تتعدد مراحل المشروع الحضاري الإسلامي، فهو ليس مشروعًا للوصول للسلطة، ولكنه يمر في مرحلة من مراحله بالسلطة؛ فالحركة الإصلاحية تحقق الكثير من أهدافها وهي خارج السلطة، أو وهي في مقاعد المعارضة، ولكنها في لحظة سوف تحتاج للوصول للسلطة، أو وصول من تؤيده للسلطة.
ورغم تأجيل مرحلة الوصول للسلطة من غالب الحركات الإسلامية، إلا أن الحركة الإسلامية تبقى بديلاً للنخب الحاكمة؛ يمكن أن يحل محلها أو ينافسها في لحظة من اللحظات، وبين البديل والحاكم تتشكل علاقة متشابكة.
فالحاكم يعلم أنه قد يواجه الحركة في لحظة من اللحظات، وأن بقاءه في الحكم قد يهدده تنافس الحركة معه، ولكن الحركة الإسلامية لا تريد دفع ضريبة الوصول للسلطة، قبل أن تحل اللحظة المناسبة لذلك، فلا تريد تقديم نفسها كبديل جاهز للوثوب للسلطة، كما أنها لا تنكر أن الحكم سيكون من مطالبها في لحظة ما.
وهنا شكَّلت الحركة الإصلاحية نهجًا خاصًا للتعامل مع السلطة القائمة، تكرر لدى العديد من الحركات، وظهر واضحًا في منهج جماعة الإخوان المسلمين، ويقوم هذا المنهج على عدم تحديد موقف ثابت من النخبة الحاكمة، بل تحديد موقف متغير منها، يرتبط بتصرفاتها في السلطة، في محاولة لتأكيد أن المشكلة ليست في النخبة نفسها أو أشخاصها، ولكن في سياساتها، وليس كل سياساتها.
بين الناصح والمعارض
قدمت الحركة الإصلاحية نفسها كناصح للحاكم، ولكن مع دخولها في الانتخابات، بدت منافسةً للحكم؛ حتى وإن كان تنافسًا محدودًا، وعندما تتنافس في الانتخابات، تُصبح الحركة إما في موقع المعارض أو موقع المتحالف مع الحكم، ولكن الحركة الإصلاحية حاولت الحفاظ على مسافة تفصلها عن المعنى التقليدي للمعارضة السياسية، والذي يتمثل في كون المعارضة هي بديل للنخبة الحاكمة، وجعلت معارضتها معارضة للسياسات التي لا تؤيدها؛ مما يجعلها تؤيد السياسات التي توافق عليها.
وتمزج الحركة بين دور الناصح للحاكم، ودور المعارض له؛ فهي تحاول جعل التناصح عملية دفع سياسي، هدفها تعديل موقف الحاكم، أكثر من كونها تأييدًا دائمًا أو معارضة دائمة.
هذا الموقف جعل تصرفات الحركة الإصلاحية في المعارضة، ليست مثل تصرفات المعارضة السياسية التقليدية، وحاولت الحركة الإصلاحية الحفاظ على هذا التميز؛ رغم أنه يسبب لها مشكلات مع قوى المعارضة الأخرى؛ فتعريف المعارضة بالنسبة للحركة الإصلاحية، كما يظهر لدى جماعة الإخوان المسلمين، هي موقف يغلب عليه معارضة ما يصدر من الحاكم، ولكنه لا يمنع من تأييد بعض مما يصدر من الحاكم، كما أن موقف المعارضة لا يمنع من مساندة الحاكم في بعض القضايا الوطنية، حتى وإن كانت مساندته تقوي مركزه السياسي.
ولم تنشغل الحركة بمدى تأثير سلوكها على موقف الجماهير من الحاكم، فقد يكون تأييدها له أحيانًا سببًا في زيادة شعبيته، ولكنها لم تجد حرجًا في ذلك، ما دامت تؤيد سياسات تتفق عليها، فظلت الحركة الإصلاحية غير منشغلة بالتنافس مع الحاكم، ولا تخطط كل تصرفاتها على أساس رفع شعبيتها في مواجه الحاكم لتحل محله، بل ظلت الحركة الإصلاحية تحاول زيادة شعبية سياسات بعينها، وإعلاء من قيمة مواقف محددة، حتى تصبح تلك السياسات التي تتبناها الحركة الإصلاحية ذات شعبية، وهو ما يؤدي ضمنا للتأثير على شعبية الحاكم، فكلما اقترب من السياسات التي تحظى بالشعبية زادت شعبيته، وكلما ابتعد عنها قلت شعبيته.
