هذه هي الحلقة السابعة من هذه السلسلة التي نتناول فيها الحروب الصليبية من واقع كتاب "ماهية الحروب الصليبية" للدكتور قاسم عبده قاسم.. وكنا قد تناولنا في الحلقات السابقة: الأيديولوجية الصليبية، والظروف التاريخية والدوافع، وخطبة البابا والاستجابة الشعبية، والحملة الأولى واغتصاب القدس، وبدايات الوحدة والمقاومة والتحرير، ومصر وصلاح الدين والحملة الثالثة.
واليوم نتناول الحملات من الرابعة إلى السابعة، وحملة الأطفال، والحملة العجيبة، وأخيرًا قصة التحرير الكامل للأرض المغتصبة.
* * *
الحملة الرابعة 1204م:
* بعد صلاح الدين، تفسخت دولته بين الورثة من أبناء البيت الأيوبي، وهو ما جاء نعمة على ما تبقى من الوجود الصليبي في لبنان وفلسطين، وتمتعت مملكة بيت المقدس الوهمية التي أصبحت عاصمتها عكا بفترة سلام قاربت العشر سنوات.
* وفي عام 1200م تولى السلطان العادل الأيوبي منصب السلطنة الأيوبية في القاهرة.
* أما في أوروبا، فلقد أدرك البابا والغرب ومعهم الصليبيون في الشرق أن الاستيلاء على مصر هو الخطوة المنطقية والضرورية لتأمين وجودهم في بلاد الشام.
* لقد بات غزو مصر بكل مواردها؛ قضية منطقية وضرورة حربية لضمان الاستيلاء على ما استرده صلاح الدين من مملكة بيت المقدس اللاتينية.
* وأخذ البابا أن وسنت الثالث 1198/ 1216م على عاتقه مهمة الدعوة إلى حملة صليبية جديدة يكون هدفها مصر.
* وبالفعل بدأت الاستعدادات لتجميع هذه الحملة، وتم الاتفاق مع جمهورية البندقية؛ لكي تقوم أساطيلها البحرية بنقل القوات.
* وفي سنة 1201م تحركت الجيوش إلى البندقية؛ لكي تنقلها السفن إلى الشواطئ المصرية.
* ولكن بدلاً من ذلك، انحرفت هذه الحملة، واتجهت عام 1202م إلى حصار القسطنطينية العاصمة المسيحية، بدلاً من القاهرة العاصمة الإسلامية.
* وفي 24 يونيو 1203م رسا الأسطول في مياه خلقدونية قبالة القسطنطينية.
* وفي أول مارس 1204م كانوا يرسون دعائم دولة جديدة تحل محل الإمبراطورية البيزنطية بموجب معاهدة فصلوها على أهوائهم.
* وفي 23 أبريل 1204م تمَّ اقتحام المدينة، وتركت عرضة للنهب والمذابح الصليبية على مدى ثلاثة أيام مرعبة.
* وهكذا انتهت الحملة الصليبية الرابعة.
* ولكن بعض الصليبيين الذين لم يعجبهم انحراف الحملة عن وجهتها الأساسية، قد واصلوا الطريق حتى شواطئ الشام، وهناك تعاونوا مع المستوطنين الصليبيين لشن هجوم هزيل ضد مدينة رشيد ومدينة فوه المصريتين، وقد ظلوا في حصارهم خمسة أيام من عام 1204م، ثم انسحبوا.
* وسرعان ما أدرك الصليبيون في عكا استحالة قدوم حملة صليبية من الغرب لنجدتهم، فسعى أمالريك الثالث ملكهم لعقد هدنة مع السلطان العادل الأيوبي الذي رحَّب بذلك نظرًا لازدهار التجارة ومكاسبها في حالة السلم، وبسبب متاعبه الداخلية مع بقية الأيوبيين من ناحية أخرى.
* وبالفعل تمَّ عقد هدنة مدتها ست سنوات في أواخر 1204م.
* * *
حملة الأطفال 1212م:
* كرد فعل شعبي في أوروبا الغربية على فشل البابوبة وحكام أوروبا في استرداد مدينة القدس؛ خرجت حملة من نوع عجيب عرفت بصليبية الأطفال.
* ففي عام 1212م، ظهر صبي فرنسي في الثانية عشرة من عمره اسمه ستيفين، ادعى أن العناية الإلهية اختارته لقيادة حملة من الأطفال الأبرياء؛ لاسترداد القدس التي فشل الملوك والأمراء والبابا في استردادها بسبب ذنوبهم.
* ونجح ستيفين بالفعل في اجتذاب بضعة مئات من أطفال فرنسا، وعدد من صغار القساوسة، وتوجهوا إلى مرسيليا في انتظار أن ينشق البحر أمامهم في معجزة مثل تلك التي حدثت للنبي موسى عليه السلام، وتكررت نفس الحكاية في ألمانيا تحت قيادة صبي اسمه نيقولا، ولكن لم يعلم أحد ماذا حدث بعد ذلك لهذه الحملة العجيبة.
