أفراح.. زغاريد.. أهازيج.. مسيرات ومظاهرات، أكاد أجزم يقينًا أن كل الشعب المصري، متدينين وعلمانيين، مسلمين ومسيحيين، أطفالاً وشبابًا وشيوخًا، رجالاً ونساءً، في فرحة غامرة يكاد يسبقها ربما إلا انتصار العاشر من رمضان.. كل ذلك بسبب انتصار في اللعب لمجرد مجموعة من الشباب لا يصل عددهم إلى 30 فردًا، لا ينكر أحد على الشعب المسكين المغلوب في كل المجالات فرحة الفوز في أحد مجالات الحياة (أهيفها).

 

أما في مجالات الجد فقد أصيب الشعب بالهزائم المنكرة وبأرقام قياسية في معظم الهزائم وفي كثير منها بالضربة القاضية، ولا أدلَّ على ذلك من هزائمنا المتكررة في التعليم، وعلى سبيل المثال لم تدخل جامعة واحدة من جامعات مصر المحروسة تصنيف أول ألف جامعة في العالم (جامعة القاهرة رقم 1219 تصنيف 2009) مقابل ثلاث جامعات في المائة الأولى لليابان التي تكاد تكون مُحِيَت من الوجود في خمسينيات القرن الماضي، وأربع في الخمسمائة الأولى للكيان الصهيوني ذي الستين عامًا.

 

أما عن مستوى الطالب فحدِّث ولا حرج، وحال البحث العلمي لا يخفى على أحد، وميزانياته أظنها أقل من ميزانية فريق الكرة، ومثل التعليم الصحة والزراعة والصناعة والعلاقات الخارجية والبيئة والطعام والشراب، لا أريد أن أعرِّف في المعرَّف ولا أشرح في المشروح، ولكن يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا ينجح فريق الكرة (اللعب) ويرسب الآخرون (الجد)؟ لماذا يفوزون وينهزم الآخرون؟ لماذا يحققون أرقامًا قياسيةً في النجاح ويحقق الآخرون أرقامًا قياسيةً في الفشل؟!

 

من تحليل الأحداث والواقع والتاريخ نجد أن هناك عدة عناصر وُجدت في فريق الكرة فوصل إلى ما هو فيه، ونفس العناصر سلبت من المجالات الأخرى فوصلت أيضًا إلى ما هي فيه، أهم هذه العناصر:

- الحرية.. وتعني انعدام وامتناع الوصاية من أحد من الشرق أو الغرب وإزالة القيود والأغلال، بل منح لفريق الكرة الحرية الكاملة في الحركة والاختيار، عدا انتقاد البعض وهو فطرة بشرية، بل إن كل طلباته بل أحلامه مجابة وبأكثر مما يتوقعون.

- الأخلاق والسلوك القويم، وهو أساس النجاح وأساس استمراره لكل الناجحين في كل المجالات، وهذا الفريق يشهد له الجميع بسلوكيات قويمة وتديُّن واضح وارتباط بالله عز وجل رغم غيظ الحاقدين.

- المقابل المادي الشاهق، ويعلم الجميع أن المرتب الشهري للاعب كرة عادي على المستوى الدولي يساوي مرتبات معلمي محافظة كاملة (ميدو من الزمالك المصري وليس الإيطالي ولا الإسباني أو الإنجليزي 800 ألف جنيه صافي شهريًّا) "اللهم لا نق ولا قر"!.

- الأضواء.. حيث يصبح لاعب الكرة المغمور الذي يوفَّق لإحراز هدف أو بطولة أحد المشاهير ضيفًا دائمًا على صفحات وسائل الإعلام.

 

بعد هذه المقدمة الطويلة أقترح (وبجد) على أولي الأمر في هذه البلد المنكوبة تكوين فريق منتخب وطني في كل مجال- إذا أردنا عزًّا ونصرًا وتقدمًا لبلادنا، وإذا كنا جادِّين في حبنا لبلادنا- يطبق عليه ما يطبق على فريق الكرة، وآخذ مثالاً على منتخب وطني للتعليم، أتصور أن يكون كما يلي:

- اختيار مدير فني (خبير بالتعليم) يتسم بالوطنية الخالصة-  كفانا خبراء أجانب- وجهاز معاون يكون لهم نفس الصفات.

- تترك له الحرية الكاملة في اختيار عناصر المنتخب الوطني دون تأثير من أحد بالداخل أو الخارج، يجوبون البلاد من أقصاها إلى أقصاها؛ بحثًا عن العناصر المناسبة للفريق الوطني.

- ترصد لهم ميزانية مفتوحة تمامًا (رواتب شهرية يقدرونها بأنفسهم + تكاليف خطتهم من وقت اختيارهم إلى الفوز بكأس العالم).

- تتم متابعتهم إعلاميًّا وإظهار إنجازاتهم صغيرها وكبيرها (ربنا يستر على النيات والإخلاص)، مع التحفيز المعنوي الدائم أو المتابعة الإعلامية المنضبطة.

- يمكن أن يكون ذلك عن طريق منتخب لكل محافظة بنفس التكوين السابق، مع اختيار الفريق الوطني من هذه الفرق المحلية.

- ضرورة أن يكون لهذا الفريق فرق مماثلة في المراحل العمرية المختلفة وبنفس التكوين السابق (منتخب الأشبال- منتخب الناشئين- منتخب الشباب).

- تتكون عناصر الفريق من ثلاثة أفراد في كل مركز (علم من العلوم)، إضافةً إلى اثنين في الاحتياطي لكل علم.

- عناصر المنتخب تتكون من كل من هو صالح لهذه المهمة، ذكرًا كان أم أنثى، مسلمًا كان أو مسيحيًّا.

- يتبع هذا المنتخب لمجلس الشعب (المنتخَب) مباشرةً أو لرئاسة الدولة (المنتخب) أيضًا.

 

ملحوظات أخيرة:

- أرجو ألا يقال إن هذا موجود ممثل في الوزارة ومديرياتها التعليمية أو في لجنة السياسات.

-  أنا جادٌّ جدًّا في هذه الفكرة ويمكن تطويرها وتطبيقها على بقية المجالات.

-------------

* باحث في الاقتصاد الإسلامي.