خلصت ورقة علمية جديدة أعدّها خبير الدراسات المستقبلية د. وليد عبد الحي إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لمستقبل البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات المقبلة يتمثل في استمرار إيران كـ"دولة عتبة نووية"، مع احتفاظها بالقدرة على الانتقال السريع نحو إنتاج السلاح النووي دون الإعلان الرسمي عن امتلاكه.

وتقدم الورقة، الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، قراءة استشرافية معمقة لمستقبل أحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط، عبر تحليل تاريخي وتقني واستراتيجي للبرنامج النووي الإيراني، وموازنة أربعة سيناريوهات محتملة لمساره حتى عام 2030.

وتشير الدراسة إلى أن العالم عرف منذ عام 1945 تسع دول نووية فقط، هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية والاحتلال الصهيوني، وأن وتيرة الانتشار النووي توقفت عملياً منذ إعلان كوريا الشمالية امتلاك السلاح النووي عام 2006، إذ لم تنضم أي دولة جديدة إلى النادي النووي خلال نحو عشرين عاماً.

 وتلفت الورقة الانتباه إلى أن توسع الاعتماد العالمي على الطاقة النووية يفتح المجال أمام تنامي احتمالات “عسكرة” البرامج النووية المدنية، خصوصاً لدى الدول التي تمتلك القدرات التقنية وتشعر بتهديدات أمنية متزايدة، وهو ما يجعل الحالة الإيرانية نموذجاً بارزاً لهذا الاتجاه.

 وتستعرض الدراسة جذور البرنامج النووي الإيراني، مبيّنة أن الولايات المتحدة نفسها دعمت المشروع النووي الإيراني في عهد الشاه ضمن مبادرة "الذرة من أجل السلام"، قبل أن يتحوّل الموقف الأمريكي جذرياً بعد الثورة الإيرانية سنة 1979. كما تتوقف عند التحوّلات التي شهدها البرنامج منذ اكتشاف منشآت نطنز وأراك مطلع الألفية الجديدة، مروراً بالعقوبات الدولية والاتفاق النووي لعام 2015، وصولاً إلى انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق سنة 2018 وما تبعه من تسارع في عمليات التخصيب الإيرانية.

   وفي نقد لافت للخطاب السياسي والإعلامي المحيط بالملف النووي، تؤكد الورقة أن التنبؤات المتكررة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن قرب امتلاك إيران للقنبلة النووية خلال العقود الثلاثة الماضية أخفقت جميعها، ما يجعلها – وفق الدراسة – أقرب إلى التقديرات الدعائية منها إلى التقديرات العلمية.

 وتبني الدراسة تحليلها المستقبلي على أربعة سيناريوهات رئيسية: تفكيك البرنامج النووي، والاستمرار في وضع "العتبة النووية"، والتحوّل إلى إنتاج السلاح النووي، إضافة إلى سيناريو "البجعة السوداء" الذي يفترض وقوع أحداث استثنائية عالية التأثير ومنخفضة الاحتمال.

حيث ترى الورقة أن سيناريو تفكيك البرنامج الإيراني هو الأضعف احتمالاً، إذ لا تتجاوز فرص تحققه بين 5 و10%، نظراً للكلفة السياسية والاستراتيجية الباهظة التي قد تترتب على تراجع طهران عن مشروع استثمرت فيه موارد ضخمة على مدى عقود.

أما سيناريو إعلان إيران امتلاك السلاح النووي والانضمام رسمياً إلى النادي النووي فتقدّر الدراسة احتمالاته بين 35 و40%، وترى أن فرصه ترتبط بزيادة الضغوط والتهديدات الأمنية الخارجية، وبصعود التيار المتشدد داخل النظام الإيراني، وتعاظم نفوذ الحرس الثوري.

في المقابل، ترجح الدراسة بقاء إيران ضمن وضع “العتبة النووية” بنسبة تتراوح بين 60 و65%، وهو وضع يسمح لها بالاحتفاظ بالبنية التحتية والمواد والخبرات اللازمة لإنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة، من دون تجاوز الخط السياسي والقانوني المتمثل في الإعلان عن امتلاكه فعلياً.

كما تتناول الورقة نموذجاً أمريكياً لقياس التهديد الإيراني يعرف باسم "عداد جيجر للتهديد الإيراني"، والذي منح إيران 157 نقطة من أصل 180، أي ما يعادل 87.2% من مستوى التهديد الأقصى. ومع ذلك، يحذر الباحث من المبالغة في دقة هذا النموذج، بسبب اعتماده جزئياً على تقديرات سياسية واستخبارية قد تتأثر بالتحيزات المؤسسية.

وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل البرنامج النووي الإيراني سيبقى محكوماً بمعادلة دقيقة تجمع بين الغموض الاستراتيجي والردع المحتمل، مرجحة استمرار طهران في التلويح بإمكانية الانتقال إلى إنتاج القنبلة النووية دون اتخاذ خطوة نهائية في هذا الاتجاه، ما لم تتعرض لتهديدات أمنية جسيمة تدفعها إلى تجاوز عتبة التخصيب الحالية والانتقال نحو مستويات إنتاج السلاح النووي.

 وتؤكد الورقة أن العامل الحاسم في تحديد المسار النهائي للبرنامج لن يكون تقنياً فقط، بل سيتأثر أيضاً بمستقبل النظام الإيراني، وطبيعة الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، ومواقف القوى الكبرى، ومستوى التصعيد بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين خلال السنوات المقبلة.