مقال "الحياد" لتوفيق الحكيم
* منذ انتهاء حرب 1973م، وبدايات الإعداد والتجهيز للصلح مع "إسرائيل"، والانسحاب من ساحة المعركة ضد العدو الصهيوني؛ تدور في مصر معركة شرسة حول هويتها وانتمائها العربي والإسلامي.
النظام الرسمي ومثقفوه ورجالاته يروجون للهوية المصرية والانتماء المصري والانسلاخ عن العالم العربي، ويتحدثون عن الفراعنة والحضارة الفرعونية، والغزو العربي الإسلامي لمصر.. إلخ.
والعامة والبسطاء من المصريين ومعهم نخبة الحركة الوطنية وشيوخها، يدافعون عن هويتها العربية، ويؤكدون أنها جزءٌ لا يتجزأ من أمة أكبر ولدت وتوحدت وتعربت مع الفتح الإسلامي.
الأولون يفعلون ذلك لتبرير الخيارات السياسية المصرية في "كامب ديفيد" وما بعدها، رغم ما ترتب عليه من انفراد العدو بفلسطين والفلسطينيين والأقطار العربية الأخرى منذ عام 1982م، وآخرها العدوان البربري على غزة في يناير 2009م.
والآخرون يفعلون ذلك دفاعًا عن مستقبل مصر والأمة معًا، انطلاقًا من دروس وحقائق الجغرافيا والتاريخ.
فالمعركة حول الهوية، هي في حقيقتها معركة سياسية بالدرجة الأولى، قبل أن تكون معركة فكرية وثقافية، معركة حول الدور الذي يتوجب على مصر القيام به في ظل واقع عربي لم ينجح بعد في تحرير كامل أرضه المغتصبة وكامل إرادته المنتهكة. بل إن الاستعمار العسكري التقليدي ابن القرن التاسع عشر الذي انقرض من العالم كله، عاد إلينا بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003م.
* وعادة ما تظهر هجمات دعاة المصرية والفرعونية على الهوية العربية، كغطاء سياسي للنظام، وكرد على الغضب الشعبي الذي يتفجر بعد كل عدوان صهيوني أو أمريكي على أحد الأقطار العربية، مطالبًا النظام بالتضامن مع أهالينا وشعبنا في فلسطين أو لبنان أو العراق، وداعيًا إلى قطع العلاقات مع "إسرائيل"، وطرد السفير، أو الوقوف في وجه العدوان الأمريكي، وعدم الرضوخ لضغوطه وشروطه وأجنداته.
ولكن هذه المرة، فوجئنا جميعًا بتوظيف كتيبة "الفراعنة الجدد"، في معركة وهمية بائسة بسبب مباراة لكرة القدم بين مصر والجزائر. وهو ما مثَّل قمة الابتذال في تناول قضايا الهوية والانتماء.
* وشيخ هذه المدرسة وأول من أسسها في العقود الثلاثة الماضية؛ كان هو الكاتب الراحل "توفيق الحكيم" الذي كتب مقالاً في جريدة (الأهرام) بتاريخ 3 مارس 1978م ينادي فيه بحياد مصر بين العرب و"إسرائيل"، مشبهًا له بحياد سويسرا والنمسا في أوروبا.
وما إن كتب ذلك حتى قامت الدنيا ولم تقعد، وانبرى عشرات الكتاب والمفكرين للرد والمشاركة، ودارت في مصر معركة فكرية عميقة وشرسة حول هوية مصر، استدعى فيها كل طرف حججه وأسانيده للدفاع عن رؤيته.
* ولما كانت الكتابات المنشورة في ذلك الوقت غائبة ومجهولة لمعظم القراء وبالذات الشباب من الجيل الحالي، فلقد رأيت أنه من المفيد إعادة نشر ما تيسر منها على حلقات، للتذكرة بأننا بصدد معركة قديمة لم تتوقف أبدًا منذ كامب ديفيد، بالإضافة إلى أنها قد تكون مرجعًا مهمًّا وعميقًا لكل من يرغب منا في التعرف على الأجواء الفكرية التي صاحبت انتزاع مصر من أحضان أمتها منذ ثلاثة عقود مضت؛ وهي كذلك كتابات زاخرة وغنية بالأدوات والأسلحة الفكرية لكل من يرغب في الدفاع والتأكيد على هويتنا العربية والإسلامية في مواجهة تلاميذ توفيق الحكيم وخلفائه، في المعارك الحالية والقادمة.
* * *
نص مقال "الحياد" لتوفيق الحكيم
لن تعرف مصر لها راحة، ولن يتم لها استقرار، ولن يشبع فيها جائع إلا عن طريق واحد: يكفل لها بذل مالها لإطعام الجائعين والمحتاجين، وتكريس جهدها للتقدم بالمتخلفين، وتوجيه عنايتها إلى الارتقاء بالروح والعقل في مناخ الحرية والأمن والطمأنينة.. وهذا لن يكون أبدًا ما دامت الأموال والجهود تضيع بعيدًا عن مطالب الشعب، بدافع من مشكلات خارجية ودولية تغذيها الأطماع الداخلية والشخصية.. ما هو الطريق إذن إلى واحة الراحة والاستقرار وطعام المعدة والروح والعقل؟.. إن هذه الواحة المورقة المزدهرة اسمها "الحياد".
