مع بداية الحركة الإسلامية المنظمة على يد حسن البنا وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، بدأت مرحلة استعادة مشروع الدولة الإسلامية، في نفس اللحظة التي سقطت فيها الدولة الإسلامية بإلغاء الخلافة، فلم تكن هناك فجوة بين الفعل ورد الفعل، ولم يحدث غياب للفكرة الإسلامية، فبعد فشل محاولات إصلاح الدولة العثمانية، وبداية خروج الدولة من الفكرة الإسلامية، بدأت الحركة الاجتماعية الإسلامية تظهر من داخل المجتمع، حتى تعيد المرجعية مرة أخرى للأمة والدولة، وكان ظهور الحركة اجتماعيًّا، في منهج حركي يعتمد على إصلاح الفرد أولاً، ثم الأسرة فالمجتمع فالحكومة، كما وضعه حسن البنا؛ دليلاً على أن خروج الدولة من المرجعية الإسلامية، يعوضه بناء تلك المرجعية في الأمة أولاً، حتى تعود المرجعية مرة أخرى للدولة.

 

فأصبح منهج التعامل مع الدولة ركنًا مهمًّا في حركة الإصلاح الإسلامي، وكان منهج الإخوان المسلمين معتمدًا على نفس النهج التي قامت على أساسه الدولة الإسلامية الأولى، فالأمة توجد أولاً، ثم بعدها توجد الدولة، ولا يمكن أن تقوم دولة إسلامية، بدون أن تكون الأمة الإسلامية حاضرة أولاً، وهذا النهج يرتبط بحقيقة الدولة الحضارية الإسلامية، فهي ليست دولة قوم أو عصبية، ولكنها دولة فكرة وقيمة، لذا لا يكفي لقيام الدولة مجرد وجود شعب أو قومية، حتى تقوم الدولة لتوحيد هذه القومية وتنظيمها وإدارتها، وإدارة أراضيها.

 

فهذا مسار الدولة القومية، التي تستند إلى القومية كهوية لها، وتقوم على أساس بيولوجي، يميز عرقًا عن غيره، ويحدد له أساسًا جغرافيًّا بتحديد حدود تلك القومية على الأرض. أما مسار الدولة الحضارية، فيستند إلى شيوع فكرة بين جماعة تؤمن بها، لذا تقوم الدولة لحماية تلك الفكرة وحراستها ونشرها. فالفكرة توجد أولاً، وإيمان جماعة بها يحدث أولاً، ثم تصبح تلك الجماعة هي الأمة المؤمنة بالفكرة والقيمة، فتقوم الدولة كوكيل للأمة لتنفيذ الفكرة والقيمة على أرض الواقع. وتصبح حدود الدولة مثل حدود الأمة.

 

لذا كان ضروريًّا أن تتحقق الفكرة أولاً في الجماعة، فتبدأ عملية الإصلاح بالفرد ثم الأسرة فالمجتمع، حتى تصل للحكومة والدولة، وتسلسل خطوات هذا المنهج الإصلاحي، افترض ضمنًا أن بناء المجتمع الإسلامي في بلد معين، يتبعه بناء الدولة الإسلامية في تلك البلد، فتقوم الدولة الإسلامية أولاً في قطر واحد، ثم تتعدد الأقطار، حتى يكتمل المشروع ببناء الوحدة السياسية للأمة الإسلامية.

 

لكن عملية الإصلاح بهذه الصورة تحتاج لوقت ليس بقصير، إن لم تواجه بمحاولات لضرب الحركة الإصلاحية، وتحتاج لوقت أطول إذا واجهت محاولات لضربها، وهو ما حدث، وخلال الفترة الزمنية التي تنقضي بين بداية عملية الإصلاح والوصول إلى بناء الدولة الإسلامية، هناك دولة قائمة بالفعل، وأيضًا هناك نظام حكم، وكان منهج حسن البنا قائمًا على عدم تجاوز المراحل الضرورية للبناء، فلا يمكن انتزاع الحكم لصالح مشروع لم تبن أسسه بعد، فتأسس منهج للتعامل مع الدولة، شكل منهجية للحركة الإسلامية في تعاملها مع الدولة، من قبل جماعة الإخوان المسلمين، والمنتمين لمدرستها، وغالب الحركات الإصلاحية الإسلامية.

