د. حلمي القاعود

كنتُ أردد بيني وبين نفسي: ليتني كنتُ موريتانيًّا..
كان المذيع الباهت في التلفزيون المصري، يعلن انتصار مصر على موريتانيا في كرة القدم 3/صفر.. ولكن الفضائيات غير المصرية كانت تعلن عن انتخابات نزيهةٍ بين المتنافسين على الرئاسة في جمهورية موريتانيا الإسلامية، وكانت المسافة بينهما متقاربة جدًّا في حدود 3: 4 في المائة، وكان المراقبون الدوليون يؤكدون أن الانتخابات شفَّافة، وأنَّ قادةَ الانقلاب العسكري لم يتدخلوا فيها، ولم يحدث خللٌ يشير إلى انحرافٍ في التصويت أو الفرز!
على الجبهة المقابلة، أي في مصر؛ كانت هناك هزيمة من العيار الثقيل.. كان الاستفتاء على تعديلات الدستور يؤذن بدخول مصر عصرًا آخر من الانهيار والتردي والاستبداد المطلق والظلم الشامل، وبداية ترتيب لإغلاق أبواب الأمل إغلاقًا نهائيًّا!
كان الخطاب الرسمي يجهد نفسه بالادعاء أن التعديلات الدستورية انطلاقٌ إلى مزيدٍ من الديمقراطية، وبدء عصر المواطنة، وانتهاء عصر المتاجرة بالدين- الإسلام فقط!- والتصدي لما يُسمَّى الإرهاب!
وفي أثناء المناقشات بمجلس الشعب للمواد المطلوب تعديلها، سأل نائبٌ مخضرمٌ مسئولاً مُهمًّا في دائرةِ صُنع القرار، عن إمكانية تعديل المواد بما يحقق نوعًا من التراضي أو التوافق حول المواد المختلف عليها، كانت إجابة المسئول المهم: ولا حرف! أي أنَّ النظام لن يُغيِّر حرفًا واحدًا من التعديلات، وستتم الموافقة عليها مهما كانت الاعتراضات والانتقادات.
كانت الموافقة على التعديلات كما هي دليلاً يُضاف إلى ما قاله المسئولون الكبار والصغار من نيةٍ مبيتةٍ على حرمانِ الشعب البائس من نسمة حرية ونافذة أمل، وتُمثل إصرارًا على رفض الاستجابة لأي منطقٍ علمي أو الخضوع لأي قاعدةٍ ديمقراطية، ثم سمعنا كلامًا عن "الخط الأحمر" الذي لا يمكن الاقتراب منه؛ مما يعني أن المعارضة لا قيمةَ لها، والمنطق لا لزومَ له، والقواعد الديمقراطية لا محل لها، كل شيء كان معدًّا ومُجهزًا ومقررًا، وتكفلت السلطة البوليسية الفاشية بتطبيق ما يريده النظام شاء مَن شاء وأبى مَن أبى!
وفي حقيقة الأمر؛ فإن الانطلاق إلى مزيدٍ من الديمقراطية نوعٌ من الضحكِ على الذقون، حتى لو هتف به دهاقنة النظام وخدامه في الصحافة والإعلام والحزب المتحكم، إن تزوير الانتخابات يلغي أية ديمقراطيةٍ حقيقية، ويجعل المجالس النيابية والمحلية مشكوكًا في شرعيتها وصدق تعبيرها عن الجمهور، وقد تم تعديل المادة 88 لتقنين التزوير وتقفيل الصناديق وفق مزاج النظام البوليسي الفاشي، لقد نفى النظام عن نفسه أي شبهةٍ ديمقراطيةٍ إلى الأبد!
ولا شك أن عصر المواطنة بعيد جدًّا، ولن يكون له وجود في ظل الدولة البوليسية الفاشية التي تحكم البلاد والعباد بالحديد والنار، وتجعل المواطن غير آمن على نفسه أو ممتلكاته، والتمييز بين الأكثرية المضطهدة والأقلية المحظوظة- الأكثرية المضطهدة لا تجد قوت يومها إلا بشقِّ الأنفس، بينما الأقلية المحظوظة تتمتع بكل شيء: المال والسلطة والجاه والنفوذ والإعلام.. وتفعل ما تشاء دون أن يُحاسبها أحدٌ، أو يُراجعها أحد، فالقانون يُصنَع على عينها، وها هو الدستور يتم تفصيله وفق إرادتها ليمكنها من انتهاك كرامة الإنسان المصري، وخاصةً مَن يعارض أو يحتج على الظلم والقهر، لدرجة أنه يمكن ذبحه بحكم محكمةٍ عسكريةٍ لا تقبل نقضًا ولا إبرامًا.
إن عداء السلطة الفاشية للإسلام تم تتويجه رسميًّا بنفي الإسلام من خلال المادة الخامسة المعدلة التي تتحدث عن المواطنة- ولا توجد مواطنة حقيقية- مع الإشارة إلى ضرورة نفي الإسلامِ عن الأحزاب القائمة، مع أنه دين أكثر من 96 في المائة من الشعب المستعبد.
ومن المفارقات أن النظام البوليسي الفاشي،