مع دخول الدولة الإسلامية في مرحلة التراجع، ودخول مجمل الوضع الحضاري للأمة الإسلامية في مرحلة التراجع أيضًا؛ بدأت عملية الإصلاح مستهدفة عودة القوة الحضارية للأمة الإسلامية، وعودة الدولة الواحدة المعبرة عنها، ودارت فصول المواجهة بين حركة الإصلاح الحضاري، والأوضاع القائمة، عبر أكثر من قرنين من الزمان؛ ولكن تلك الفصول اختلفت من مرحلة إلى أخرى، حسب اختلاف الأوضاع السائدة المحيطة بها؛ حيث شكلت الحالة العامة للأمة، والحالة العامة للدول القائمة؛ شكل المعركة والمواجهة بين الوضع القائم، ومحاولة إحياء الحضارة الإسلامية.

 

ظلت المواجهة تنتقل من مرحلة إلى أخرى، مخلفة وراءها آثارًا تاريخيةً، وتعمقت مع مرور الوقت المواجهة، ودخلت في مراحلها الحرجة؛ فكلما طال الزمان على تلك المعركة، اتجهت أكثر فأكثر نحو مرحلة المواجهة الشاملة، فالمشكلة نفسها كانت تتعمق، والحل يصبح أكثر صعوبة؛ لذا أصبح مسار حركة الإصلاح الحضاري الشامل يواجه بالمزيد من المواجهة وربما الحروب؛ حتى أصبحنا أمام لحظة تشتد فيها المواجهة، فحركة الإصلاح الحضاري الشامل، قادرة على الاستمرار وتحقيق الإنجازات، ولكنها تواجه بوضع قائم يرفض أي قدر من التغيير أو الإصلاح، فباتت المواجهة الكاملة احتمالاً تتردد أصداؤه بين حين وآخر، والنظر إلى طبيعة المعارك التي دارت بين حركة الإصلاح الإسلامي، والقوى المعادية لها، تكشف قدرًا من مسار تلك المواجهة.

 

الإصلاح جاء أولاً

في المرحلة التي مثلها جمال الدين الأفغاني، كانت الحالة العامة للأمة تكشف عن تراجع داخلي، على مستوى الأمة وعلى مستوى الدولة؛ فالدولة الإسلامية ضعفت، كما أن الأمة ضعفت أيضًا؛ لهذا لم تستطع الدولة تعويض ضعف الأمة ولو مؤقتًا، ولم تستطع الأمة تعويض ضعف الدولة، وفي نفس الوقت بدأت الحملات الاستعمارية الغربية، في موجة جديدة منظمة، وتغير الوضع بين حالة الدولة الإسلامية، وحالة الدول الغربية، فقد بدأت الأولى في الضعف، وبدأت الثانية في النهوض. تلك هي ملامح اللحظة الأولى للتحدي الحضاري التي واجهت الأمة.

 

وجاء المصلحون الأوائل ينشرون دعوة الإصلاح، فقد أرادوا إصلاح الأمة وإصلاح الدولة، حتى تستعيدا قوتهما مرة أخرى، وتنهضا من جديد، ولكن الأوضاع سارت في طريق آخر؛ حيث زادت حالة التردي الحضاري، ولم يكن هذا نتاجًا لفشل حركة الإصلاح، ولكن كان نتاجًا لطبيعة الأشياء. فقد وصلت الدولة الإسلامية إلى حالة ضعف داخلي، ولم تعد قادرة على استعادة قوتها، وهذا الخلل الداخلي جعل الدولة تدخل تدريجيًّا في مرحلة النهاية، فقد خضعت الدولة الإسلامية لقواعد الصعود والهبوط الحضاري، فعندما تتحلل الدولة من داخلها، وتفقد قدرتها على الاستمرار، تكون النهاية هي مصيرها الأخير، ولم تكن الأمة في حالة أفضل، بل كانت أمراضها الحضارية تنتشر فيها أيضًا، حتى تسلمها لمرحلة التراجع الحضاري الشامل.

