايمز" بمعارضته للجدار العازل قبيل إحالة هذا الموضوع إلى محكمة العدل الدولية في ديسمبر عام 2003م، واعتبر أن الجدار العازل أداةٌ صهيونيةٌ مستحدثة لضم الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل، كذلك لم يتحدث الأمين العام في الخامس من مارس عن السلوك الإجرامي الصهيوني ضد الأسرى المصريين الذين أذاع التليفزيون الصهيوني فيلمًا وثائقيًا عنهم قبل لقائه برئيسة الكنيست بيومين علمًا بأن هذا الفيلم قد يؤدي إلى توتر العلاقات المصرية- الصهيونية، وهذا أمر يهمه كثيرًا في منصبه, أم أنه التزم الصمت أسوة بواشنطن وانتظارًا لما تنطق به؟.
نحن نعلم أن الأمين العام للأمم المتحدة في هذه المرحلة لا يستطيع أن يجاهر بمخالفة الخط الأمريكي إلا إذا كان شخصية لها وزن خاص، وأن هذا الوزن الخاص هو الذي رشح هذه الشخصية وأوصلها إلى هذا المنصب، وهو أمرٌ مستحيلٌ في هذه المرحلة أيضًا، كما أننا لا نقارن بين وضع اليهود والمسلمين خاصةً أن اليهود يعتقدون أنهم شعب واحد وعرق واحد، وهذه مقولة ليس هنا مجال تحليلها, ورغم أن المسلمين أمة واحدة دينًا وليس عرقًا، وأن دينهم يفرض عليهم التضامن في الحق والتناصح والتصدي حتى لإخوانهم إذا سلكوا طريق الباطل إلا أن المسلمين الذين قال فيهم الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنهم كالجسد الواحد لا يشعرون بذلك مما جعل النص على وحدة الأمة الإسلامية في القرآن والسنة نصوصًا معزولة عن واقعها, ولكننا نريد من الأمين العام أن يفهم الحقيقة وأن يراعي مشاعر كل الأديان، وأن يعرف أنَّ سلفه الذي سعى لتكريم ضحايا المحرقة رفض أن يحضر الذكرى العاشرة لمذبحة المسلمين على يد الصرب في البوسنة لحجج مختلفة, ولا بد أن يعرف الأمين العام الجديد أن القضية الفلسطينية ملغومة بالمشاعر الدينية ومشاعر العدل والظلم، وأن عاطفته الجياشة اتجاه اليهود قد تضمن له مدة أخرى في منصبه، ولكنها ستجرده من أي مكانٍ يستحقه في التاريخ رغم أن قصارى النظر هم الذين يفضلون الموقع على مكانتهم في التاريخ، ويراهنون على أنَّ مكانهم في الموقع يُسهم في كتابة التاريخ.
من ناحيةٍ أخرى, إذا كنا نطالب الأمين العام للأمم المتحدة بأن يهتم بتنفيذ قرار المحكمة الدولية في قضية الجدار العازل، وأن يتنبه إلى المجرمين الصهيونيين الذين أجرموا في حق الشعوب العربية جميعًا، خاصةً في فلسطين ولبنان ومصر, فإن العالم العربي مطالب أيضًا بأن يضع الحقائق أمام الأمين العام؛ لأنه لا يملك سوى الحقائق بعيون صهيونية وأمريكية, بل إنني أطالب المؤسسات العلمية العربية بأن تساعد حكوماتها في التذكير بهذه الحقائق، وما هو مطلوب تمامًا من الأمين العام، خاصةً أن ما نطلبه منه مطابق تمامًا لما يجب أن يكون عليه موقفه وفقًا لقرارات الأجهزة السياسية والقضائية للأمم المتحدة؛ بل إن عدم التزامه بهذه القرارات يجعله مخالفًا لأحكام منصبه، ونحن نريده أن يكون ملتزمًا حتى لو كلَّفه ذلك غضب الدوائر التي لا تريده كذلك, فإن عز عليه ذلك فنحن نطمع فقط في أن يكون محايدًا وألا يُبدي من المشاعر الطاغية تجاه محنة مفتعلة ونضال مشكوك فيه من جانب "إسرائيل"؛ مما يستفز المشاعر العربية وخاصةً مشاعر الضحايا عندما يمتدح الجلاد.
وأخيرًا ولعل المهمة العاجلة بهذه المناسبة التي يجب أن تسارع المجموعة العربية إلى القيام بها مع الأمين العام الجديد فهي تقديم مذكرةً شارحةً ومفصلةً عن وضع الأسرى العرب وملابسات خطف الجنود الثلاثة الصهيونيين، ولعل المجموعة العربية تستفيد مما كشفت عنه لجنة فينوجراد للتحقيق في "إسرائيل" من أن أولمرت رئيس الوزراء قد أكد لهذه اللجنة أن التخطيط لضرب لبنان بدأ بعد يومين من توليه رئاسة الوزراء أي في الثاني من يناير 2006م، وأنه درس خيارات الهجوم في مارس وأبريل، واستقرَّ رأيه في نهاية أبريل، وكان ينتظر الذريعة مما يهدم النظرية الصهيونية القائلة بأن "إسرائيل" هي المعتدى عليها، كما يهدم الفلسفة التي قام عليها قرار مجلس الأمن رقم 1701.
كمَا أننا نناشد المجموعة العربية أن تتنبه إلى كسب الأمين العام إلى جانبها وإلى منطقها حتى لا يستفز بتصرفاته العالم العربي والإسلامي، وأن يكون سببًا من أسباب اشتعال الفتنة والغواية لدى الشباب العربي والمسلم.
-----------------
* السفير د : عبد الله الأشْعَل... مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق