بقلم:  د محمد دمان ذبيح

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد.

      ما أسرع أيام رمضان ولياليه الفاضلة ، ولست مبالغا  إن قلت أنها كانت أسرع من طرفة العين، ولكن وعلى الرغم من ذلك فمن فاتته هذه الغنيمة، فإن الغنيمة الأكبر لن تفوته بإذن الله تعالى، إنها العشر الأواخر، أفضل الليالي على الإطلاق، وأفضل ما فيها ليلة القدر، عروس الزمان والمكان معا،قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ’ٱلۡقَدۡرِ ٞ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٞ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡر مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٞتَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٞسَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ ٞ﴾ [ القدر 1 –5 ].

لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: "كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ."[1] ، وفي بعض الروايات " كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ، ما لا يَجْتَهِدُ في غيرِهِ."[2]

ولا شك أن الرسالة واضحة من خلال هذه النصوص النبوية، والتي تدعو كما نرى إلى ضرورة استغلال هذه الليالي خير استغلال، والتفرغ الكلي لها في جو أسري، وجماعي موحد، يتراءى لأهل السماء كما تتراءى النجوم لأهل الأرض، وهذا طبعا من أجل عفوه،و مرضاته عز وجل: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء 114].

لذلك كان سلف الأمة رضوان عليهم جميعا يحرصون عليها كل الحرص، كما قال أبو عثمان النهدِي رحمة الله تعالى عليه: "كانوا يُعظِّمون ثلاث عشرات: العشر الأُوَل من محرم، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، ومن شدة تعظيمهم لهذه الأيام كانوا يتطيبون لها ويتزيَّنون، قال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليال العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل كل ليلة!.

      غير أن الحلقة المفقودة لدى الكثير من المسلمين في هذه العشر الأواخر تتمثل في الاجتهاد في ليلها دون نهارها، ظنا منهم بأنها الصورة المثلى للعبادة في هذه الليالي، وبأنهم قد قاموا بواجبهم تجاهها على أكمل وجه، ولكن الحقيقة على غير ما يظنون، والمفهوم السليم لهذه الليالي على غير ما يتصورون، ويفكرون، ذلك لأن المعنى الحقيقي، والسليم لهذه العشر الأواخر يتمثل في الاجتهاد المتواصل أثناءها، والحرص المستمر عليها، دون أن نفرق بين ليلها ونهارها، أو بين دجاها وضحاها.

     وقد بيَّن الحافظ ابن رجب رحمه الله أنَّ الاجتهاد في العشر الأواخر يكون في ليلها ونهارها، فقال: "وقد قال الشعبيُّ في ليلة القدر: ليلها كنهارها، وقال الشافعيُّ في القديم: أستَحِبُّ أن يكونَ اجتهادُه في نهارها كاجتهادِه في ليلِها، وهذا يقتضي استحباب الاجتهادِ في جميع زمان العشر الأواخر، ليلِه ونهارِه، والله أعلم".[3]

  وبالتالي لا يليق بالمسلم أبدا أن يجتهد في ليل هذه العشر الأواخر، بالقيام، والتهجد، والذكر، والقرآن الكريم، وغيرها من العبادات التي يفضل القيام بها عادة في هذه الليالي ، ثم تراه بعد لا يكترث بنهارها، وربما تجده - وهذه هي الطامة الكبرى- مقصرا في حق ربه عز وجل، وفي حق نفسه، وفي حق غيره، كأن تلقاه مضيعا لصلاته، ولا يذكر الله تعالى إلا قليلا ، بعد أن أطلق العنان للسانه، ليطعن في القريب، والبعيد، ولا يتورع عن الكذب، والغيبة، والنميمة، وإيذاء الآخرين، ويرتكب الفواحش ما ظهر منها، وما بطن، قاطعا للرحم، ومسيئا للجوار، وكأنه صورة حية لمن أغفل الله تعالى قلبه عن ذكره، واتبع هواه، وكان أمره فرطا.

   وهو بهذه الصورة شخصية تختلف كل الاختلاف عن شخصيته بالليل ، ولا شك أنها الصورة  التي تحبط الأعمال، وتجعلها هباء منثورا، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ."[4]

    وصفوة القول : أن هذه العشر الأواخر من رمضان أفضل الليالي عند الله تعالى ،  فتعرضوا فيها لنفحات ربكم عز وجل بالليل والنهار، واغتنموها وكأنها آخر الليالي في حياتكم، وتنافسوا  فيها،  وأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيها رحمة الله عز وجل ، وتذكروا دوما هذه الآية القرآنية : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وهذا الحديث الشريف أيضا : "ما من أحد يموت إلا ندم". قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: "إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع[5]".

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] رواه البخاري برقم 2024.

[2] رواه مسلم برقم 1175.

[3]  ابن رجب , لطائف المعارف، ص : 368.

[4] رواه مسلم برقم 2581.

[5]رواه الترمذي برقم 2403.