بالطبع يؤدي هذا إلى نشر رؤية معينة وتحصيل التأييد الشعبي لها؛ مما يساعد على تعميق التأييد الجماهيري للرؤية التي تحملها الحركة الإصلاحية، ولكنه يترك الباب أمام الحاكم لتبني تلك السياسات التي تحوز الشعبية، فيحوز أيضًا على تأييد الحركة الإصلاحية، ولكن النخب الحاكمة غالبًا ما تفعل العكس، وتستمر في سياساتها التي لا تحظى بأي شعبية. وكلما ساء تصرف الحكم من وجهة نظر الحركة الإصلاحية، كلما أصبحت مواقفها تجعلها في خانة المعارضة الكاملة للنخب الحاكمة، فتبدو في مواجهة الحكم مباشرة.
التحالف مع الحاكم
تعددت فترات التحالف مع الحكم القائم من قِبَل الحركة الإصلاحية، ومن قِبَل جماعات من الإخوان المسلمين في دول عربية غير مصر، وفي تلك المراحل من التحالف نجد الحركة تتحالف مع الحكم القائم لأجل غرض محدد، وتحت لافتة معينة، وغالبًا ما تكون تلك اللافتة هي المصلحة الوطنية؛ حيث ترى حركة أهمية التحالف مع الحكم القائم من أجل تأكيد الوحدة الوطنية، أو مساندة الحكم في موقف حرج أو لحظة فارقة.
وفي كل تلك التحالفات، نجد الحركة الإصلاحية تبدو قريبة من النخبة الحاكمة، ولكنها في لحظات متقاربة تبدو أيضًا بعيدة عن النخبة الحاكمة، والنخب الحاكمة تعاملت مع الحركة الإصلاحية بنفس الصورة، فتقربها إليها، وتتعامل معها بوصفها بعيدة عنها.
ولم يكن هذا الموقف إلا نتاج الفرق بين موقف الحركة الإصلاحية، والتي تريد التحالف مع موقف وليس مع نخبة حاكمة، وبين موقف النخبة الحاكمة والتي لا تقبل التحالف الموضوعي والجزئي، ولا تقبل إلا بالتحالف معها كنخبة حاكمة؛ فالحاكم يريد أن تكون الحركة الإصلاحية قاعدة له، وإلا تصبح منافسًا وغريمًا له.
ولكن الحركة الإصلاحية ليست مستعدة لتكون قاعدة لأحد أيًّا منْ كان، ولكنها مستعدة أن تكون قاعدة لفكرة أو هدف أو مشروع، ومستعدة لأن تكون قاعدة لمرحلة من مراحل الحكم، تأييدًا لغرض محدد؛ فهي لا تؤيد الحكم وتتحالف معه كعلاقة تربط بين نخب، ولكن كعلاقة مرتبطة بموقف محدد وغرض معين، وبالتالي يصبح التحالف مع الحكم جزئيًّا ومرحليًّا ومؤقتًا.
وتلك علاقة لم ترضي الحاكم، فهو يريد التحالف الكامل والمستمر؛ لأن معنى التحالف الجزئي مع الحاكم أن الحركة تدخل إلى دائرة الحكم متحالفة معه، ثم تخرج منه معارضة له؛ مما قد يكسبها شعبيةً إضافيةً، من خلال رموزها التي تمارس العمل السياسي مع الحاكم.
الاشتباك المتبادل
محاولة الحركة الإصلاحية للتحالف مع الأفكار وتأييدها، ومعارضة أفكار أخرى ورفضها، أدى إلى موقف مركب في العمل السياسي، يقوم على التدافع السياسي أكثر من كونه يقوم على التنافس السياسي، وهذا الدور يناسب الفكرة الحضارية الإسلامية؛ حيث إنه يقوم لا على طلب الحكم، بل على العمل من أجل تحقيق غايات محددة، فإذا تحققت من النخبة الحاكمة تؤيدها الحركة، وإذا لم تتحقق كان على الحركة تحقيق تلك الغايات بنفسها، وهي القاعدة التي أسسها حسن البنا منذ بداية جماعة الإخوان المسلمين.
