‏من المتوقع أن تصادق اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية خلال اجتماعها يوم غد الثلاثاء على قرار لجنة المتابعة العربية الذي يقضي بالموافقة على بدء المفاوضات غير المباشرة بين سلطة رام الله والكيان الصهيوني، كما رجحت مصادر فلسطينية صهيونية متطابقة أن هذه المباحثات ستبدأ الأربعاء المقبل بعد جولة المبعوث الأمريكي إلى المنطقة جورج ميتشل بجولة بين الجانبين.

 

ويأتي هذا القرار الفلسطيني تراجعًا عن التصريحات النارية التي كان أطلقها الرئيس المنتهية ولايته "محمود عباس" خلال الأشهر الماضية، والتي أكد فيها "استحالة" العودة إلى المفاوضات سواء المباشرة أو غير المباشرة إلا بعد الوقف التام لبناء المستوطنات في أراضي الضفة الغربية.

 

أمن الصهاينة أولاً!

لم يكن هذا الموقف الفلسطيني بالموقف المستغرب على سلطة جعلت من التفاوض نهجًا لها بالرغم من التعنت الصهيوني المعروف سلفًا، والذي وضع بند (أمن إسرائيل) على سلم أولوياته في كل جولات مفاوضات السلام التي استمرت طوال الـ15 عامًا الماضية؛ أي منذ اتفاقية أوسلو وحتى اليوم.

 

فقد ذكرت الإذاعة الصهيونية أن رئيس وزراء الكيان "بنيامين نتنياهو" سيطالب بأن يبحث الجانبان في المرحلة الأولى من المفاوضات غير المباشرة قضية الترتيبات الأمنية في الضفة الغربية وموضوع المياه، في حين سيؤجل البتِّ في القضايا الجوهرية مثل الحدود واللاجئين ومكانة القدس في إطار مباحثات مباشرة بين الجانبين.

 

كما أشار مسئول صهيوني رفيع المستوى لصحيفة "هاآرتس" أن نتنياهو طلب من مؤسسة الدفاع ومجلس الأمن القومي تفصيل موجز لما يُسمَّى ثمان نقاط تلخص مطالب الكيان الأمنية من حيث اتفاق الوضع النهائي، وطلب "نتنياهو" أن تتضمن هذه النقاط معلومات تفصيلية بشأن نزع السلاح من أي دولة فلسطينية في المستقبل، ونشر قوات الاحتلال على حدود فلسطين الشرقية مع الأردن.

 

وأكد مراقبون أن هذه الجولة من المباحثات تأتي في الوقت الذي لا يملك فيه المفاوض الفلسطيني أيًّا من أوراق الضغط على الطرف الصهيوني الذي يملك في المقابل القوة السياسة المدعومة بانحيازٍ أمريكي، وقوة عسكرية على الأرض؛ حيث شهدت جميع مفاوضات السلام السابقة تنازلاً من الطرف الفلسطيني الأضعف الذي لا يملك أي خيارٍ سوى القبول بالإملاءات الصهيونية والضغوط الأمريكية.

 

ويرى المراقبون أن هذه المفاوضات لن تأتي بجديد، حيث وصلت المفاوضات السابقة إلى طريق مسدود بعد أن اكتشف عرفات في مفاوضات "كامب ديفيد" عام 2000م أقصى ما يمكن أن يقدمه الجانب الصهيوني الذي كان يتزعمه حكومة بزعامة حزب العمل الذي يوصف بالمعتدل، فكيف سيكون عليه الحال اليوم وقد تقلد "بنيامين نتنياهو" زعامة الحكومة التي توصف بالأشد تطرفًا في تاريخ حكومات الاحتلال!.

