يتزايد طغيان الدولة القومية ضد معارضيها، خاصة الحركة الإسلامية، ومع تزايد لجوء الدولة للعنف، تجاه كل ما يواجهها في داخل مجتمعها، يظهر لنا مدى الأزمة التي يمر بها مشروع الدولة القومية القطرية، في البلاد العربية والإسلامية. والدولة الناجحة، هي تلك الدولة التي تعبر عن مجتمعها وتحظى برضا المجمع عنها، وهي تلك الدولة التي تؤدي وظيفتها، وتحقق الإشباع لمواطنيها. ولكن الدولة القومية القطرية قامت أساسا على كبت القوى المعارضة لها، خاصة الحركة الإسلامية، وحاولت أن تفرض رؤيتها على المجتمع. ومع رفع شعارات الاستقلال، حازت الدولة على تأييد شعبي لحقبة زمنية، وقامت الدولة بحمل مسئوليتها الاجتماعية تجاه المجتمع، طبقًا للرؤية التي حملتها. كان هذا حال الدولة القومية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

 

ومرت بعد ذلك الدولة بمرحلة التبعية للغرب القوي، وفقدت شعار الاستقلال، ثم تراجعت عن أي دور اجتماعي لها، فلم تعد حاملة لمسئولية اجتماعية. وتقلص دور الدولة تجاه المجتمع، كما تقلص دورها تجاه الأزمات التي يعاني منها المجتمع، خاصة الشرائح الفقيرة، والسواد الأعظم من الشعب. وأصبحت الدولة في خدمة النخب الحاكمة وتحت هيمنتها المباشرة، فأصبحت دولة النخبة المستبدة، ولم تعد دولة المجتمع، بأي معنى من المعاني.

 

كل تلك التحولات صنعت الدولة الفاشلة، فأصبح نموذج الدولة القومية القطرية، يمر بمرحلة الفشل الكامل. فالدولة لا تعبر عن المجتمع، ولا تتغير بتغير المجتمع، ولا تؤدي أي دور تجاه المجتمع. ثم بدأت مرحلة تعميق التبعية للغرب، والتي أدت إلى خضوع القرار السياسي للنخب إلى الإرادة الغربية، مما جعل الدولة نفسها تابعة للقرار الغربي، ولا تتمتع بالقدر المناسب من حرية الحركة، بل بات قرار الدولة في يد نخبة مستبدة، وبات قرار النخبة في يد القوى الغربية.

 

أصبح لدينا دولة تابعة فاشلة، ولكن المجتمع لا يمكن أن يكون بهذا القدر من الفشل والتبعية، فقد أصبحت المجتمعات مستقلة عن الدولة فلم تعد الدولة تحمل مشروعًا حضاريًّا ولا مشروعًا قوميًّا.

 

وهنا تفرق مسار الدولة عن مسار المجتمع. فأصبح للمجتمع مساره الخاص المعبر عن طبيعته وقيمه وهويته، وللدولة مسارها الخاص، المعبر عن مصالح النخبة الحاكمة، ومصالح القوى الغربية، فحدث انشقاق حقيقي بين البيئة الاجتماعية والبيئة السياسية.

 

وتشكلت لحظة الأزمة، وهي لحظة حرجة على مستقبل المنطقة العربية والإسلامية، حيث بدأت بعض الظواهر تتجمع لتشكل تحديات مستقبلية لمجمل الوضع القائم.

 

تفكك مجتمع الدولة

حصرت الدولة القومية نفسها في إطار الجنس الذي تعبر عنه، وجعلت هويتها عرقًا له أساس بيولوجي. ولكنها لم تستطع في الكثير من الأحيان تعريف هوية هذا العرق الذي تعبر عنه، ولم تستطع وضع حدود له تشمل كل المجتمع، فانفجر المجتمع من الداخل، ولم تعد فئات عديدة ترى في الدولة معبرة عنها. فالمجتمعات العربية والإسلامية شديدة التنوع، وكان تنوعها ينتظم داخل إطار وحدة الحضارة الإسلامية، فيصبح تنوع في العرق والمذهب والطائفة والدين، ولكن داخل وحدة المرجعية الحضارية الإسلامية. ولم تستطع الدولة القومية إعادة تعريف مجتمعها بصورة تحقق وحدته، فأصبحت الجماعة القومية التي تحكمها الدولة في حالة صراع داخلي، يتزايد مع الوقت، ويقترب من حد الحرب الأهلية أحيانًا.