نعم... إن مستقبل مصر الحقيقي هو في حياد مثل حياد سويسرا والنمسا.. هذا الحياد الذي أنقذهما من المنازعات والتيارات التي ألقت بكثير من الدول في خضم بحار مضطربة من السياسات المتعارضة، وقد اعترف العالم لسويسرا والنمسا بهذا الحياد، مع أن مبررات حيادهما أقل فائدة بكثير للعالم من حياد مصر.. وذلك لما أبينه في النقاط التالية:
- مبررات الحياد للعالم
هذه المبررات يفرضها الموقع الجغرافي لمصر، من حيث هي صاحبة قناة السويس التي يجب أن تظل مفتوحة دائمًا لخير العالم كله.. لا أن تتعرض للإغلاق بين حين وحين، فيصاب العالم من جراء إغلاقها بالأزمات الاقتصادية، ثم يفرضها أيضًا الوضع الحضاري لمصر، فهي الوحيدة في الدنيا التي تعتبر- بحق- "متحف العالم"؛ لأن فيها أكثر آثار الحضارات مجتمعة، فيها آثار الفراعنة، والإغريق، والرومان، والمسيحية والإسلام.. في حين أن بلدًا مثل اليونان يفخر بوجود حضارة واحدة هي الإغريق، وأن بلدًا مثل إسبانيا يزهو بحضارة العرب.. وبذلك كانا في مقدمة البلاد السياحية.. أما مصر، فالذي يأتي إليها يجد جوًّا فريدًا في الدنيا بنسماته وشمسه اللطيفة طوال السنة، ومتحف العالم القائم فيها بكل آثار الحضارات على مراحل التاريخ مجتمعة في دولة واحدة.
- حضارة ملك الدنيا
ولأن الآثار الحضارية لتاريخ البشرية الموجودة في مصر؛ يعتبرها العالم المتحضر ملكًا لجميع الدول، فقد تكاتفت كل الدول وساهمت بمالها وجهدها في نقل وترميم معبد "أبو سمبل"؛ ولذلك فأي تخريب لهذا المتحف العالمي نتيجة مشكلات سياسية أو مغامرات عسكرية ستكون له نتائج وخيمة من الناحية العقلية والفكرية للدنيا بأسرها مماثلة للنتائج الوخيمة الاقتصادية التي تصيب الدنيا من جرَّاء انسداد الشريان الحيوي لاقتصاد العالم وهو "قناة السويس".. لذلك فإن العالم كله سوف يرحب ويضمن "حياد مصر".
- مصر قلب العرب
وإذا كانت مصر هي متحف العالم، فهي في نفس الوقت القلب الحضاري للعرب.. وكل ما تناله من تقدم حضاري هو ملك للعرب والعروبة.. فكل جامعاتها ومدارسها وأساتذتها وعلمائها وأدبائها وفنانيها ومتاحفها وآثارها ومسارحها ومغانيها وجوها ونيلها وشواطئها وفنادقها ومصارفها وشعبها وعمالها وزراعها؛ كل شيء فيها هو ملك للعرب وفي خدمتهم، والحاجة الملحة للعرب والعروبة اليوم هي النهضة الحضارية التي تكفل لهم القوة الحقيقية. وهذا ينبغي أن تكون رسالة مصر التي تلقي على عاتقها، ويطالبونها بها، ويعملون على أن تتفرغ لها مصر، وتكرس كل جهودها من أجلها وحدها، فلا تشغلها عنها مشاكل سياسية ومشاكل حربية.. مما يستطيع غيرها القيام به، فعند العرب الآن المال والرجال، ولا شك أنهم قد شبوا عن الطوق، ولم يعودوا بحاجة إلى إلقاء المشاكل والمشاغل على كاهل مصر، لتشل فكرها وتنزف دماءها، ويجوع أبناؤها؛ إن قلب مصر المفتوح للعرب دائمًا هو قلبها الحضاري، وهو القلب الذي هم في حاجة إليه للسير على طريق النهضة والعزة والقوة الحقيقية، فليحافظوا على هذا القلب.
- جيش مصر
أما جيش مصر فيجب أن يكون جيشًا دفاعيًّا قويًّا مزودًا بأحدث الأسلحة لا للهجوم والاعتداء، ولكن للدفاع عن حيادها، فلا تجرؤ قوة على مس شبر واحد من أرض مصر المحايدة، دون أن نجد على هذه الأرض الطيبة المسالمة قد أصبحت جحيمًا يصلى بنار ذات لهب كل من يمس هذه الأرض بسوء، أو يعتدي على حيادها واستقلالها.
- فكرة الحياد
إني أعلم أن فكرة الحياد هذه لست واردة في ذهن حكومتنا ولا في برنامج حزب من أحزابنا، ولكنه رأي لي، ليس من حق أحد أن يمنعني من اعتناقه وإعلانه، وخاصة في وقتنا الحاضر الذي نشعر فيه بحرية الرأي.
فرأيي الذي أؤمن به وسأظل أدعو إليه، هو هذا الحياد لمصر.. هذا الحياد الضروري لها والمفيد لأشقائها العرب.. حياد مصر الذي يجعل منها الصدر الحنون للجميع.. فلا تشعر مصر أنها في حالة رهن دائم، وأن مصيرها ومستقبلها وكيانها مرهون في "بنك رهونات" النزاعات والمشكلات التي تعرقل جهودها في إطعام شعبها وفي التقدم النافع لها ولأشقائها.. إني أعرف الصعوبات القائمة في هذا الطريق.. فمن الأفراد والجماعات والدول من يريد زج مصر في المعترك؛ ليستخدمها لمنفعته أو لمصلحة طرف ضد طرف، ولكن المخلص الحقيقي لمصر، والناظر النزيه بعين الفائدة إلى منطقتنا وإلى الإنسانية سيرى الحق كله في هذا الرأي.. وإني أعرضه اليوم لينظر فيه الشرفاء المخلصون في كل مكان، ولن أكف عن العمل من أجله، وسأكون مع كل فرد أو حزب أو هيئة تجعله من شأنها واهتمامها وبرنامجها.
والله ولي التوفيق.
---------