![]() |
|
البدوي عبد العظيم البدوي |
- في حرمان تنظيم القاعدة من توفير ملجأ آمن لها.
- السيطرة على المدن الإستراتيجية الرئيسية في البلاد.
- قطع خطوط الإمداد والتمويل عن حركة طالبان والقاعدة.
- الالتفاف حول حركة التمرد.
وبذلك تكون الإدارة الأمريكية قد حسمت التردد الكبير حول سياستها في أفغانستان، وهل هي الانسحاب أم الاستمرار في الحرب؟ وتبع ذلك إعلان عدد من دول الناتو زيادة عدد قواتها في أفغانستان، اتساقًا مع الإستراتيجية الأمريكية الجديدة ودعمًا لها.
حرب أوباما
اعتبر كثير من المحللين أن الخطاب الذي ألقاه أوباما هو الخطاب الأهم في رئاسته، وأعتقد أن في ذلك الرأي كثيرًا من الصحة لأسباب عدة أهمها: أن الحرب الأمريكية على أفغانستان، ظلت طوال الفترة الماضية من حرب الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن وحزبه، والتي لم يتبنَّاها الرئيس أوباما بل دخل البيت الأبيض بأصوات المناهضين للحرب، وكان يمتلك فرصة ذهبية للانسحاب من مستنقع الحرب في أفغانستان والعراق معًا، دون أن يتعرَّض لهجوم من الرأي العام الامريكي، ومن ناحية أخرى فوَّت أوباما فرصة تجميل وجه أمريكا في العالم على أساس تغييرها للسياسات التي اتبعتها الإدارة الأمريكية السابقة، ومدللاً بالفعل على تبني الإدارة الأمريكية الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية أسلوبًا تسامحيًّا مع غيرها من الحضارات من نوع تلك العبارات الرنانة التي سمعناها من الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه الشهير بجامعة القاهرة.
مقومات النجاح ومقدمات الفشل
اعتمدت الإدارة الأمريكية في سبيل إنجاح إستراتيجيتها الجديدة في أفغانستان على توفير عددٍ من مقومات وعوامل النجاح، والتي ستساعد في تحقيق أهدافها، ومن بين تلك العوامل التي سعت إلى توفيرها:
- زيادة عدد القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها على الأرض.
- فتح طرق آمنة جديدة لإمداد وتموين قواتها خلال الحرب؛ حتى ولو كان ذلك على حساب طلب المساعدة من دول لا ترغب في طلب المساعدة منها مثل: روسيا، والصين بل وإيران.
- إعادة صياغة أهدافها في أفغانستان لتكون ما يسهل تحقيقه على أرض الواقع، خلال الفترة التي حددتها لنفسها لبدأ عمليات الانسحاب من أفغانستان.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية ليست جديدة على الواقع الأفغاني؛ حيث إن لها خبرة طويلة بهذا البلد أيام الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، وتمتعت خلال تلك الفترة بعلاقات مهمة مع عدد من الشخصيات المؤثرة والمجاهدين وأمراء الحرب خلال تلك الفترة، ثمَّ ما لبثت أن تركت البلاد مرة واحدة بعد الانسحاب الروسي منها- وهو الخطأ الإستراتيجي الذي تدفع ثمنه الآن- وعلى الرغم من السنوات الثماني التي قضتها القوات الأمريكية في أفغانستان بعد احتلالها عقب إعلانها الحرب على الإرهاب، إلا أن الولايات المتحدة قد أخطأت في حساباتها عند وضعها لتلك الإستراتيجية، وليس أدل على ذلك من مقدمات ومقومات الفشل التي تحمله الإستراتيجية الأمريكية الأخيرة في أفغانستان، ونذكر منها:
- الواقع الداخلي الأفغاني: اعتمدت الإستراتيجية الأمريكية عند تحديدها لخيار البقاء في أفغانستان على عاملين مهمين:
أحدهما هو الاعتماد على الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني؛ كي يحل تدريجيًّا محل الجيش الأمريكي وقوات الناتو، وصولاً إلى التاريخ الذي حدَّده الرئيس الأمريكي لبدء الانسحاب وهو بداية عام 2011م، إلا أن الواقع على الأرض يلفظ هذا الأساس نظرًا لما تتمتع به الحكومة الأفغانية من رفض شعبي كبير، تلك الحكومة التي لا تفرض سيطرتها إلا على بعض المدن الكبرى فقط وبمساعدة القوات الأجنبية، ناهيك عن العمليات النوعية التي تقوم بها حركة طالبان داخل تلك المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة الأفغانية، والتي يمدها الأهالي بالمعلومات عن واقع وحركة القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها حتى الأفغانية منها.