* * *
الحملة الخامسة 1218م:
* في عام 1215م، وبسبب ضعف المستوطنات الصليبية وسوء حالها منذ معركة حطين، دعت البابوية وبعض القوى في غرب أوروبا إلى حملة جديدة هدفها مصر للأسباب الآتية:
* أولاً: رغبة المدن التجارية الإيطالية الممول الرئيسي للحملة في السيطرة على تجارة المتوسط، وضرب المنافسة المصرية في عقر دارها بالسيطرة على ميناء دمياط أهم موانئ شرق المتوسط آنذاك.
* وثانيًا: بداية تبلور واستقرار عقيدة سياسية وعسكرية صليبية جديدة، مؤداها أن هزيمة مصر أو تحييدها على الأقل خير ضمان لبقاء المستوطنات الصليبية.
* ثالثًا: استرداد الشرف العسكري الذي تمرغ بعد هزيمتهم في حطين وفقدانهم للقدس.
* وبالفعل بدأت هذه الحملة في الوصول إلى عكا.
* وفي مايو من عام 1218م وصلت قواتهم قبالة دمياط وحاصرتها.
* فعرض عليهم السلطان الكامل الجلاء عن مصر مقابل أن يأخذوا الصليب المقدس، وأن يمتلكوا مدينة بيت المقدس ووسط فلسطين والجليل، وأن يدفع المسلمون جزية عن الحصون التي تبقى بأيديهم.
* ورغم هذا العرض الكريم والسخي والمتخاذل؛ فإن الصليبيون رفضوه.
* وفي 5 نوفمبر 1219م سقطت دمياط في أيديهم.
* وفي صيف 1221م وأثناء تقدمهم إلى فارسكور، بدأ فيضان النيل وفتحت الجسور وأغرقت كل الطرق أمام الجيش الصليبيي.
* وتقدَّم الجيش المصري، وحرر دمياط في سبتمبر من سنة 1221م.
* ولقد استمرت هذه الحملة 4 سنوات وانتهت بالفشل.
* ولقد كان فشلها؛ هو فشل للبابوية وانتقاص من هيبتها، فلقد كانت هي الداعية الرئيسية إلى هذه الحملة.
* * *
الحملة السادسة.. الحملة العجيبة 1228م والتنازل طواعية عن القدس!:
* استغل الإمبراطور الألماني فردريك الثاني، والذي عرف باسم أعجوبة الدنيا، الروح السلمية للسلطان الكامل، فتبادل معه المراسلات ضد رغبة البابا.
* وقد أسفرت هذه المراسلات عن قدوم الإمبراطور إلى فلسطين عام 1228م، وفي صحبته جيش صغير من الفرسان قوامه 600 فارس فقط وأسطول هزيل، واستطاع رغم ذلك وبدون قتال أن يوقع مع السلطان الكامل هدنة مدتها عشر سنوات، على أساس أن يتسلم الإمبراطور الألماني مدينة القدس وبيت لحم، وشريطًا من الأرض يصل بين عكا والقدس، ويبقى في حوزة المسلمين المسجد الأقصى وقبة الصخرة والمناطق الريفية، وفي المقابل يتعهد فردريك بمنع أي حملة صليبية من أوروبا لمدة عشر سنوات.
* وبالفعل توج نفسه ملكًا على مملكة بيت المقدس الصليبية، وعاد إلى أوروبا في يونيو 1229م، بمكاسب لم تستطع أي حملة أخرى قبله أن تحققها منذ الحملة الأولى في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي.
* وثار العالم العربي الإسلامي، واعتبر هذه الهدنة كارثة حقيقية، وظهر رد فعل شعبي عنيف ضد السلطان الكامل.
* وفي عام 1239م مات السلطان الكامل، وبعد سلسلة من الحروب الأهلية بين الأيوبيين في مصر وبلاد الشام والجزيرة، اعتلى ابنه الصالح نجم الدين أيوب عرش السلطنة في القاهرة عام 1240م.
* * *
التحرير الثاني للقدس 1244م:
* أتاحت هذه الهدنة فرصة جيدة للصليبيين وزعماء الغرب الأوروبي؛ لكي يستعدوا لجولة عسكرية جديدة ضد المسلمين.
* وفي عام 1239م انطلقت حملة جديدة صغيرة استجابة لدعوة البابا جريجوري التاسع ووصلت إلى عكا.
* وفي نوفمبر 1239 التقى جيش الصليبيين المكون من ألف فارس الجيش المصري قرب غزة، وهزم الصليبيين.
* ومن ناحية أخرى، هجم الملك الناصر داود الأيوبي حاكم الكرك على بيت المقدس واستعادها من الصليبيين عام 1239م.
* ولكن نشأ صراع بين حكام المسلمين، فتحالف الناصر داود وحكام دمشق وحمص مع الصليبيين ضد الصالح أيوب سلطان مصر، وتنازلوا لهم عن طبرية وعسقلان، ومكنوهم من الصخرة بالقدس، فجلسوا فوقها يحتسون الخمر وعلقوا جرسًا على المسجد الأقصى.