ولكن هذا الموقف، مع وجود نخب مهيمنة على الحكم، وعدم وجود ممارسة سياسية حرة، ولا حياة نيابية سليمة أدى إلى تعقد المواقف التي تمر بها الحركة؛ حيث تواجه مواقف يصعب فيها الاختيار، ويصبح البعد عن الحكم خطرًا مثل القرب منه، وهنا تشكلت في تاريخ الحركة الإصلاحية العديد من الخبرات الحرجة، بعضها أضرَّ بالحركة، وبعضها حقق نفعًا لمشروعها، وبعضها لم تظهر نتائجه بعد.
ولكن ما أفاد الحركة الإصلاحية عمومًا، هو موقفها الواضح تجاه المشروع الحضاري الإسلامي؛ حيث ظلت متميزة بمشروعها، معلنةً عن أهدافها النهائية؛ مما جعلها تقف في مربع المشروع الحضاري الإسلامي، وتتميز عن كل النخب الأخرى، وكل التيارات الأخرى.
وبهذا ظلت الجماهير تعلم أن الحركة الإصلاحية تهدف لتحقيق وحدة الأمة وتحقيق نهضتها، وتعرف الجماهير أيضًا أن كل التيارات من خارج المشروع الإسلامي لا تعمل على توحيد الأمة، بل تعمل غالبًا على تكريس تفكيك الأمة، وتلك الغايات المميزة، هي التي حمت الحركة الإصلاحية من أي غموض يلحق بمواقفها؛ بسبب قربها وبعدها عن النخبة الحاكمة.
الحفاظ على الاستقرار
تلك واحدة من الجوانب المهمة في عمل الحركة الإصلاحية، فهي تعمل على تحقيق أمن المجتمع، وتعمل على تحقيق الاستقرار، وتحاول منع موجات العنف، وتنشر فكرة الإصلاح السلمي المتدرج، وكل هذا يؤدي إلى تأمين بقاء الحكام، ويساعد الحكم على فرض سيطرته، وتجنب حدوث الفوضى أو الثورة، والحركة الإصلاحية لا تقوم بهذا الدور من أجل الحاكم، بل إنها تقوم به عن قناعة خاصة بمسار الإصلاح والنهضة، وهي تؤمن بهذا الطريق، حتى ولو استفاد منه الحاكم.
ولا يمكن إغفال الدور الذي قامت به جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الحد من انتشار ظاهرة العنف؛ فقد كانت الجماعة تعمل على نشر فكرة الإصلاح السلمي المتدرج، بل وتواجه أي تمدد لبعض الأفكار التي نُسبت لفكر سيد قطب.
وأصبحت مواجهة الجماعة لفكر التكفير ومنهج حمل السلاح من المهام الأساسية التي تقوم بها الجماعة داخل قاعدتها الداخلية وفي المجتمع، وهذا العمل في حد ذاته، يساعد الحكم على تجنب التمرد المسلح ضده، ولكن جماعة الإخوان لم تكن تقدم خدمة للحاكم بقدر ما كانت تعمل من أجل مصلحة المجتمع والدولة.
فالحركة الإصلاحية شكَّلت لنفسها منهجًا يقوم على الدفاع عن المجتمع، وأيضًا الدفاع عن الدولة أيًّا كانت سياسات النخبة الحاكمة، على أساس أن الحفاظ على تماسك المجتمع، والحفاظ على الدولة هو حفاظ على الموارد الأساسية للأمة، والتي سوف تحقق بها الأمة نهضتها ووحدتها، فأصبح المنهج الإصلاحي مانعًا لحد كبير لفكرة الثورة والانقلاب، وأيضًا يمنع نسبيًّا احتمالات الفوضى، ولكنه لا يستطيع منع احتمال الفوضى بالكامل.
واستفادت النخبة الحاكمة من هذا النهج الذي ميَّز الحركة الإصلاحية، ولكنها لم تحاول مساندة الحركة الإصلاحية للقيام بدورها، بل انقضت عليها في نهاية الأمر، وحتى في مصر، فبعد أن بدأت نيران المواجهة المسلحة مع الدولة تهدأ، انقض النظام الحاكم على جماعة الإخوان المسلمين؛ مما يؤكد أن تفجر موجة العنف والتي كانت الجماعة تحاول صدها والحد من انتشارها، كان يحمي الجماعة من مواجهة السلطة لها، أو على الأقل كان يؤجل هذه المواجهة، ولكن الجماعة ساعدت قدر ما تستطيع في الحد من انتشار ظاهرة العنف؛ مما ساعد النظام للتفرغ لها والانقضاض عليها.