أضف إلى هذا الواقع الداخلي ما تعانيه الحكومة الأفغانية برئاسة "كرزاي" من تفشي الفساد المالي والإداري، وتفشي الشعور بالظلم لدى العامة من أبناء الشعب، علاوة على الشعور العام برفض المحتل المختلف معهم في الدين والذي ارتكب عددًا من الجرائم ضد الأطفال والنساء العزل من أبنائهم.
ثم إن الجيش الأفغاني الوليد لا يستطيع الانتشار في طول البلاد وعرضها، إذ إن افغانستان تتكون من عدد من العرقيات، ولا يمكن نشر قوات في غير أماكنها العشائرية وإلا اعتبرها السكان محتلة وتعرضت للهجوم والاعتداء، ولو تم نشر تلك القوات في أماكن أغلبيتها العرقية والقبلية سيتغلب الوفاء للقبيلة والعرق على الوفاء للدولة، وبذلك تكون تلك القوات غير ذات فائدة.
كما أن حركة طالبان قد أعادت دراسة تجربتها السابقة في حكم البلاد، والتي استفادت منها كثيرًا في تعديل بعض سلوكياتها التي كانت تنفر منها بعض الأهالي، الأمر الذي انعكس ايجابيًّا في تعامل الأهالي معها ومع عناصرها؛ حتى في ظل وجود القوات الأمريكية والأجنبية في البلاد والمدن ناهيك عن المدن التي تسيطر عليها حركة طالبان فعليًّا.
وضع القوات الأمريكية الضعيف في الأساس، والتي لا تستطيع تأمين تحركاتها إلا بعد دفع رشاوى حتى لطالبان نفسها في مقابل مرور قوافلها.
- واقع الجوار الأفغاني: العامل الثاني الذي اعتمدت علية الإستراتيجية الأمريكية لبقائها في أفغانستان؛ هو الجوار الأفغاني والذي لا يخلو من ألغام، ويتمثل في الدعم من دول الجوار وخاصة باكستان التي سوف تتعرض بصورة آلية لعدم الاستقرار- هي في الأصل لا تتمتع به- والدخول في حرب أهلية بين الجيش وطالبان باكستان، والتي تربطها بالشعب الأفغاني روابط قبليَّة وعشائرية، فضلاً عن روابط الدين والعقيدة التي تحتم عليهم الوقوف مع الشعب الأفغاني ضد أعدائه، والذين يصبحون أعداءً مشتركين في هذه الحالة مما يقوض نظام الحكم في باكستان نفسها، مما يحسب في إطار الخسائر الإستراتيجية الأمريكية في حال سقوطه خاصة في ظل حيازته للتقنية النووية والدعم الأمريكي غير المحدود لجارته وعدوتها اللدود الهند.
ومن ناحية أخرى، وعلى صعيد باقي دول الجوار الأخرى، فعلى الرغم من أن أفغانستان في غالبيتها العظمى هي دولة سنِّية، إلا أن إيران وفي إطار مصالحها الإستراتيجية تحتفظ بأوراق لتستعملها عند الضرورة ضد الولايات المتحدة، خاصة في ظل تفضيلها للحرب عن بعد (خارج أراضيها)، ومن ذلك نظرة إيران للقوات الغربية في الدول المجاورة لها سواء العراق أو أفغانستان على أنهم رهائن أو أسرى لديها، وتستعمل تلك الورقة شدًّا وجذبًا تبعًا لمصالحها، وكورقة في إطار مصالحها الإستراتيجية، وتعزيز مشروعها الخاص، وخاصة ملفها النووي، وتفادي ضربة محتملة قد توجه إليها، كل ذلك يدفع إلى الاعتقاد أن الدعم الإيراني للولايات المتحدة لن يكون كاملاً، وبالصورة التي تتمناها أمريكا؛ ولكنها رغم ذلك لا ترغب بفقدها.