 

فأصبح التهديد الأول الذي يواجه الدولة القومية، هو تفكك مجتمعها، وتمرد شرائح منه على الدولة أو تمرد شرائح منه على بعضها البعض، ولعل مشهد النزاع الديني في مصر حاضر في الأذهان، ومصر من أكثر الدول العربية والإسلامية تجانسًا، ومع هذا ظهر الاختلاف في الدين، سببًا لحدوث نزاع داخل المجمع، بدأ منذ عقود ولم ينته، ولكن الصورة تصل لحد أكثر خطورة كما يحدث في اليمن، حيث تدخل الدولة في حرب مع شريحة من المجتمع، وتستمر الحرب بينهما سنوات، فيتمزق المجتمع، وتترك الحرب آثارًا بالغةً عليه. أما في الصومال، فأتت الحرب الأهلية على الدولة بالكامل، وعلى المجتمع أيضًا.

 

وفي العراق، قامت دولة قومية باطشة، ثم جاء الاحتلال الأمريكي ليفكك تلك الدولة ويبني دولة قومية أخرى، على أنقاض الأولى، حتى تكون الدولة الجديدة خاضعة للقرار الغربي، ولا تعمل لحسابها الخاص. ولكن عندما سقطت الدولة القومية في العراق، وجدنا خلفها مجتمعًا مفككًا، أو مستعدًا للتفكك، وعندما استغلت العديد من القوى حالة التنوع الداخلي، دخل العراق في حالة حرب أهلية، ولم يعد قادرًا على استعادة تماسك المجتمع مرة أخرى. ويبدو من المشهد العراقي، أن بناء دولة قومية الآن صعب أو مستحيل، فقد مرت اللحظة المناسبة لبناء الدولة القومية، ودخل مشروع الدولة القومية في مرحلة الأزمة.

 

لقد دخلت الدولة القومية مرحلة تفكك المجتمعات، فتفقد الدولة سيطرتها على مجمل الوضع الاجتماعي، ويصبح وجودها مهددًا بسبب الصراعات الداخلية. كما تصبح هويتها القومية محل نزاع ومحل شك، لأنها لم تعد هوية جامعة للمجتمع.

 

النزاع بين الدول

كل دولة أقامت لنفسها هوية قومية مستقلة عن الدول الأخرى في العالم العربي والإسلامي، وانتهت مرحلة القومية العربية، والتي كانت محاولة لجعل العرب جميعًا قوميةً واحدةً، وأصبحت الخلافات بين الدول هي القاعدة، والنزاع بينها أصبح محتملاً، حتى وإن تم في ميدان السياسة الخارجية، أكثر من ميدان الحرب. وظهرت قوى لها دورها الإقليمي الواسع، على حساب دول أخرى، وسمعنا عن المواجهة بين الشيعة والسنة، ودور إيران الإقليمي المتزايد على حساب الدول العربية. ثم ظهر الدور التركي، والذي يحدث قدرًا من التوازن مع الدور الإيراني، ولكنه يقوي الدور التركي على حساب الدور العربي أيضًا. فالدول القومية دخلت مرحلة التنافس على المكانة والدور، وكثير منها يتنافس على احتلال الموقع الأهم لدى الدول الغربية، وكأنه تنافس على التبعية. والبعض يتنافس على تحقيق أكبر مساحة من حرية الحركة بعيدًا عن التبعية الكاملة للغرب، والبعض الآخر يتنافس على القيام بدور المقاومة والممانعة للهيمنة الغربية. ودخلت الدول العربية والإسلامية مرحلة التنافس السلبي، لتعمق خلافاتها، وتحول دون حدوث أي توافق بينها. وبهذا تنتهي فكرة العمل المشترك للدول القومية، سواء من خلال جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي. حيث ثبت أن الدول القومية الحاكمة في البلاد العربية والإسلامية، بنيت بصورة مناقضة لوحدة العمل العربي والإسلامي. لأنها ببساطة ولدت على أنقاض الهوية العربية الإسلامية الجامعة، فلم تعد مدفوعة نحو إبراز هويتها المشتركة، والتي قد تكون سببًا في تقوية الهوية الحضارية الإسلامية الجامعة، على حساب الهوية القطرية الضيقة.