 

المشترك الوطني

مع توجه الدولة القائمة نحو الهوية الوطنية الضيقة، اتبعت الحركة الإصلاحية مسارًا يؤكد الهوية الوطنية بوصفها جزءًا من الهوية العامة للأمة، فلم تضع الحركة الإصلاحية نفسها في أي تعارض مع الهوية الوطنية، لأنها ببساطة وحدة أساسية من وحدات الأمة؛ فإذا كانت الأمة تبدأ بالفرد فالأسرة، فالمجتمع، إذن يصبح الانتماء الوطني لمجتمع معين حلقة من حلقات الانتماء العام للأمة. والمنهج الإصلاحي المتدرج، الذي رسمه حسن البنا، قام أساسًا على البناء من القاعدة، مما يعني أن قيام الفرد المسلم سابق لقيام الأسرة المسلمة، كما أن قيام المجتمع المسلم سابق لقيام الأمة المسلمة، وهو ما يعني أن المرجعية تتم استعادتها من القاعدة إلى القمة، ومن جزء من القاعدة حتى بقية تلك القاعدة.

 

لذا أصبحت الوطنية مرحلةً من مراحل العمل الإصلاحي، كما أنها حلقة من حلقات الانتماء، ودائرة من دوائر البناء الاجتماعي للأمة؛ لذا ظلت الحركة الإصلاحية مؤكدةً موقفها الوطني، وكذلك دورها الوطني، واعتبرت أن تلك الحلقة هي حلقة قوية تجعل بينها وبين الدولة روابط قوية، وتجعل الفجوة بين مشروع الدولة الحضارية الإسلامية والدولة القومية يضيق، فما دامت الدولة القومية تقوم على حماية الوطن، فإن تلك المساحة تمثل عنصرًا مشتركًا بين الحركة الإسلامية والدولة القائمة.

 

لذا مالت الحركة الإصلاحية لتأكيد تعريفها للوطنية والقومية، في تصورات لا تتعارض مع الفكرة الإسلامية، مما يجعل تلك المفاهيم تمثل بالنسبة للحركة الإسلامية دوائر للحركة والإصلاح، ودوائر للتوافق مع الدولة، ولكن المشكلة كانت تظهر مع النخب الحاكمة والنخب العلمانية، والتي كانت تصر على تعريف الوطنية بوصفها وحدة انتماء وحيد، وترى أن الوطنية بوصفها دائرة من دوائر الانتماء، يغير من طبيعة الدولة القومية القطرية، وهكذا استمر التدافع حول فكرة الوطنية، والتي جعلتها الحركة الإصلاحية جزءًا من مشروعها، حتى تصبح الدولة القائمة جزءًا من مشروعها أيضًا.

 

توسيع الهوية

ظلت الحركة الإصلاحية تدفع الدولة لتوسيع دائرة انتمائها على المستوى العربي والإسلامي، على أساس التاريخ المشترك والعقيدة المشتركة واللغة المشتركة، فبرزت محاولة لتعريف مصلحة الدولة الوطنية، وربط تلك المصلحة بحماية المحيط الخارجي للدولة والتعاون والتنسيق مع الدول المحيطة، فكانت الحركة الإصلاحية في مختلف مواقفها، ترى أن التعاون العربي والأمن العربي، لا يتعارض مع الفكرة الإسلامية، كما أنه يحقق مصالح الدولة القائمة، رغم توجهها نحو الهوية القومية القطرية، ومن هنا كانت الحركة الإسلامية تحاول بناء مناطق مشتركة، وتوسع من تلك المناطق، خاصة مع الدولة، حيث كانت الحركة تعرف الدولة بالوطنية والانتماء العربي والإسلامي، وهو أمر لا تستطيع الدولة رفضه، لأن رفضه سوف يتصادم مع موقف الناس. وفي نفس الوقت، فإن فكرة الأمن القومي والإقليمي، فكرة لها أسسها في حماية أي دولة لنفسها.

