الصورة غير متاحة

 البدوي عبد العظيم البدوي

 

تابع الكثيرون منَّا ما أصدرته محاكم الجنايات المصرية من أحكام بالإعدام مؤخرًا، كان أشهرها الحكم الذي صدر في حق أحد رجال الأعمال المعروفين، والذي لفت الانتباه إلى صدور عدد كبير من أحكام الإعدام، تزيد على المائة حكم خلال الشهور الماضية، وهو ما يعادل ما تمَّ إصداره من أحكام بالإعدام خلال عام كامل، وهو ما لاحظه عدد من المهتمين بالشأن العام والمتخصصين، في محاولةٍ للإجابة عن تساؤل مهم؛ عما إذا كانت زيادة معدل إصدار الأحكام القضائية بالإعدام هي مؤشرًا على زيادة معدل العنف؟ أم أن تلك الأحكام نفسها هي دليل على زيادة العنف فيما يصدره القضاء من أحكام؟ فيتمُّ التدخل للتخفيف من سقف العقوبة، وبالتالي ارتفاع الأصوات التي تنادى بإلغاء عقوبة الإعدام.

 

ويجب في البداية أن نؤكد أن زيادة معدل صدور أحكام الإعدام ليس مؤشرًا على انتشار العنف في الأحكام القضائية؛ إذ إن الحكم القضائي ليس إلا كاشفًا عن الحقيقة، وليس الحكم القضائي بذاته علامةً من علامات تفشي ظاهرة العنف.

 

فعندما تُعرض أوراق قضية ما على القضاء فالأصل أن المحكمة تتجرَّد عما ورد بالأوراق من أشخاص وأسماء؛ أيًّا كانت صفاتهم ومراكزهم القانونية، وينحصر جُلُّ اهتمام المحكمة فيما قام به هؤلاء الأشخاص من أفعال جرَّمها القانون، وتمَّ ذكرها بالأوراق والبحث فيما إذا كانت تلك الأفعال قد وقعت فعلاً أم لا؟ وهل كانت أفعالاً عرضيةً وليدةَ اللحظة كأن تكون دفاعًا مشروعًا عن النفس أو المال، أم أن تلك الأفعال وقعت بناءً على تخطيط وإعداد مسبقَيْن لها؟ ثم البحث في مدى منطقية ما أبداه المتهمون من دفاع عن أنفسهم حول ارتكاب تلك الأفعال والرقابة على ما ذكره مأمور الضبط القضائي حول تلك الأفعال ومواجهه المتهمين بها، ومدى قيام سلطة التحقيق والادِّعاء (النيابة العامة) بالتحقق، والتأكد من قيام المتهمين بالأفعال المنسوبة إليهم، وبعد التأكد من ذلك تراقب صحة إنزال قواعد ومواد القانون على الأفعال المكونة للجريمة لتحديد المركز القانوني لكل متهم على حدته، وبالتالي تحديد العقوبة الرادعة للمتهمين تمهيدًا لإصدار حكم قضائي في القضية محل النظر.

 

ولما كان حكم الإعدام من الأحكام القضائية الرادعة والتي يترتب عليها إزهاق الروح، فإن العمل قد جرى على أن يتشدَّد القاضي مع نفسه ليزيد من تمحيص القضية ومراجعتها والتأكد مرةً بعد مرة من قيام المتهم، بما هو منسوب إليه، من أفعال جرَّمها القانون والشرع، كما أن مثل هذا الحكم لا يصدر عن قاضٍ واحد منفردًا، بل اشترط القانون أن يصدر عن دائرة قضائية (محكمة) مكونة من ثلاثة من قدامى القضاة ممن لديهم باع وخبرة طويلة في مثل تلك القضايا، ويصدر الحكم بإجماع الآراء للقضاة الثلاثة للتأكد من اطمئنانهم لهذه العقوبة، وإلا فتطبَّق العقوبة الأقل منها درجة؛ لذا فالمشكلة لا تكمن في أحكام القضاء نفسها، بل تكمن في أحد أمرين أو كليهما معًا:

أولاً: المجتمع ومدى ما يعانيه من مشكلات كالبطالة، والفراغ، والمعاناة الاقتصادية لعامة الشعب في مقابل الترف الزائد عن الحد في الأعمال الفنية التي تُعرَض على شاشات التلفاز والفضائيات والسينما دونما رقيب، والثأر، وممارسة بعض الأفراد للبلطجة والبطش بغيرهم من المواطنين، ويشتدُّ المصاب لو كان من يمارسون هذا العنف من أصحاب السطوة والسلطان؛ ليعاني الضعيف من عدم احترامهم لحقوقه وآدميته كإنسان.