* وفي عام 1244م تمكن السلطان الصالح نجم الدين أيوب من أخذ بيت المقدس بواسطة الخوارزمية.
* وكانت تلك هي الاستعادة الأخيرة لبيت المقدس التي ظلت بيد المسلمين العرب طوال سبعة قرون، قبل أن يدخلها جيش أوروبي آخر، وقبل أن يحتلها الصهاينة.
* * *
الحملة السابعة والأخيرة 1249م:
* وكان رد الفعل الأوروبي سريعًا، ففي عام 1245م بدأ التنسيق بين الملك الفرنسي لويس التاسع وبين البابا أنوسنت الرابع، بشأن التجهيز لحملة صليبية جديدة؛ هدفها استرداد بيت المقدس من الخوارزمية، وتكوين حلف مغولي مسيحي بهدف تطويق العالم الإسلامي والقضاء عليه؛ وهو المشروع الذي فشل بسبب الحلم المغولي بالانفراد بالسيادة على العالم.
* وفي خريف 1248 أبحر الأسطول الصليبي من ميناء مرسيليا الفرنسي إلى قبرص، ومنها تجاه الشواطئ المصرية في مايو 1249م.
* وفي 4 يونيو نزل الصليبيون قبالة دمياط التي سقطت بدون قتال، تحت تأثير شائعة أن سلطانهم المريض قد مات.
* وكان السلطان قد قام بنقل معسكره إلى مدينة المنصورة التي كانت قد خرجت إلى الوجود قبل 30 عامًا فقط.
* ونشطت المقاومة ضد الصليبيين، وجاءت قوات عربية أخرى من بلاد الشام لنصرة المصريين.
* وفي خضم ذلك تُوفي السلطان نجم الدين أيوب، وأخفت زوجته شجرة الدر نبأ وفاته؛ لكي لا تتأثر معنويات الجيش.
* وتوجهت القوات الصليبية إلى المنصورة، ولكن الأمير بيبرس البندقداري الذي صار فيما بعد السلطان الظاهر بيبرس تصدى للصليبيين، وأوقع بهم هزيمة فادحة في معركة رهيبة قرب مدينة فارسكور في فبراير 1250م.
* وتم أسر لويس التاسع، ونقل إلى دار ابن لقمان القاضي بالمنصورة، وأفرج عنه بعد فترة بعد أن افتدى نفسه بفدية كبيرة.
* ولقي لويس التاسع حتفه بعد ذلك في مغامرة صليبية جديدة في تونس.
* وكانت الحملة السابعة بقيادة لويس هي آخر جهد أوروبي ضد مصر في تلك المرحلة من العصور الوسطى.
* * *
انهيار المشروع الصليبي:
* أخذ الوجود الصليبي بعد ذلك يتلاشى رويدًا رويدًا.
* فبعد أن وحَّد الظاهر بيبرس مصر والشام، نجح عام 1265م بعد دخوله في عمليات حربية واسعة في تحرير قيسارية ثم أرسوف وصفد عام 1266م.
* وفي 1268م استولى على يافا.
* وحرر أنطاكية في عام 1268م بعد احتلال دام 150 عامًا، وكان ذلك أكبر انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أيام حطين واسترداد بيت المقدس، وكان الفرح عظيمًا.
* ثم عقد هدنة مع ملك عكا الصليبي مقابل التنازل عن نصف أملاك التاج الصليبي في عكا.
* وفي عام 1271م عقد هدنة مع ملك طرابلس الصليبي بوهيموند السادس؛ بسبب قدوم حملة صليبية جديدة إلى عكا تحت قيادة الأمير إدوارد الإنجليزي.
* وفي 1285م استولى السلطان المنصور قلاوون على حصن المرقب.
* وفي 1287م حرر اللاذقية، وهي آخر ما تبقى من إمارة أنطاكية الصليبية التي حررها بيبرس.
* وفي أبريل 1289م حرر طرابلس، ثم بيروت وجبلة، وانحصر الصليبيون في عكا وصيدا وعثليت.
* وبدأ الفصل الأخير في هذه المواجهة المضنية الطويلة بتولي الأشرف خليل بن المنصور قلاوون حكم البلاد.
* ونجح عام 1291م في تحرير عكا بعد حصار استمر 43 يومًا، وبعد أسر دام 103 سنوات.
* وبعد عكا سقطت بقية المدن والمعاقل الصليبية تباعًا، ودالت دولة الصليبيين في فلسطين إلى غير رجعة.
* وعلى الرغم من أن بقايا الصليبيين في قبرص ورودس ظلوا مصدر إزعاج في القرنين التاليين الرابع عشر والخامس عشر، إلا أن قصتهم في المنطقة العربية قد انتهت على امتداد خمسة قرون تالية.
-----------
* Seif _eldawla@hotmail.com