 

لكن هذا الموقف من الحركة الإسلامية، كان يواجه بموقف مضاد من قبل النخب الحاكمة، فبنية الدولة نفسها لا تتعارض مع وجود رؤية إستراتيجية للأمن الإقليمي، ولكن النخب الحاكمة كان ترى أن تلك النظرة سوف تجعلها في مواجهة مع الغرب. ومنذ حرب 1948، والدول العربية تدير حروبها على أساس المصلحة القطرية، وليس على أساس المصلحة العامة للأمة، كما أنها تدير حروبها على أساس الموقف الغربي، حتى تتجنب الصدام مع الدول الغربية، ولكن أهمية توجه الحركة الإسلامية لتوسيع الهوية الحاكمة للدولة، تمثل في أن الهوية العربية والإسلامية هي جزء من التاريخ، والجغرافيا أيضًا، مما جعل الهوية العامة التي تطرحها الحركة الإسلامية، تفرض نفسها تدريجيًّا على الدولة حتى وإن كان بصورة رمزية فقط.

 

عدم التعارض مع الشريعة

ظل خطاب الحركة الإصلاحية تجاه الدولة يحاول منع الدولة من التعارض مع الشريعة الإسلامية، بجانب مطالبتها بتطبيق الشريعة، فكان لمنع الدولة من مخالفة الشريعة أولوية، وهو ما ظهر بداية من خطاب حسن البنا، لدرجة جعلت بعض المراقبين يتصورون خطاب الحركة الإسلامية وكأنه خطاب ديني، معني بالقضايا الدينية فقط، لكن تلك المنهجية تكشف عن بعد آخر في تصور الحركة الإصلاحية للدولة القائمة. فهي تريد تبرئة الدولة القائمة من مخالفة الشريعة، رغم أنها ليست دولة إسلامية، خاصة في كل تعارض ظاهر بين ممارسات الدولة والشريعة الإسلامية، وربما ينظر لهذا الموقف بوصفه جزءًا من التطبيق التدريجي للشريعة، لكنه يكشف عن توجه إستراتيجي مهم. فالحركة الإصلاحية حاولت إخراج الدولة من دائرة الخروج على الشريعة الإسلامية، حتى تصبح في مساحة بينية، فإن لم تكن الدولة القائمة دولة إسلامية، فلا يجب أن تكون ضد الفكرة الإسلامية، وهو ما يساعد على تقريب موقف الدولة من الفكرة الإسلامية، ويساعد بالتالي على عملية الإصلاح الحضاري الشامل، كما يساعد في عملية إصلاح المجتمع.

 

فقد اتضح من تصرفات الحركة الإصلاحية، أنها لا تريد موقفًا من الدولة يمنع إصلاح المجتمع، ولا تريد أن تكون الدولة هي العقبة في طريق مشروع الإصلاح الإسلامي. وبهذا تبتعد الدولة عن المعركة بين الحركة الإسلامية والنخب الحاكمة، ولا تكون طرفًا يستخدم في تلك المعركة، أو طرفًا يستخدم ضد المشروع الإسلامي. ولكن النخب الحاكمة كان لها موقف آخر. فقد مالت النخب الحاكمة لتمييز الدولة عن الحركة الإصلاحية الإسلامية، وتمييزها عن الفكرة الإسلامية، وفي نفس الوقت، كانت النخبة مضطرة في العديد من المواقف للحفاظ على طابع إسلامي للدولة. فأصبحت النخبة في موقف متعارض، فهي تريد مواجهة الفكرة الإسلامية، ولكنها لا تستغني عن الطابع الإسلامي للدولة، وتشكلت مساحة بين الحركة الإسلامية والدولة، تحدث ترابطًا بينهما. ولكن النخبة الحاكمة حاولت تقليص تلك المساحة من خلال تصوير الحركة الإسلامية، بوصفها خارجة على الدولة.