 

نقصد من هذا، ضرورة النظر إلى العامل الداخلي؛ لأنه هو مفتاح فهم ما حدث، فعندما شن الغرب الحملات الصليبية على الدولة الإسلامية، لم يستطع تحقيق النصر في النهاية؛ لأن الدولة كانت لا تزال تحمل أسباب قوتها، وكانت الأمة أيضًا لا تزال تحمل أسباب قوتها؛ لهذا انتصرت الدولة الإسلامية في النهاية، وأقامت أكبر دولة في كل مرحلة النهوض الحضاري الإسلامي، وهي الدولة العثمانية؛ ولكن الأمر اختلف عندما ضعفت الدولة العثمانية من الداخل، وضعفت الأمة أيضًا، فقد فقدت الدولة رسالتها، وفقدت الأمة ثقتها في هويتها، وبدأ الضعف الداخلي، يفشل كل محاولات الإصلاح.

 

وفي مراحل الإصلاح الأولى، كانت الأمة ما زالت حاضرة، وأيضًا كانت الدولة ممثلة في الخلافة ما زالت حاضرة؛ لذا قام الإصلاح من أجل تحقيق التطوير من داخل منظومة حضارية إسلامية قائمة، فلم تكن المشكلة في استعادة مرجعية الشريعة الإسلامية، والتي كانت قائمة بالفعل، ولم تكن أيضًا المشكلة في وجود دولة الخلافة، والتي كانت قائمة بالفعل، بل كانت المشكلة في استعادة القوة للدولة والأمة، ولكن حالة التردي كانت قد أخذت طريقها حتى النهاية.

 

عندما تغيب الدولة

استمر هذا الوضع مع الإمام محمد عبده، وكذلك مع رشيد رضا، ولكن الأمور تغيرت بعد ذلك، فقد سقطت الدولة، وسقطت الخلافة الإسلامية، وبهذا سقط ركن من الحالة الإسلامية، فقد غابت الدولة وإن ظلت الأمة، وغابت الخلافة، وإن بقيت الشريعة، ولكن الأمة كانت قد دخلت مرحلة السقوط الكبير، فقد تم إسقاط دولة الخلافة الإسلامية، ولكن الأمة ظلت باقية وتعرف هويتها الحضارية، ولم يغب الإطار الإسلامي عن المجتمعات الإسلامية، وظلت الشريعة الإسلامية حاضرة؛ ولكن تنحية الشريعة عن الحكم كان قد بدأ، ولكن بدرجات متتالية متدرجة، وهذا هو مشهد السقوط المتتالي. تغيب الدولة أولاً، ثم الشريعة ثانيًا، ثم الأمة ثالثًا.

 

هي دورة عكس دورة الصعود، فقد قامت الأمة أولاً، وأقامت الشريعة، وأقامت الدولة، وها هي تعيش لحظات المسار العكسي، وتسقط كما قامت.

 

ولم يكن حسن البنا غافلاً عن المشكلة الأصلية، بل أدرك قبل غيره أنه السقوط الكامل، وأنها النهاية تزحف على كل الأمة، وكل حضارتها؛ لذا بدأ من نقطة مختلفة في طريق الإصلاح، فلم يحاول إصلاح الدولة القائمة، فلم تعد قائمة، ولم يحاول إصلاح الأمة القائمة، فقد أدرك أنها قائمة بالجسد فقط وليس بالروح، ولم يحاول إصلاح الأوضاع القانونية حتى تتوافق مع الشريعة، فقد أدرك أن حكم الشريعة ينتهي.

 

تلك هي الخلفية التي ظهرت واضحة لدى حسن البنا، وجعلته يؤسس لتنظيم يحمل الفكرة، فكرة استعادة المرجعية الشاملة للإسلام، ويعمل على تحقيقها مرة أخرى؛ لذا بنى البنا تنظيمًا ليحي الأمة، ويقيم الشريعة، ويبني الدولة، وهنا حمل البنا ميراث الإصلاحيين الأوائل، ولكنه أدرك خطورة اللحظة الراهنة، والفرق بينها وبين اللحظات التي سبقتها، فلم تعد المشكلة في تراجع المنظومة الحضارية الإسلامية، بل في تغييبها؛ لذا عرف أنه في بداية المعركة وليس في نهايتها، وعرف أنها ليست معركة تطوير بل معركة إصلاح شامل، ومن هنا بدأت رحلة الإصلاح الحضاري الشامل، وأسس البنا جماعة الإخوان المسلمين، وبناها على أساس أن تبقى حجر زاوية في عملية استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية المفقودة، فجهز الجماعة لخوض معركة طويلة، وكان مدركًا أن المواجهة ليست سهلة.