 

الغطاء

لقد شكلت مفاوضات السلام الفلسطينية الصهيونية الغطاء الأفضل للجانب الصهيوني الذي يظهر نفسه أمام العالم بالطرف الراغب في تحقيق السلام والعيش بأمان إلى جانب جيرانه الفلسطينيين، ولكنه في حقيقة الأمر واصل فرض الحقائق على الأرض من خلال بناء المستوطنات التي تضاعفت ثلاث مرات منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وبتهويد القدس وعزلها عن الضفة الغربية، ومصادرة الأراضي، هذا بالإضافة إلى الاعتقالات اليومية واقتحام المدن وهدم المنازل، كل هذا جعل من مباحثات السلام مظلة مفضلة للصهاينة.

 

وتأتي هذه المفاوضات في الوقت الذي أعلن نتنياهو منذ أيام عزمه على شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، كما أعلن "نير بركات" رئيس بلدية القدس المحتلة عن وجود مخططات استيطانية كبيرة جدًّا في القدس سترى النور في القريب العاجل.

 

كما استخدم الصهاينة مفاوضات السلام كأداة لتحسين صورتها أمام العالم، خاصةً بعد أن تضررت عقب الحرب الأخيرة على قطاع غزة التي أظهرت الكيان بصورة قاتل الأطفال والنساء، وخاصةً في المجتمع الغربي وبعض الدول الأوربية التي تعتبر من المؤيدة لسياسة الاحتلال.

 

وأد للمصالحة

 الصورة غير متاحة
 

وشدد المراقبون على أن القرار الفلسطيني بالعودة إلى المفاوضات غير المباشرة مع الطرف الصهيوني سيؤثر سلبًا على تأجيل تحقيق المصالحة الفلسطينية بين حركتي حماس وفتح، هذا إن لم يكن على حساب وأدها، وخاصةً أن الطرف الصهيوني يؤكد وفي أكثر مناسبة إسقاط قطاع غزة من أية مفاوضات، وهو ما يؤشر على قبول المفاوض الفلسطيني لهذا الطرح.

 

إن أي ترتيبات سواء أمنية أو سياسية لن يكتب لها النجاح إن لم تكن حركة حماس طرفًا فيها، فلقد أثبتت السنوات الماضية أن حماس كانت رقمًا صعبًا في أي معادلة أو اتفاق، فكيف بها اليوم وقد أصبحت القوة الأولى في الشارع الفلسطيني بعد فوزها في الانتخابات التشريعية وسيطرتها على قطاع غزة.

 

 

التطبيع المجاني

وكما ستشكل العودة إلى المفاوضات فرصة مهمة لبقية الدول العربية والإسلامية للسير في قطار التطبيع سواء العلني أم من تحت الطاولة مع الكيان الصهيوني على غرار ما سبق، فبعد توقيع اتفاقية أوسلو سارع الأردن لتوقيع معاهدة وادي عربة عام 1994م مع الكيان الصهيوني، وكذلك الحال مع موريتانيا والمغرب وتونس وبعض دول الخليج وغيرها من الدول العربية والإسلامية، ولولا انتفاضة الأقصى والحرب الأخيرة على غزة وعملية اغتيال محمود المبحوح في الإمارات لأصبح العلم الصهيوني مرفوعًا في جميع الدول العربية والإسلامية.

 

لا سقف زمني

كما تأتي هذه الموافقة الفلسطينية على استئناف المفوضات وفق رؤية أمريكية تتضمن جدولاً زمنيًّا مفتوحًا للمفاوضات، أي بقدور كل طرف أن يطرح ما يريد من قضايا، كما يستطيع الطرف الآخر أن يقبل أو يرفض، وهذا يعني- بحسب المراقبين- أن المفاوضات ستكون بدون مرجعيه وبلا جدول زمني ولا أجنده متفق عليها.

 

يعزز من ذلك ما أعلنه "سلفان شالوم" و"موشيه يعلون" الوزيران الصهيونيان بأن القدس لن تكون محل تفاوض، وأن غور الأردن (25% من مساحة فلسطين على حدود 67) سيبقى في يد الاحتلال في أية تسوية للصراع!.