 

الهوية الإسلامية للدستور

اهتمت الحركة الإسلامية بوجود نص دستوري يحدد هوية الدولة العربية والإسلامية، حتى وإن لم تكن تلك الهوية مطبقة في الواقع العملي. ولم يحدث هذا في مصر فقط، بل حدث في غالب الدول العربية والإسلامية، كما أنه لم يحدث في مصر في عهد السادات، بل حدث منذ دستور 1923، والمتابع لتعامل جماعة الإخوان المسلمين مع نصوص الهوية في دستور 23، يجد أنه نفس التعامل الذي تكرر مع دستور 1971، بعد تعديله في 1980. فالنص على دين الدولة، مثله مثل النص على أن مصدر التشريع هو الشريعة الإسلامية، ففي كل الأحوال هناك دولة لها هوية وطنية، ولها هوية عربية وإسلامية أيضًا، وتلك الهوية تفرض طبيعة خاصة للدولة.

 

ورغم عدم تنفيذ تلك النصوص في الواقع العملي للنظام السياسي القائم، إلا أن الحركة الإسلامية رأت في تلك النصوص أرضية مشتركة بينها وبين الدولة، وهي ليست مجرد نص دستوري يعطي للحركة شرعية، بل هي أيضًا نص دستوري يجعل الدولة داخل الفكرة الإسلامية، وبهذا يصبح خروج الدولة عن الفكرة الإسلامية ليس بسبب طبيعة الدولة، ولكن بسبب النخبة الحاكمة للدولة، وهي الخلاصة التي تريد الحركة الإصلاحية الوصول لها، فإذا كانت الدولة الوطنية القطرية، لها أيضًا هوية عربية وإسلامية، إذن فهي لا تتعرض بالكامل من حيث طبيعتها مع المشروع الإسلامي، وتبقى مشكلة عدم تطبيق تلك المرجعية العربية الإسلامية للدولة، وهي مشكلة تنسب للنخبة الحاكمة.

 

حماية الدولة القائمة

من وجهة نظر المنهج الإصلاحي، لا يوجد ما يسمى هدم دولة وبناء أخرى، ولا يوجد أيضًا هدم مجتمع وبناء آخر. فالمنهج الإصلاحي يقوم على قناعة بإمكانية إصلاح ما هو قائم، لذا فالدولة القائمة لا تحتاج لهدم وإعادة بناء، بل تحتاج لإصلاح، سواء لتكون أكثر ديمقراطية أو أكثر كفاءة، أو أكثر قدرة، وأيضًا لتكون أكثر تعبيرًا عن هويتها الحقيقية وهي هوية المجتمع والأمة، وتقوم بدورها العربي والإسلامي، وكل هذا لا يحتاج لهدم الدولة بل إعادة توجيهها، وتصحيح مسارها، وإعادة توصيف هويتها.

 

وينبع هذا الموقف من المنهج الإصلاحي نفسه، فالإصلاح هو تغيير من الداخل وليس من الخارج، وهو تغيير بالتراضي وليس بالقوة، وهو تغيير متدرج وليس ثوريًّا أو انقلابيًّا. لهذا تعتبر الحركة الإصلاحية أن من مهامها الحفاظ على الدولة القائمة، حتى يتم إصلاحها، لأن هدم الدولة يؤدي إلى الفراغ والفوضى والدمار. ورغم أن الدولة تستخدم من قبل النخبة الحاكمة ضد الحركة الإصلاحية، إلا أن الحركة الإصلاحية ترى أهمية الحفاظ على علاقتها بالدولة، وقصر المواجهة معها على النخبة الحاكمة.

 

استعادة الدولة للمجتمع

تظهر هنا الفكرة الأساسية للمنهج الإصلاحي تجاه الدولة. فالحركة الإصلاحية ترى أن الدولة في النهاية ملك المجتمع، وأن هوية الدولة تنبع من هوية المجتمع، ومعنى هذا، فإن إقامة المجتمع القائم على المرجعية الإسلامية، يؤدي إلى تأسيس المرجعية الإسلامية للدولة. ولأن الدولة هي وكيل عن المجتمع، ومن ثم وكيل عن الأمة، حسب الرؤية الإسلامية، لذا تصبح الدولة ملكًا للمجتمع، حتى وإن كانت مختطفة من قبل النخبة الحاكمة، ويصبح دور الحركة الإصلاحية هو استعادة الدولة من هيمنة النخبة الحاكمة، حتى تعود ملكًا للمجتمع، وتابعة لهويته ووكيله عنه، وهذا يفسر لنا سبب الحرص الشديد من قبل الحركة الإصلاحية على الحفاظ على الدولة والنظام العام القائم، وكأنها بهذا تريد الحفاظ على الدولة أثناء معركتها مع النخب الحاكمة، حتى تتمكن من استعادة الدولة كاملة للمجتمع، وتحررها من قبضة النخبة الحاكمة.