 

الدولة المحمية

أصبحت الدولة القومية داخليًّا محميةً خاصةً بالنخب الحاكمة، وخارجيًّا محميةً خاصةً بالدول الغربية، ولم تعد قادرة على الحركة المستقلة، وأصبح المطلوب منها إتباع سياسات تعرضها للصدام مع مجتمعاتها. فمصالح النخب الحاكمة متعارضة مع مصالح المجتمع، ومصالح الغرب أيضًا متعارضة مع مصالح المجتمع، والدولة تقف في لحظة فاصلة، فكلما مر عليها الزمن، دخلت في مواجهة مع مصالح المجتمع أكثر، وتتحول الدولة إلى عدو للمجتمع مع مرور الوقت، فهي غير قادرة على تحقيق مصالح المجتمع، ولا التعبير عن هويته، ولم يعد لها اختيار، فلم تنجح في تحويل المجتمع لجماعة قومية معزولة عن أمتها، ولم تنجح في تحقيق مصالح لفئات واسعة للمجتمع. وأصبحت الدولة أداةً في السيطرة على المجتمع، لحماية مصالح النخب الحاكمة، ومصالح الدول الغربية، فأصبحت الدولة محمية غربية.

 

الاختيارات الصعبة

حتى الآن تتجه الدولة مدفوعة بسياسات النخب الحاكمة للبطش بالمجتمع كله، حتى تحمي أمن الدولة وأمن النظام، ولكن هذه السياسة تعرضها لخطر تفكك المجتمع، وخطر الدخول في صراعات إقليمية، وأيضًا خطر الانزلاق في عداء سافر مع المجتمع لتحقيق المصالح الغربية.

 

فأصبحت الدولة كفكرة محل امتحان صعب، وأصبحت هويتها القومية أمام مرحلة حرجة.

 

فإذا مالت الدولة لتعميق الحس القومي المتعصب أكثر فأكثر، فسوف تتجه لتفكيك مجتمعها، وتدخل في مرحلة التمرد الداخلي، ويتجمع فشل الدولة مع التمرد عليها، وتتحلل تدريجيًّا.

 

وإذا ظلت الدولة حاميةً لمصالح النخبة الحاكمة، فسوف ينفجر العنف الداخلي، وتشتعل ثورة الفقراء.

 

وإذا ظلت الدولة تحمي المصالح الغربية، فسوف تصطدم بثوابت المجتمعات وثوابت الأمة، وتصبح الدولة العدو، أي تتجسد فيها صورة الاستعمار المحلي.

 

وإذا حاولت الدولة إعادة بناء هويتها على أساس هوية المجتمع، فسوف توسع من هويتها القومية، لتسمح بمساحة للهوية الحضارية الجامعة، فتعيد بناء وحدة المجتمع، وتخفف شدة الصراع مع الدول المحيطة بها، ولكنها سوف تكون قد اقتربت من المشروع الحضاري الإسلامي، وأصبحت في مواجهة مع الغرب.

 

فأمام الدولة القومية القائمة في البلاد العربية والإسلامية، إما أن تدخل معركة مع المجتمعات ومع بعضها البعض، وتلك هي حالتها الراهنة، أو تبدأ في الخروج من الهوية القومية الضيقة، فتجد نفسها في مواجهة مع الغرب. فالدولة كنموذج وفكرة، مقبلة على مواجهة حاسمة، وبعدها يبدأ تاريخ آخر للدولة في البلاد العربية والإسلامية.