 

تلك هي الميزة التي تحققت في جماعة الإخوان المسلمين، فلم يعمل البنا على استعادة الخلافة الإسلامية، فقد أدرك أن المشكلة أصبحت في الأمة، وأن الأمة نفسها خرجت عن مسارها الحضاري، وأن الوضع القائم، يتجه نحو الخروج الكامل من المرجعية الحضارية الإسلامية؛ لذا استطاع حسن البنا بناء التنظيم الذي يعمل على استعادة المرجعية الحضارية الإسلامية، بعد سنوات من السقوط الرمزي لتلك المرجعية، متمثلاً في سقوط الخلافة.

 

هنا عملت حركة الإصلاح على استعادة المبادئ الأساسية للمرجعية الإسلامية، وكأنها عملية بناء من جديد، وفي تلك الفترة تغير الوضع القائم، فبدأ التحديث يتحول إلى العلمنة، وبدأت دعوات التغريب تظهر، وهنا تجسد العدو في صورة مشروع حضاري وافد، يحاول اقتلاع الحضارة الإسلامية من جذورها؛ لذا توجهت جماعة الإخوان المسلمين إلى بناء الأمة، لتواجه محاولة هدم مرجعية الأمة، وكأنها تحاول منع السقوط الكامل.

 

خروج الدولة

لكن الوضع السياسي كان يتجه في مسار آخر؛ فقد ظل الحكام يضعون بعض قواعد الشريعة محل تطبيق، وظل الإسلام حاضرًا في الحياة العامة، ويحاول الحاكم الحفاظ على ارتباطه بتلك المرجعية، فلم تتجرأ حكومات الملكية في مصر على الإسلام، قدر ما حدث بعد تحول مصر لجمهورية، ولم يحدث تجرؤ كامل على المرجعية الإسلامية في وجود الاستعمار الأجنبي، ولكن حدث هذا بعد خروج الاستعمار.

 

هنا نلمح مسارًا مختلفًا، فقد سقطت الخلافة الإسلامية، ولكن الدول التي ورثت أوطان الأمة الإسلامية، بدأت تتحول بعيدًا عن المرجعية الإسلامية؛ لتبني دولة خارجة عن تلك المرجعية بالكامل، ونظرًا لصعوبة تلك العملية، فقد أخذت مراحل طويلة، ولكنها ظلت مستمرة، من قبل سقوط الخلافة وبعدها، ولكن الدول التي قامت بعد الاستقلال، مثلت المرحلة الأخطر في نزع حضور المرجعية الإسلامية في الدولة والنظام السياسي.

 

لقد بدأ جمال عبد الناصر ثورته بإلغاء الأوقاف، وفرض سيطرة الدولة عليها، وقام بإلغاء المحاكم الشرعية، ولم تكن تلك القرارات مجرد صدفة، بل كانت تعبيرًا عن توجه يحاول نزع المرجعية الإسلامية بالكامل، والسيطرة على ما يتبقى منها؛ ليكون في خدمة النظام الحاكم، وهنا كان التخلص من جماعة الإخوان المسلمين ضرورة، ولم يكن نتاجًا لتفاعلات ما أو أحداث صغرى، ربما عجلت منه بعض الأحداث، أو أثرت أحداث أخرى على شكل الصدام، ولكن الصدام كان حتميًّا، فالنظام الذي سيطر على الأوقاف وهي النظام المالي الأهلي للأمة، ومصدر قوتها عبر كل التاريخ، لا يريد بالطبع بناء الأمة من جديد، ولكن يريد بناء شعب جديد، شعب خاضع لدولة تحكمه وتفرض عليه نظامها السياسي ورؤيتها السياسية، ولم تكن تلك الدولة إلا الدولة القومية القطرية التي أقامها الاستعمار، ولم تكن إلا النموذج التي استخدم لهدم الدولة الإسلامية وإسقاط الخلافة.

 

دخلنا إذن في مرحلة إخراج الدولة بالكامل من المرجعية الحضارية الإسلامية، وإسقاط حكم الشريعة بالكامل أيضًا، كما دخلنا في مرحلة تحويل الأمة حاملة الرسالة، إلى شعب خاضع لدولة قومية تفرض عليه هويتها، وبهذا بدأت مراحل استكمال المشروع المعادي للمشروع الإسلامي، وهنا تغير الوضع، فلم تعد المشكلة في ضعف الأمة، بل أصبحت المشكلة في وجود مشروع سياسي علماني، يريد إنهاء الأمة والسيطرة عليها.

 

كان من الضروري إذن تغييب جماعة الإخوان المسلمين، فالدولة أخذت مسارًا لتغيير هوية المجتمع، وبدأت عملية العلمنة تحت لافتة الاستقلال، دخل الإخوان للسجون، وبدأت مرحلة أخرى؛ حيث كان نزع هوية الأمة غاية، وتحطيم تراثها هدفًا، فأسقطت الدولة ثم الشريعة، ثم الأمة.

 

وكانت جماعة الإخوان المسلمين قد بنت بناءً شامخًا، واستعادت للمجتمع روحه ومرجعيته، ووضعت اللبنة الأساسية، ولكن الضربة جاءت قاسمة؛ لأنها جاءت من الرجال الذين حملوا شعار الثورة والتحرر، كما أنها جاءت من رجال خرجوا عليها، بعد أن كانوا منها، وبعد أن تعاهدوا معها.  

 

ولكن الاستعمار لم يكن ليخرج دون أن يترك وراءه دولة تنتمي لمرجعيته، فقد ترك دولة قومية قطرية، وترك نظامًا يتجه للعلمانية، وترك بهذا مشروعه ينفذ بيد محلية، وأصبح رجوع الاستعمار حتميًّا، أيًّا كان شكل هذا الرجوع، فقد حاولت جماعة الإخوان المسلمين وقف السقوط الكامل، فكان تغييبها في السجون حتميًّا، حتى يكتمل مشروع السقوط.

 

وحضر السلاح

لقد كان الخروج على المرجعية الحضارية للأمة كاملاً، ولكن الأمة بدأت تستيقظ، وبدأت الصحوة الإسلامية في سبعينيات القرن العشرين، ولم تكن بداية يقظة الأمة بعيدة عن مسار التاريخ، بل كانت بداية في موضعها ومكانها، فالصعود لا يبدأ إلا من الأمة مرة أخرى، ولكن الأمة بدت تصحو غاضبة، وتنظر حولها لترى كيف أهينت مرجعيتها الحضارية، ومع صحوة الأمة، تحضر لحظة المواجهة، وقد تكون لحظة غضب أو انتقام، أو تكون لحظة ردع لنظام تجرأ بأكثر مما ينبغي، وربما تكون لحظة مواجهة، تكشف حجم الخلاف الحادث بين تيار الصحوة الإسلامية، وما آلت إليه الدولة القائمة.

 

وتجمعت كل مسارات المعركة الحضارية؛ فالدولة القائمة تتجه بسفور نحو العلمانية، والتدخل الغربي يعود بصورة فجة ليستولي مرة أخرى على الدولة التي زرعها في البلاد العربية والإسلامية، والأمة تستعيد وعيها بهويتها الدينية والحضارية، وتلتقي المسارات المتعارضة، لتبدأ فصلاً جديدًا، فصلاً يشهد ذروة الانهيار الحضاري للأمة، وذروة محاولات إخراج الأمة نهائيًّا من مرجعيتها.