ومنهج الحركة الإصلاحية لا يقوم على حسابات السياسة، أو مناورات السياسة؛ بل يقوم على أسس ومبادئ، ترى الحركة الإصلاحية أنها تحقق الغاية النهائية لها، فلم تحاول الحركة الإصلاحية إغراق النظام في ظاهرة العنف؛ لأن تلك الظاهرة سوف تلحق الضرر بالمجتمع، حتى وإن أضعفت النظام؛ لذا تعمل الحركة الإصلاحية على تقوية المجتمع، وأيضًا الحفاظ على الدولة رغم أن ذلك يقوي الحاكم أحيانًا.
مواجهة الأزمات
تقوم الحركة الإصلاحية بدور اجتماعي كبير، فجملة العمل الاجتماعي المرتبط بالحركات الإصلاحية، وذلك المرتبط بالمنتمين للمشروع الحضاري الإسلامي ككل؛ يمثل أهم رقم في معادلة العمل الاجتماعي، ويمثل العامل الأول في تحقيق التكافل الاجتماعي في البلاد العربية والإسلامية.
وليس من الغريب إذن، أن تكون الحركة الإصلاحية واحدة من القوى التي تحد من تفاقم مشاكل الفقر والمرض في البلاد التي تنشط فيها، صحيح أن تلك المشاكل وصلت لمراحل حرجة، ولكن دور الحركة الإصلاحية ساهم في الحد منها، وساهم في الحد من تفاقم الأوضاع، وأجَّل احتمال قيام ثورة الفقراء.
ومرة أخرى يستفيد النظام الحاكم مما تقوم به الحركة الإصلاحية، رغم أنه يحاول منعه والحد من نشاطها، وكأنه يفضل ثورة الفقراء على نجاح الحركة الإصلاحية في القيام بمسئوليتها الاجتماعية؛ لما يؤدي له ذلك من تعميق دورها المجتمعي، وبالتالي زيادة شعبيتها.
ولكن الحركة الإصلاحية من الجانب الآخر، ترى أن تقوية المجتمع، بمواجهة الفقر والبطالة والمرض، وغيرها من المشكلات، يمثل ضرورة كي يصبح المجتمع قادرًا على تحمل مسئوليته التاريخية، والوقوف في وجه الظلم، فالمجتمع الضعيف لن يستخلص حريته من الحاكم، ولن يقدر على تحقيق نهضته وغاياته العليا؛ لذا يصبح العمل على علاج أمراض المجتمع، جزءًا مهمًا من تجهز المجتمع للقيام بدوره، حتى يستطيع تحمل مسئوليته في مواجهة نظام الحكم، أما النخبة الحاكمة فهي تقف بين خطرين، خطر تزايد شدة المشكلات لحد يؤدي إلى الثورة والفوضى، وخطر تنمية المجتمع لحد يقوي المجتمع ويمكنه من الوقوف في وجهها.
الخلاصة
من هذه العناصر يتشكل منهج الحركة الإصلاحية؛ فهي تؤيد سياسات وترفض سياسات لا أفراد، وتحمي المجتمع والدولة قدر ما تستطيع، وتحاول منع الفوضى والثورة قدر ما تستطيع، وتعتبر أن خطر الفوضى على الحكم ليس أكثر من خطر الفوضى على المجتمع، وبالتالي على المشروع الحضاري الإسلامي نفسه، فهي لا تحمي حاكمًا، ولكن تحمي مشروعًا.
ولا تهتم بالنتائج العرضية قدر ما تهتم بالنتيجة النهائية، وهو ما يفسر لماذا تبدو الحركة الإصلاحية قريبة من الحكم أحيانًا وبعيدة عنه أحيانًا أخرى؛ لأنها ببساطة تقف حول منطقة الحكم تضغط عليها، وتحاول تأييد سياسات في وجه سياسات أخرى، وتبقى النخبة الحاكمة تحت الضغط، وتقوي المجتمع حتى يحدث اللقاء بين الحركة والمشروع الذي تنادي به والجماهير المؤيدة له، فتحل مرحلة إصلاح الحكم.