كيف تنظر الحركة الإسلامية للدولة القائمة في البلاد العربية والإسلامية؟
حول هذا السؤال تنوَّعت الإجابات الصادرة من الحركات الإسلامية، بصورة تكشف عن عمق المشكلة، فالتعامل مع الدولة القائمة يمثل واحدًا من التحديات التي تواجه الحركة الإصلاحية الحضارية، والتي تريد الحفاظ على منهجها السلمي المتدرج، ولا تريد الدخول في عداوة مع الدولة، ومع هذا، فللحركة الإسلامية مشروعها، وللدولة القائمة طبيعتها.
والدول القائمة في البلاد العربية والإسلامية هي دولة قطرية، تستند إلى القومية وتعرف نفسها بها، وهي تقسم الأمة العربية والإسلامية إلى قوميات وأعراق، وهي في غالبها تستند جزئيًّا أو كليًّا إلى المرجعية العلمانية، وتحتذي بالنموذج الغربي للدولة القومية، وهي في غالبها لا تلتزم بالمرجعية الإسلامية، سواء كليًّا أو جزئيًّا، وهي لا تعمل على توحيد الأمة الإسلامية، ولا على تحرير كل أراضي الأمة الإسلامية المحتلة.
والدولة القائمة على المرجعية الإسلامية في المقابل، تستند إلى القيم الحضارية الإسلامية العليا، ولا تستند إلى القومية، بل هي عابرة للقوميات، ويفترض أن الدولة الإسلامية تطبق الشريعة الإسلامية وتلتزم بها، ويفترض أن تعمل على تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وتقوم بمسئولياتها الإسلامية.
هناك فرق إذن بين الدولة القائمة والدولة حسب التصور الإسلامي، فرق لا تراه فقط الحركات الإسلامية، ولكن تراه أيضًا أنظمة الحكم في البلاد العربية والإسلامية، وتراه أيضًا الدول الغربية، والحركة الإصلاحية الحضارية تريد تحقيق الإصلاح المتدرج لنموذج الدولة القائمة، تحقيقًا لنموذج الدولة المنشود، وفي طريقها الإصلاحي تؤكد أنها تعمل من خلال النظام القائم، وتلتزم بالدستور القائم، أي أنها تعمل من خلال الوضع القائم لإصلاحه.
وعندما تتعامل الحركة الإصلاحية الحضارية مع الدولة القائمة، يكون عليها تحديد مقاربة لهذا التعامل، تحدد موقفها من الوضع القائم، وموقفها المستقبلي، وهنا تظهر عدة مقاربات، لكل منها منطقه الخاص، وهي تحاول حل إشكالية التعامل مع الدولة القائمة، ومحاولة منع الصدام مع الدولة.
الدولة القطرية أمر واقع
تتركز المقاربة الأساسية للحركة الإصلاحية على أن الدولة القطرية أصبحت أمرًا واقعيًّا؛ لذا يجب التعامل مع هذا الواقع، ما يعني أن عملية الإصلاح تبدأ بالنسبة لكل حركة قطريًّا أولاً، ورغم أن الرؤية الإصلاحية الحضارية ترسم صورة المستقبل لكل الأمة، إلا أن الحركة الإصلاحية تركز على القيام بدورها داخل القطر الذي توجد فيه، على أساس أن إصلاح القطر الواحد، هو بداية لإصلاح بقية الأقطار.
يؤدي هذا إلى تقليل التنسيق بين الحركات الإصلاحية الإسلامية في الدول العربية والإسلامية، وهو ما يظهر لدى جماعة الإخوان المسلمين، والتي توجد في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ولها كيان يقوم بالتنسيق الدولي؛ وهو ما يسمى بـ"التنظيم الدولي"، ومع هذا، فجماعة الإخوان المسلمين تقلل من دور التنظيم الدولي، إلى أدنى حدود للتنسيق، إدراكًا منها لطبيعة الدولة القطرية، والتي تنفر من أي عمل يتجاوز القطر، أو يكون عابرًا للأقطار.
