أعتقد أن "إسرائيل" تعمل خارج دائرة أي نظام للعدالة، وخارج إطار أي رقابة دولية، ولا أدري كيف تصنف "إسرائيل" في باب العدالة ومعايير العدل في إجراءات التقاضي وأحكام القضاء؛ ولذلك يجب على مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن يعقد جلسة خاصة لمراجعة موقف القضاء "الإسرائيلي" من الفلسطينيين؛ ذلك لأن كل فلسطيني عرضة للسجن لمجرد أنه فلسطيني؛ إذ لا بد أن يتوقف العالم باهتمام أمام مقولات "إسرائيل" السياسية، والتي تقود مواقف محاكمها، فهي ترى الفلسطيني في فلسطين مغتصبًا؛ ولذلك لا يشترط لسجنه وتعذيبه أن يرتكب جريمة جديدة، وسندها دائمًا هو القوة، وسكوت المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية.

 

ففي 13/1/2010م أصدرت محكمة "إسرائيل" حكمًا بسجن الشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في القدس لمدة 9 أشهر؛ بتهمة التحريض على الاحتجاج على تهويد القدس، كما أن "إسرائيل" اعتقلت الشيخ رائد صلاح، ونفته خارج القدس لمدة شهر عقابًا له على تصديه وأهل القدس لعملية "إسرائيل" المستمرة لتهويد المدينة المقدسة في شقها الشرقي.

 

ذلك أن "إسرائيل" تعتبر أنها تسترد أراضي الأجداد، ومن ثم فإن الفلسطيني مجرم لمجرد وجوده في فلسطين، ويتحمل جريمة أجداده الذين اغتصبوا أرض فلسطين من اليهود منذ آلاف السنين حسب الرواية "الإسرائيلية" المتكررة؛ ولذلك تفرض "إسرائيل" أن من حقها طرد السكان الفلسطينيين، وأن تصديهم لهذا الطرد أو الاحتجاج عليه أو التحريض بالاحتجاج، كذلك ثم خطف المئات من الفلسطينيين ومحاكمتهم وسجنهم؛ بتهمة الانخراط في أعمال مقاومة الاحتلال، أما التحريض على المقاومة، بحسبان أن مقاومة الاحتلال هو تعويق للجهود "الإسرائيلية" الرامية إلى استعادة أراضي فلسطين، وبذلك تكون مقاومة "الغاصب" الفلسطيني للمحرر "الإسرائيلي" مستحقة للعقاب.

 

وهكذا أصبح مطلوبًا من الفلسطينيين أن يمدوا رقابهم بكل الرضا للجزار "الإسرائيلي"؛ كي يذبحه ويحصل على أرضه، بل وتطلب "إسرائيل" أن يدعو الفلسطينيون الله أن يغفر لهم اغتصاب الأرض طيلة هذه الآلاف من السنين اعتقد الفلسطينيون خلالها أنها مال سائب. هكذا فهم "الإسرائيليون" الصراع في فلسطين، وهذا الفهم هو الذي دفع "إسرائيل" تتصرف بحرية مع المعتقلين، دون أن يضغط أحد لمراجعة الموقف "الإسرائيلي"، وفي ضوء ذلك يجب أن نفهم موقف "إسرائيل" من قضية شاليط، فترى "إسرائيل" أن شاليط تمَّ خطفه من وحدته العسكرية، وعلى "إسرائيل" الالتزام بتحريره من خاطفيه "المعتدين"، ولا ترى منطقًا في ربط إطلاق سراحه بإطلاقها عددًا من المعتقلين الفلسطينيين.

 

بل ترى "إسرائيل" أن هذه الصفقة تعتبر ابتزازًا، بينما الحقيقة هي أن شاليط من جنود الاحتلال الذين ارتكبوا جرائم الإبادة ضد سكان غزة، وأن الفلسطينيين عاجزون أمام بلطجة "إسرائيل"، وخطفها من تشاء دون حتى احترام لحصانتهم، فامتلأت سجونها بوزراء حماس ونوابها في المجلس التشريعي، ولم يزعج ذلك أحدًا رغم أن هؤلاء الوزراء والنواب منتخبون انتخابًا ديمقراطيًّا شفافًا.

 

أفهم أن أصل المشكلة هو تغير موقف الدول العربية من المقاومة منذ 2003م كأثر من آثار 11 سبتمبر، وخوف الدول العربية من اتهامها بالإرهاب؛ فأصبحت منظمات المقاومة منظمات إرهابية، وأصبح حبس أعضائها بل قتلهم عملاً مشروعًا وفق المذهب "الإسرائيلي".

 

وما دام كل المسجونين هم من المقاومين بصرف النظر عن أشكال المقاومة ودرجاتها، فهم في العرف العربي المعاصر من الإرهابيين.

 

والمطلوب- بمفهوم المخالفة- أن تهود "إسرائيل" القدس كما تشاء؛ لأن التصدي لها بالمظاهرات أو النقد أو تحريض الشارع على الاحتجاج يدخل تحت طائلة القانون "الإسرائيلي".

 

وهذا الوضع في الواقع يجعل الدول العربية تتردد كثيرًا في الاعتراف بالمقاومة مثلما هي عاجزة عن التصدي بدلاً من المقاومة للجرائم "الإسرائيلية" خاصة أعمال التهويد.

 

والغريب أن الدول العربية التي ربما تقف ضد المقاومة بسلوكها وليس بأقوالها ترى أن المقاومة للقوة "الإسرائيلية" الهائلة غير واقعية، أو أن نجاح المقاومة إحراج للحكومات العربية، أو أن "إسرائيل" تحمل هذه الحكومات مسئولية ضبط المقاومة، حتى إذا ما أخرجت المقاومة من المعادلة، أمكن "لإسرائيل" أن تعيد رسم خريطة المنطقة.

 

وقد لوحظ أن التهم الموجهة لوزراء حماس ونوابها، والتي كانت سببًا في الحكم عليهم بالسجن في "إسرائيل" لعدة سنوات هي انتماؤهم لمنظمة إرهابية، ولم يلتفت العالم إلى أن هذه المنظمة التي تعتبرها "إسرائيل" إرهابية هي التي حازت على ثقة الشعب الفلسطيني في انتخابات حرة تمت تحت إشراف ورقابة دولية؛ فما معنى أن يقضي المتهم الفلسطيني كل هذه السنوات في سجون "إسرائيل"، ثم يطلق سراحه لكي يمارس دوره في حماس مرة أخرى.

 

وأخيرًا.. يجب أن تبحث الأمم المتحدة كافة الممارسات القضائية في "إسرائيل" ضد الفلسطينيين والانحياز الأعمى ضدهم؛ انسجامًا مع سياسة الإبادة التي قررها المشروع الصهيوني، وربما كان الأولى بالأمم المتحدة أن تناقش أسباب عدم تنفيذ قرار محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل، وموقف المحكمة العليا "الإسرائيلية" من هذه القضية؛ حيث وضعت أحكامها في وضع أسمى من قرار محكمة العدل الدولية.