د. إيهاب فؤاد

عشنا زمنًا نتباهى بمصريتنا، ولا عيب، فحب الوطن عبادة نتقرب بها إلى الله على ألا يصل إلى الخروج عن الحد المألوف شرعًا، وعلى أعتاب مكة وقف الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يذرف الدمع وهو يغادر مكة، الموطن، والأهل، ومحل الميلاد، وذكريات الصبا، وبعد هذا الحب يخرج طريدًا، حزينًا، ويقول لمكة: "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت".

 

كنا نتباهى بكنانة الله في أرضه، نفتخر بحضارتنا وتاريخنا التليد، وبجنودنا خير أجناد الأرض، الذين قال عنهم الحبيب محمد فيما رواه عمرو بن العاص وإن كان في الحديث ضعف، حدثني عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض" قال أبو بكر: ولِمَ ذاك يا رسول الله؟ قال: "إنهم في رباط إلى يوم القيامة"، وفي رواية الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذِمَة ورَحَمًِا".

 

ومع مرور الزمن تلاشى دور مصر الإقليمي، وأصبحت القضية الفلسطينية على هامش المفاوضات، وهم أصحاب الأرض والوطن، شُرِّدَ منهم من شرد، ومات منهم مَن مات غريبًا عن أرضه ووطنه، وتعاقبت أجيال وراء أجيال، وعلا صوت الأمن القومي والوطني لمصر، فكان الحصار الغاشم في حرب ضروس راح فيها ما يزيد على ألف وأربعمائة شهيد، وضُرِبَت البنية التحتية، وانهارت الأنفاق على مَن أقاموها وتلوثت أيدينا بدماء إخواننا بدلاً من أن نكون درعًا واقيًا لهم، فالدين يجمعنا، واللغة تجمعنا، وحق الجوار يجمعنا.

 

وتفتق الذهن بعد أن باءت كل محاولات تركيع الشرفاء في غزة بالفشل، فكانت المؤامرة الخبيثة ببناء ذلك الجدار الملعون بحجة الأمن القومي، وليَمُتْ الأطفال جوعًا حتى يركع الأُباة، وليهلك المرضى إذ عزَّ الدواء وكل هذا بدافع الأمن القومي، لقد صرنا نتوارى خجلاً من مصريتنا ومصر من ذلك براء بسبب تلك الأفعال التي لا يقرها دين ولا قانون، تتحرك القوافل من أنحاء العالم ونحن لها بالمرصاد.

 

ماذا تبقى لنا بعد أن بُحَّت الأصوات، وغابت الريادة، وتخلينا عن الكثير من قيمنا؟!! لقد ضربنا على أنفسنا الحصار قبل أن نضرب به إخواننا في فلسطين، ومنعنا شريان المقاومة الذي يمثل خط الدفاع الأول عن أمننا، إننا نقدم للصهاينة ما فشلوا في تحقيقه على طبقٍ من فضة، نذبح إخواننا بسكين بارد، ليموتوا أمامنا موتًا بطيئًا، إننا يا سادة نرتكب ما لن يغفره لنا التاريخ.

 

يا إخواننا في غزة، يا تاج رءوسنا، ويا عز أمتنا مهيضة الجناح الله غالب على أمره، إذا أُحكم عليكم الحصار، وإذا أريقت دمامكم على أسوار الجدار فالله معكم ولن يتركم أعمالكم، وستزول الأرض ومن عليها يومًا، وسيُفْضَح المتآمرون على رءوس الأشهاد، ساعتها لن ينفع ندم، ولن تنفع سلطة، فالأرض لله يورثها من يشاء، وأذكركم بقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾ (الأعراف)، إنَّ الصلاح والتقوى برهانان لوراثة الأرض، ولن يعود الحق إلا بالصلاح، ولنا في كتاب ربنا السلوى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105)﴾ (الأنبياء).

 

يا إخواننا في غزة.. أحسنوا التوكل على الله، استفتحوا خزائن ربكم بالدعاء وكثرة الاستغفار، إلزموا الصبر فإنه مفتاح الفرج والنصر والتمكين، ويا أحرار هذا العالم علمونا معنى الحرية، وألبسونا ثوب العز رغم كل الجراح، سيبقى نشيد المقاومة حيًّا رغم الليالي وظلامها الحالك، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون.