![]() |
|
محمد رجب سالم |
يقول مثل إنجليزي: "إن الديوك الرومية تتقاتل، وهي لا تدري ماذا سيُصنع بها في أعياد الميلاد".
تبادر إلى ذهني هذا المثل، وأنا أتابع بأسى وحدة هذا الانحدار، والإسفاف، والتدني، الذي سبق وواكب وأعقب مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، الدولتين العربيتين الشقيقتين، اللتين تجمع بينهما وشائج شتى من عقيدة ولغة ومصير وواقع جد خطير؛ وقلت في نفسي: كم هو غريب وعجيب أمر الشعب العربي، الذي توزعته العنصريات، وتنازعته الأهواء، وفرقته الخصومات، وأوهنته الصراعات؛ حتى بات بأسه بينه شديدًا، ونحو عدوه بليدًا؛ لقد أضحت الأولويات في الضمائر معكوسة، بعد أن أصبحت الفطر منكوسة، والبصائر مطموسة؛ وحين يصل الضمير الجمعي إلى هذا المستوى المتردي من الطيش والحماقة؛ فإن هذا يعني انطماس الهوية، وضياع الشخصية.
تذكرت قول أمير الشعراء أحمد شوقي- رحمه الله- مصورًا حال الشعب العربي حين تستذله الأهواء، ويستخفه طغاة الأمراء:
أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه
يا له من ببغاء عقله في أذنيه
ولقد صدق شوقي، وأصاب كبد الحقيقة، حين صور موقع عقول هذه الأجيال.... إنها في الآذان، لا في الرءوس والأدمغة، ومن ثمَّ فإن استثارتها مسألة سهلة، وسوقها إلى غضبة الجاهلية أمر ميسور.
ويثور بمرارة وحرارة سؤال: هل من المعقول، أو المقبول أن تتغافل هذه الجماهير العربية الطائشة عن قضاياها المصيرية، وواقعها الأليم، وتصير بليدة الحس نحو هذا كله، ثم تتدفق الدماء في عروقها، وتستأسد على بعضها في مجال رياضة لا تزيد شيئًا في قوة الأمة وبأسها، ولا تعدو كونها من اللهو المباح؟!! لقد غيبت الجماهير في مصر والجزائر، أو فصل بينها وبين تاريخها القديم والحديث؛ حتى لا تعرف أن دماء الشعبين قد امتزجت مرتين في صياغة أروع ملحمتين من ملاحم الجهاد ضد أعداء الإسلام والعروبة:
الأولى: في خمسينيات القرن الماضي في حرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.
الثانية: في سنة 1973م في حرب تحرير سيناء المصرية من براثن الاحتلال الصهيوني.
وتتواصل الأعراض المرضية لهذا التغييب، أو الفصل، لتنعكس على قضايا الأمة الشاخصة، وجراحها النازفة في فلسطين، والعراق، والسودان، واليمن السعيد، الذي بات شقيًّا بحربه الأهلية. ويعجب العجب نفسه من هذه الجماهير المقهورة في بلادها، والمظلومة في أرزاقها، والمكبوتة في حرياتها وإراداتها؛ لكونها تقبل هذا كله، ولا تحرك ساكنًا، بينما تفور وتثور، بل وتتصارع وتتقاتل إلى حد سفك الدماء، وترويع الأبرياء إرضاءً للملاهي والأهواء، وطبعًا الصهيونية العالمية ماضية في مخططاتها بخطى ثابتة، فهي تعمل بجد شديد وعزم من حديد لتهويد مدينة القدس، وطمس المعالم الإسلامية فيها، وعلى رأسها المسجد الأقصى الذي يسعون إلى هدمه، وإقامة الهيكل المزعوم لسليمان على أنقاضه؛ ثم ألم يأت هذه الجماهير الطائشة الحمقاء نبأ إعلان نتنياهو يهودية الدولة في "إسرائيل"، أي قيامها على أسس ومرجعية يهودية، رغم أنه يعلم هو وباقي العصابة الغاصبة أن دينهم قد زيفته أيديهم، وأن توراتهم قد حرفتها أهواءهم وأباطيلهم، بينما لا ذكر لدولة الإسلام في عقول وأجندات قادة العروبة الأشاوس؟!
أتدرون أيها اللاهون المتقاتلون، بل أيها الإخوة الأعلاء الغافلون أن إيمان الصهاينة بالقوة كآلية وحيدة لتحقيق أهدافهم؛ حملهم على فرص الخدمة العسكرية الإجبارية على كل ذكر في "إسرائيل" بين الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين، وكذلك على كل فتاة بين الثامنة عشرة والسادسة والعشرين؛ والجدير بالتعجب والإعجاب معًا أنهم جعلوا مدة الخدمة العسكرية إجبارية ولمدة سنتين، يقضي المجند إحداهما في التدريب العسكري، والأخرى في خدمة الأرض، هذا- طبعًا- غير التدريب العسكري المفروض على الطلاب في سن الخامسة عشرة.
ثم أتدرون أيضًا- أيها المتصارعون من أجل اللعب- أن "إسرائيل" تخصص أكثر من 51% من موازنتها لقواتها المسلحة، ناهيك عن مخصصات الدفاع السرية القائمة على الجباية، اليهودية العالمية؛ مما جعل "إسرائيل" ثكنة عسكرية في حالة استنفار قائم، واستعداد دائم؟!
إن قادة "إسرائيل" اليوم لينفذون بدقة متناهية الخطط المرحلية التي وضعها قادتهم وزعماؤهم، ويوقنون تمامًا أن معركتهم معنا نحن العرب والمسلمين لن تنتهي حتى يحققوا أهدافهم.
وقد بين هذا المعنى بجلاء ديفيد بن جوريون- مؤسس "إسرائيل"- في خطاب له أمام الكنيست اليهودي في 13 من فبراير عام 1952م، حين قال: "إن معركة "إسرائيل" هي معركة مثلثة: عسكرية وسياسية واقتصادية، وإن أية واحدة منها لم تنتهِ بعد تمامًا، وإن كل واحدة منها تتطلب منا جهودًا متواصلةً، وكل طرف من هذا الثلاثي مرتبط بالآخر".
ويتأهبون الآن لاستصدار قرار يمنع الأذان في مساجد المسلمين في القدس، وفي البلدات الفلسطينية المتاخمة للمدينة المقدسة، والبقية تأتي في المزيد من القتل والهدم والعدوان على أشقائنا في فلسطين، وفي سائر ديار الإسلام...
فهلا وعيتم الدرس أيتها الديوك المتقاتلة، أو أيتها الخراف المتناطحة قبل أن تقطع سكين الجزار رقابكم؟!!