ولكن المدخل القطري للعمل لم يمنع التفاعل الحر لأفكار المشروع الإصلاحي الحضاري عبر مختلف البلاد العربية والإسلامية؛ ما ساهم في تقوية الفكرة الإسلامية، وإعطائها المزيد من الانتشار عبر الأمة كلها، وبهذا تحقق للفكرة انتشارًا يجمع الأمة داخل مشروع واحد، أو يحاول تحقيق ذلك، مع الإبقاء على العمل السياسي والنشاط العام في حدود القطر الواحد، وبهذا استطاعت الحركة الإسلامية أن تتكيف مع الحالة القطرية، دون أن تغير رؤيتها القائمة على وحدة الأمة.
ويلاحظ أن تيار الوسطية الحضارية الإسلامية تجنَّب فكرة هدم الدولة القائمة وإقامة دولة أخرى بدلاً منها، وهي الدولة الإسلامية الواحدة، على أساس أن هذا التصور يقوم على الصدام مع الدولة القائمة، والدخول في حرب مفتوحة على كل الدول القائمة، لبناء دولة جديدة، ومن هذه الفكرة تأسست فكرة إصلاح الدولة القائمة، كخطوة نحو الدولة المنشودة، وهنا تتنوع الآراء حول كيفية إصلاح الدولة القائمة، وماهية الدولة المنشودة.
المرحلة الانتقالية
في البداية نفرّق بين الموقف من الدولة القائمة، وبين الرغبة في إقامة مرحلة انتقالية لتأسيس حرية العمل السياسي والتعددية والتنافس الحر، وتطبيق مبدأ أن الأمة مصدر السلطات؛ فالحركة الإصلاحية الحضارية متوافقة مع غيرها من الحركات السياسية، على أهمية وجود فترة انتقالية لتحقيق التحول الديمقراطي، فبعد سيادة نمط الحكم الاستبدادي، أصبح من الضروري تطوير الحياة السياسية من خلال مرحلة انتقالية تقوم على توافق وطني، حتى يتم تأسيس حياة ديمقراطية سليمة، وإذا كانت النخب الليبرالية والعلمانية تؤمن بالديمقراطية، كفلسفة ونظام متكامل؛ فإن الحركة الإصلاحية الإسلامية تعتبر الديمقراطية هي أفضل آلية لتطبيق الشورى الملزمة، ومن ثم حدث توافق ضمني على آلية العمل الديمقراطي؛ مما أفضى لنوع من التوافق على أهمية وجود مرحلة انتقالية، لبناء مؤسسة النظام السياسي على مبدأ ولاية الأمة.
وقد يتحقق التطور السياسي في المستقبل من خلال مرحلة انتقالية أو بدونها، وفي كل الحالات سوف يعقب أي مرحلة انتقالية، مرحلة التنافس للوصول للسلطة من خلال الإرادة الحرة للجماهير، وعندها قد تصل الحركة الإسلامية للسلطة، وهنا يأتي دور السؤال عن موقفها حال وصولها للسلطة، فالمرحلة الانتقالية لا تستهدف تحديد هوية معينة للدولة والمشروع السياسي، بقدر ما تهدف إلى بناء قواعد العمل السياسي السليم، حتى يختار الشعب ممثليه وحكامه، وبالتالي يختار مرجعيته ومرجعية الدولة، وهنا تبدأ مسيرة الحركة الإسلامية لإصلاح الدولة القومية القطرية.
الدولة القطرية الإسلامية
هناك تصور يقوم على أن علمية الإصلاح الحضاري هدفها الأول إصلاح الدولة القائمة؛ لإقامة نموذج دولة إسلامية على مستوى القطر الواحد، وتفترض هذه المقاربة إصلاح النظام القائم في جوانبه السياسية المتعددة، وإقامة الدولة القطرية على المرجعية الإسلامية؛ لتحقيق النموذج الحضاري الإسلامي، في دولة نموذج أو دولة نواة، على أساس أن إقامة هذا النموذج، سوف يتبعه إقامة نماذج أخرى في دول أخرى؛ ما يساعد على توحيد النظام السياسي بين الدول العربية والإسلامية، على مرجعية حضارية إسلامية واحدة، ومن ثم يمكن إقامة الوحدة السياسية الإسلامية.