 

ثانيًا: النظام العقابي المعمول به في البلاد وما إذا كان رادعًا من عدمه؟ وكيفية وأسلوب تنفيذ تلك العقوبة على الجاني أو المتهم وفلسفة المؤسسة العقابية.

 

الإسلام وحل المشكلة

قدمت الشريعة الإسلامية الحل لكل تلك المشكلات التي يعاني منها المجتمع والتي أدت إلى انتشار ظاهرة العنف، فقد ركَّز الإسلام على الإعلاء من شأن كل القيم السلوكية والروحية والأخلاقية النبيلة، والمحافظة على تماسك المجتمع وإغلاقه لكل باب قد يؤدي إلى الانحراف أو الانحلال في المجتمع؛ حتى أمام المباح لو كان سيؤدي إلى الوقوع في المحظور من باب سد الذرائع.

 

وآية ذلك تحريم الإسلام للخمر؛ باعتباره أحد مصادر الشرور التي تتسبَّب في إذهاب العقل، والذي بذهابه يصبح كل شيء مباحًا، ولا وجود للقيم والدين في غيابه، بل وكيفية ذلك التحريم كانت متدرجةً مراعاةً لما دأب علية الناس طوال عمرهم، ولتخرج ذلك السمَّ من دمائهم بالتدريج، وهكذا في كثير من العادات السيئة التي جاء الإسلام فحرَّمها حتى قضى عليها مستغلاًّ الوازع الديني، والرغبة في المثوبة والقرب من الله لدى النفس البشرية السوية في الوصول بالمجتمع ليكون على أفضل ما يكون.

 

أما بالنسبة للنفوس الخبيثة التي درجت على الشر فلقد قرَّر لها الإسلام عقابًا رادعًا ومانعًا لها من تكرار الجرم الذي وقعت فيه كعقاب وردع خاص.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (البقرة: من الآية 178).

 

وقرَّر أسلوب وكيفية تنفيذ تلك العقوبة؛ ليكون في ذاته رادعًا عامًا للكافة ولكل نفس قد تفكر في الاعتداء على ما ليس لها من حقوق أو إتيان ما حرم الشرع من أفعال وردت حصرًا لتكون معلومة مسبقًا لدى هؤلاء الكافة، ومن جهة ثالثة لتشفي صدور نفوس المؤمنين وبقية أفراد المجتمع ممن التزموا جادَّة الصواب، وليشعروا أن التزامهم لم يكن بلا مقابل، وأنهم بهذا الالتزام قد اختاروا الطريق الصحيح، ولعل هذا هو معنى (الحياة) التي وردت في الاية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة).

 

ونخلص في النهاية إلى أن عقوبة الإعدام ليست في حدِّ ذاتها مؤشرًا على أن أحكام القضاء تتَّسم بالعنف، بل إن تلك العقوبة أُحيطت بعدد من الضمانات لتحدَّ من تطبيقها إلا عند الضرورة، وبهدف حماية المجتمع من نوعيات بشعة وشريرة من الجرائم وحتى لا تتكرر، ولكنَّ المشكلة الحقيقية تكمن في أسلوب تنفيذ تلك العقوبة من جهة ومشكلات أخرى عديدة يعاني منها المجتمع من جهه أخرى، وحتى لا نحلل ونوصِّف المشكلة دون أن نقدِّم لها العلاج اللازم للشفاء منها نقترح الآتي:

1- الاستخدام الأمثل لوسائل الإعلام لتكون وسيلةً لرفعة المجتمع، وفي التوعية المجتمعية السليمة وإحياء القيم فيه بدلاً من أن يكون الإعلام وسيلةً لانهيار المجتمع ومعول هدم فيه.

 

2- نشر قيم العدالة والإخاء والمساوة الحقيقية، والتي حض عليها الإسلام ونشرها، والتأسيس لثقافة الاحترام المتبادل بين المواطنين كافةً فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين السلطة الإدارية الحاكمة؛ مما يعلي قيم الوطنية والمواطنة والانتماء للبلد الذي يعيش فيه ويحترم حقوقه وآدميته.

 

3- العمل على حلِّ المشكلات المجتمعية والاقتصادية والسياسية ستؤدي بالتأكيد إلى وقف هذا المسلسل البشع من العنف، ومحو الاحتقان الموجود في الشارع، وإشاعة روح الانتماء والمواطنة بين أفراد الشعب.

 

4- إن الشارع الحكيم حينما قرر هذا النوع من العقوبات اشترط أن تُطبق في العلن كي تحقق الردع العام لجموع المجتمع، وكشفاء لصدور بقية أفراد المجتمع، سواء من الشرفاء المستقيمين أو من ذوي الضرر الذين تشفي تلك العقوبة صدورهم وغلق باب الثأر إلى غير رجعة.

--------------

* مستشار قانوني- محكم تجاري دولي- باحث.