 

فرض هوية المجتمع على الدولة

عملية الإصلاح القاعدي، لها نتائجها المتميزة، فهي بناء من أسفل، وكلما تحقق البناء بدرجة ما، أصبح له قوة واقعية نافذة، فبناء الهوية الإسلامية في المجتمع، ينتج عنه ظهور هذه الهوية وانتشارها وتحققها اجتماعيًّا، فتصبح هوية منظورة، وتنتشر هذه الهوية المنظورة، فتصبح سائدة أو غالبة، وبهذا يتشكل المجتمع تبعًا لما هو سائد فيه. وتصبح الهوية المنظورة والحاضرة اجتماعيًّا واقعًا لا يمكن التغاضي عنه، وكل دولة لها هوية، وهويتها من هوية المجتمع، وكلما ظهر الفرق بين هوية المجتمع وهوية الدولة، أصبحت الدولة في مأزق، لأنها لا تستطيع تغيير المجتمع أو استبداله.

 

أليس هذا هو المغزى الحقيقي لحملات الهجوم على الحجاب، ومن بعده حملات الهجوم على النقاب، فمع انتشار الحجاب في شوارع مصر، أصبح المشهد العام للمجتمع المصري يبدو إسلاميًّا، وعليه لن تكون الدولة القائمة إلا إسلامية، وإذا أرادت الدولة القائمة الدخول في معركة مع الحجاب، فسوف تجد نفسها خارجة على المجتمع وهويته، وتتحول إلى دولة متمردة على المجتمع، لذا تدخل الدولة في معركة مع النقاب ولا تدخل في معركة مع الحجاب، وبنفس هذا المعنى يمكن فهم مشكلة بعض الدول الغربية مع الحجاب. فظهور الحجاب يثبت وجود مسلمين في تلك الدول، وهي دول غربية علمانية، لها جذور مسيحية، وتريد الحفاظ على الشكل العام لمجتمعاتها. فالمجتمع العلماني، هو مجتمع تختفي فيه الرموز الدينية ويختفي الدين من المجال العام، والمجتمعات الأوروبية تريد لنفسها صورة علمانية، كما أنها لا تريد إظهار حجم التواجد الإسلامي فيها، حتى تبقى علمانية، ولها جذور مسيحية.

 

بنفس هذا المعنى، أصبح انتشار مظاهر التدين في الشارع، من العوامل التي تفرض على الدولة هوية محددة، فيصبح من الصعب على الدولة الخروج على المرجعية الظاهرة في المجتمع، كما يصبح من الصعب على النخبة الحاكمة تعديل هوية الدولة أو إخراج الدولة من أي هوية عربية أو إسلامية. وهذا هو الواقع في مصر مثلاً، فالنخبة الحاكمة في مصر تستند إلى هوية قومية مصرية علمانية، ولم تعد تعترف بالهوية العربية أو الإسلامية، ولكنها لا تستطيع إعادة تعريف الدولة بهذه الصورة، حتى لا تصبح في موقف الخروج الكامل على المجتمع.

 

الخلاصة

اتجهت الحركة الإصلاحية الإسلامية في مسارها لتجنب الدخول في معركة مع الدولة وتجنب الصدام معها، في محاولة لجذب الدولة ككيان مؤسسي إلى داخل المشروع الإسلامي، والحفاظ على الدولة حتى يمكن إعادة تأسيسها على المرجعية الإسلامية، تأكيدًا على المنهج الإصلاحي المتدرج، وتحقيق الفصل الكامل بين النخبة الحاكمة والدولة، لتبقى الدولة من مكونات المجتمع، حتى وإن تمت السيطرة عليها من النخبة الحاكمة، وهذا الموقف سمح للحركة الإصلاحية بتجنب أي موقف يجعل الثورة ضرورة؛ ليصبح المنهج الإصلاحي المتدرج ممكنًا، والحفاظ على الدولة لصالح المشروع الإسلامي ممكنًا أيضًا.