وعند التطبيق العملي، قد يتحقق نموذج الدولة الإسلامية القطري على عدة مراحل، فقد يبدأ من خلال إصلاح النظام السياسي لتحقيق الحرية السياسية كمرحلة انتقالية- كما أشرنا- داخل إطار الدولة القومية القطرية، ثم تبنى المرجعية الإسلامية أو تفعل تدريجيًّا، حتى تتحقق المرجعية الإسلامية للدولة، ومن ثَم يتحقق نموذج الدولة الإسلامية القطرية، وهي دولة تحكم قطرًا واحدًا، ولكنها تحمل لواء نشر الفكرة الإسلامية والدعوة لها بين كل الأقطار، فهي دولة تعمل على تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وتقدم نفسها كنموذج للدولة النواة، وبهذا تكون الدولة قد انتقلت على مراحل من نموذج الدولة القومية القطرية العلمانية، إلى الدولة الإسلامية القطرية، وتصبح دولة نواة لتحقيق الوحدة الإسلامية.
الدولة القطرية المؤقتةرؤية أخرى ترى أن تغيير الدولة القائمة من دولة قومية قطرية إلى دولة ذات مرجعية إسلامية حتى وإن كانت قطرية، أمر صعب وربما يستحيل، وتستند هذه الرؤية إلى قوة نموذج الدولة القائمة على القومية، والمستندة إلى العلمانية، كما تستند تلك الرؤية إلى الدعم الغربي المباشر لنموذج الدولة القومية القطرية، والذي يظهر رفض الغرب لتغيير نموذج الدولة القائمة.
لهذا يرى البعض أهمية تكيف الحركة الإسلامية مع نموذج الدولة القائم على أن تعمل من خلاله، ودون تغيير فيه، حتى إذا وصلت للسلطة، وهنا يتم تأجيل الجانب الأكبر من المشروع الإسلامي، أي الجانب الخاص بإقامة دولة على المرجعية الحضارية الإسلامية، وجانب العمل من أجل تحقيق الوحدة السياسية للأمة، وتفترض هذه الفكرة أن الحركة الإسلامية حال وصولها للسلطة وبعد انتهاء المرحلة الانتقالية لن تتمكن من إقامة الدولة الإسلامية حتى على مستوى قطر واحد؛ لذا عليها العمل من خلال الدولة القومية القطرية، لفترة زمنية قد تطول، ومن ثم يكون عليها تأجيل جزء من مشروعها، وهنا تنشأ دولة قومية إسلامية، ليس كمجرد مرحلة عابرة، بل مرحلة طويلة نسبيًّا. ويتم وضع المشروع الإسلامي داخل إطار الدولة القومية؛ لتحقيق ما يمكن منه في حدود طبيعة الدولة القومية التي تقف عند حدود حماية مصالح قومية معينة داخل حدود مرسومة.
هذه الفكرة تدعو الحركة الإسلامية لوضع برنامج سياسي، يقوم في جانب منه على التوافق الكامل مع نموذج الدولة القومية القطرية، رغم أنه نموذج علماني، على أساس أن كل ما ستستطيع الحركة الإسلامية تحقيقه هو حكم هذه الدولة لإقامة حكم صالح ورشيد، حتى وإن لم يكن إسلاميًّا بالكامل، وكأن الوضع القائم يفرض على الحركة الإسلامية القبول بالإسلامية الجزئية، حتى تتغير الأوضاع العالمية والإقليمية بعد سنوات؛ ما يفتح المجال أمام الحركة الإسلامية كي تنتقل مرة أخرى إلى مشروعها المتكامل، وتبدأ في بناء دولة إسلامية.
