محمد السروجي

حالة غير مسبوقة من التشنج المفتعل أصابت بعض رموز نظام الحكم المصري وفرق المولاة الطامعة ولو في مقعد صغير في قطار التوريث المتعذر وصوله محطته الأخيرة، فجأة وبدون سابق إنذار وبعد سلسلة طويلة من التنازلات والتفريط والمهانة اكتشف هؤلاء أنهم غيورون على كرامة مصر وسيادتها الوطنية وأمنها القومي وحقوق وأرواح المصريين، لا يختلف أحد على أن سيادة مصر على أرضها وتأمين حدودها وصيانة أمنها فرض شرعي وحق دستوري ومطلب شعبي.
لكن السؤال: ضد من وكيف؟ فمن المرفوض كل الرفض توظيف مفهوم الأمن القومي والسيادة الوطنية توظيفًا انتقائيًّا أو فزاعة تستدعي أحيانًا لممارسة الإرهاب الفكري والابتزاز السياسي للمعارضين وتنحى جانبًا في أحلك الظروف وأخطر الممارسات، ومن المرفوض المزايدة وخلط الأوراق والتوظيف الشخصي للأحداث لأن هذا النمط من التعامل هو الذي يهدد الأمن القومي، قد يكون من المقبول أن يعلن بوش الابن أن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأمريكي، لكن من المستحيل أن يتحول أمن الكيان الصهيوني وحمايته جزء من الأمن القومي المصري فتشارك مصر الشقيقة الكبيرة في حصار شعب يعاني الاحتلال والنهب والسلب.
أليس من عجائب النظام الحاكم أن يتقدم محامٍ من أعضاء الحزب الوطني ببلاغ للنائب العام لاعتقال المجاهد إسماعيل هنية في الوقت الذي تستقبل فيه مصر بالمراسيم الدبلوماسية قادة الإرهاب والتطرف الصهيوني ليل نهار؟ أليس من عجائب لجنة السياسات تهديد أحمد عز أمين التنظيم بالتضامن مع 150 عضوًا من الحزب الحاكم هجوم وصف بأنه غير مسبوق على الفلسطينيين, ولم يستبعد أي عمل بما فيه العسكري من أجل القصاص ممن وصفهم بـ"ميليشيات فلسطينية" قامت بقتل الجندي أحمد شعبان، ثم يطالب هذا الأمين! بدعوة حماس تقديم اعتذار صريح ومعلن لشعب مصر وللحكومة عن هذا "العمل الآثم الذي أوجع قلوب المصريين جميعًا وأبكاهم فرادى وجماعات"!
أليس من عجائب لجنة السياسات أن يصيبهم الصمت والخرس على الانتهاكات المتكررة للسيادة المصرية والدم المصري حين قتل 10 مصريين على الحدود وإصابة 16 آخرين؟ وكان الرد أن مصر تتفهم هذه الممارسات! أليس من عجائب لجنة السياسات أن يعرض فيلم "روح شاكيد" الذي أكد قتل الصهاينة لأبنائنا وإخواننا الأسرى في 1967م، ولم تتوجع قلوبهم المرهفة ولم تدمع عيونهم الرقيقة أفرادًا أو جماعات؟ ربما يحاول البعض ولحسابات خاصة قلب الحقائق وتزوير التاريخ باعتبار غزة أو غيرها من دول العروبة والإسلام عدوًّا لنا، في محاولة لخلط الأدوار.
لكننا نؤكد أن العدو الحقيقي هو الكيان الصهيوني الذي احتل الأرض وطرد الشعب ونهب الثروات ودنس المقدسات، وقتل عشرات الآلاف من المصريين، الرجال والنساء، الشيوخ والعجائز، ولم يرع حرمةً ولا قانونًا فذبح الأطفال في بحر البقر ودير ياسين وقانا وغزة.. وما زال يرفع شعار "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"..
هذا هو الكيان الصهيوني الخطر الأوحد على الأمن القومي المصري والعربي رغم أنوف المغامرين الجدد الطامحين والطامعين في حجز مقاعد في قطار التوريث الذي لن يصل لمحطته الأخيرة لأنه يسير في الطريق الخطأ.