 

ظهر السلاح في وجه الدولة، ولم تكن الدولة إلا شكلاً حديثًا للاستعمار المحلي المدعوم غربيًّا، ولم تكن إلا دولة مسلحة، فأصبح الاحتكام للسلاح سائدًا.

 

الإخوان ومفارقة الزمن

عادت جماعة الإخوان المسلمين في سبعينيات القرن العشرين، تعيد بناء تنظيمها وتتوسع من جديد، جاءت تحمل معها فكرة إصلاح الأمة، ولم تنجر إلى الحرب المسلحة مع الدولة؛ فقد جاءت ومعها منهجها الذي تأسس قبل توحش الدولة على مرجعية الأمة، وحافظت على هذا المنهج، رغم أنها شهدت لحظة افتراء الدولة على حقوق الأمة، فقد تجسدت تلك اللحظة في سجون النظام الناصري، وكانت الجماعة هي كبش الفداء المقدم على مذبح الدولة القومية القطرية العلمانية الغربية التي أراد الاستعمار زرعها في بلاد العرب والمسلمين، وتبنتها نخبة من أبناء الأمة، وجعلت التغريب جزءًا من التحرر من الهيمنة الغربية؛ فسقطت تلك النخبة، وسلمت مقاليد الدولة لرجال أسلموا الدولة للهيمنة الغربية، فلم يعد من الممكن بناء دولة على النموذج الغربي بدون رعاية غربية، تلك هي حقائق التاريخ، فالدولة التي تحاكي الغرب، ستجد أن كل أوراق اللعبة بيد الغرب، وبيد السيد الغربي الجديد، أمريكا.

 

ولكن جماعة الإخوان المسلمين أرادت تجاوز لحظة الصدام المسلح، فغاصت داخل المجتمعات العربية والإسلامية، تبني الأمة، فقد أدركت الجماعة أن قوة الأمة الحضارية تكمن في وعيها وإيمانها برسالتها، وليس في سلاحها، فالسلاح مصدر قوة الدولة المستوردة الاستعمارية المحلية، ومصدر قوة الاستعمار؛ ولكن الأمة الإسلامية قوتها تكمن بداخلها.

 

عودة الإصلاح من جديد

وعملت جماعة الإخوان من أجل استعادة لحظة معركة الإصلاح ثانيًا، وظهر تيار الصحوة الإسلامية وانتشر في ربوع الأمة، وظل العنف يمتد، وتيار الإصلاح يقوى، وبقي السلاح حاضرًا، ولكن تيار الإصلاح احتل مواقع مهمة من تيار العنف، وقامت الجماعة الإسلامية في مصر بمراجعتها الشهيرة، وهي لم تكن إلا لحظة يستعيد فيها تيار الصحوة منهجه الأساسي، وهو منهج الإصلاح، وتبدأ مرحلة الخروج من خيار العنف، ليسود منهج الإصلاح، ويتعمق منهج بناء الأمة.

 

ويبدأ مسار التاريخ يرسم ملامح اللحظة الأولى للصعود، وتدخل الأمة القرن الحادي والعشرين، وهي تعيش في لحظة حاسمة، فتيار الإصلاح الحضاري الشامل يقوى، ولكن القوى المواجهة له تشتد أيضًا، والسلاح لم يفارق المشهد، فما زال تيار العنف يريد تحصيل ضريبة الخروج من مرجعية الأمة من الأنظمة القائمة، وما زال سلاح العدوان على الأمة يخوض معركة مصير، ضد حركات المقاومة الإسلامية.

 

وحملت حركات المقاومة الإسلامية راية التحرر الوطني، ولكنها لم تحمل معها مشروع الدولة القومية القطرية، بل حملت معها مشروع الدولة الإسلامية. فأصبحت تواجه من قوى الاستعمار الغربي الذي يريد السيطرة على الأرض، كما يريد حماية الدولة القومية العلمانية، حتى تبقى مهيمنة بعد رحيله، فعددت جبهات المعركة بين القوى الخارجية والمقاومة، وبين النخب الحاكمة وحركات الإصلاح، وتوسعت المعركة، لتصبح كالحرب الشاملة.