وهذا التصور رغم أنه يتميز بدرجة عالية من المرونة والتكيف مع الواقع، إلا أنه يتضمن تمييزًا بين الدولة القائمة والدولة الإسلامية، لحد يجعل النموذج القائم للدولة غير قابل لحمل المرجعية الإسلامية، في حين أن الاتجاه الذي يؤمن بفكرة الدولة الإسلامية القطرية، يرى أن الدولة القائمة قابلة للتحول إلى المرجعية الإسلامية، بمجرد وجود تفويض شعبي للحركة الإسلامية لحكم الدولة القائمة.
الدولة القطرية الدائمة
نفس الفكرة السابقة بدأت في التحول لدى البعض، فرأى أن الدولة القائمة، والتي تمثل النموذج القومي القطري، وتسمى أحيانًا بالدولة المدنية الحديثة، تمثّل الشكل المناسب للعصر، وعليه تصبح الدولة الإسلامية كمشروع يؤسس للوحدة السياسية للأمة، ليست شكلاً مناسبًا للعصر، وكأن الظروف المعاصرة تحول دون قيام الدولة المستندة إلى المرجعية الإسلامية، سواء في قطر واحد، أو في كل أقطار الأمة.
بهذا يصبح على الحركة الإسلامية أن تكيف نفسها مع نموذج الدولة القائم، وتضع مشروعها حسب طبيعة النموذج السياسي السائد في مختلف بلاد العالم، وتحاول تحقيق القيم السياسية الإسلامية من داخل النموذج السياسي الغربي للدولة؛ لأنه النموذج الوحيد الصالح للعصر الراهن.
هنا تكون الحركة الإسلامية قد كيَّفت المشروع الإسلامي على معيار الدولة القومية القطرية، حتى تحصل الممكن والمتاح من وجهة نظر هذه الرؤية، ونلمح هنا تصورًا يقوم على أساس أن الوحدة الإسلامية السياسية غير قابلة للتحقق؛ سواء كانت في صورة دولة واحدة، أو اتحاد إسلامي؛ فالدولة الإسلامية إذا قامت في قطر ما، سوف تصبح مقدمة لتحقيق الوحدة الإسلامية، والتي قد تكون في شكل دولة واحدة، أو اتحاد بين الدول، والتصور الذي يرى أن الدولة القومية هي النموذج الوحيد المناسب لهذا العصر، يرى ضمنًا استحالة تحقيق الوحدة السياسية الإسلامية؛ وأن كل ما هو ممكن هو إقامة دول قومية قطرية لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يقوم بينها اتحاد مصالح، أي اتحاد بين دول مستقلة لها قرارها السياسي المستقل، وليس اتحادًا لتوحيد القرار السياسي للدول المنضوية فيه.
الخلاصة
نحن إذن أمام تصور يرى أن الدولة القائمة قابلة للتحول إلى دولة حضارية إسلامية، وتصور يرى أن الدولة القائمة غير قابلة للتحول ويجب العمل من خلالها، حتى يمكن إقامة نموذج جديد في المستقبل البعيد، يمثل الدول الحضارية الإسلامية، وتصور ثالث يرى أن العصر الحالي لا يسمح بقيام دولة حضارية إسلامية، فهو عصر يناسب الدولة القومية القطرية ذات السند العلماني، وعلى الحركة الإسلامية العمل من خلال هذا النموذج.
تلك الفروق تؤدي إلى فروق هائلة في الخطاب السياسي للحركة الإسلامية، ولرموز المشروع الحضاري الإسلامي، بل إن تلك الفروق تقف أمام العديد من الاختلافات التي تشهدها الساحة السياسية الإسلامية فيما يُطرح من برامج سياسية إسلامية؛ فالموقف من الدولة، وتصور المستقبل المنشود لها، هو عماد الجدل السياسي السائد بين الرؤى الإسلامية السياسية.
ولكن تلك الفروق أيضًا، لها تأثير على مآل المشروع الإسلامي؛ لذا يجب النظر لها على أنها خيارات مصيرية، تمثل حجر الزاوية في تحديد ما يمكن أن تحققه الحركة الإسلامية، وموقفها من الواقع السياسي الحالي، وموقفها من قضية الوصول للسلطة.