- السوابق التاريخية للشعب الأفغاني: تعرَّض الشعب الأفغاني للاستعمار أكثر من مرة، إلا أن المستعمر الجديد أبدًا لم يقرأ تاريخ الذين سبقوه في احتلال تلك الأرض؛ حتى إن الولايات المتحدة الأمريكية والتي ساهمت في إخراج القوات السوفيتية من أفغانستان لم تتعلم الدرس الذي تعلمه الروس، وظنت أن بإمكانها أن تسيطر على الأوضاع في أفغانستان اعتمادًا على شبكة العلاقات التي كونتها إبان الاحتلال السوفيتي، إلا أن ما فاتها أن تركيبة الشعب الأفغاني ترفض أن يخضع للاحتلال خاصة إذا كان هذا المحتل على غير دين الإسلام، بل إن كل قومية (طاجيك، باشتون..) ترفض أن تخضع للأخرى، وتعتبر وجود إحداها في أراضي الأخرى نوعًا من السيطرة، يستدعي التحدي من القومية صاحبة الأغلبية على الإقليم.
إضافة إلى روح التحدي لدى الشعب الأفغاني، والتي لا تستسلم بسهولة سواء للمغريات أو للتحديات، والتي تدعمها وعورة الأرض الأفغانية وطبيعتها الجبلية القاسية قد ساعدت حركات المقاومة للوجود الأجنبي في التستر والتواجد والاحتماء فيها بدلاً من مغارات وأنفاق، كل ذلك يؤكد صعوبة وضع القوات الأمريكية والأجنبية في أفغانستان أمام خبرة وتمرس الشعب الأفغاني على حرب العصابات، والكر والفر في الجبال، واستعمال سياسة النفس الطويل مع القوات الغازية، وليس أدل على ذلك من عبارة "المُلا محمد عمر" زعيم طالبان (ربما يمتلك الغزاة الساعات ولكننا نمتلك الوقت)، تلك العبارة التي استدعاها المحللون تعليقًا على الإستراتيجية الجديدة والتي بشروها بالفشل.
من كل ذلك تظهر أمارات فشل الإستراتيجية الأمريكية الجديدة، والتي اختارت البقاء في المستنقع الأفغاني عن الخروج من هذا المستنقع بصورة تعد مشرفة للإدارة الأمريكية الجديدة، والتي أعلنت رفضها الاستمرار في مستنقعات الحرب التي أوقعتها فيها الإدارة السابقة، والتي لم تُكسب أمريكا إلا كراهية شعبية على مستوى العالم، وكلما ظهر التقارب بين الحرب الأفغانية والحرب الفيتنامية، استدعى ذلك مشاهد مؤلمة لدى الشعب الأمريكي وتضحيات كانوا في غنى عنها، والتي تسببت فيها قرارات إدارتهم الخاطئة.
والفشل الأهم في نظري هو فشل إدارة أوباما في امتحانها الأول، وما أعلنته من قناعات وآراء وتوجهات، مثل تلك التي أعلنها أوباما أثناء حملته الانتخابية، أو تلك التي أعلنها أوباما في خطابه الذي دغدغ به مشاعرنا من على منبر جامعة القاهرة، وبذلك تكون تلك الإدارة قد عجزت أن تحول توجهاتها إلى إستراتيجيات تنفذها المؤسسات الأمريكية؛ مما يعد عودة إلى المربع الأول، واستمرارًا لسياسة الإدارة الأمريكية السابقة؛ حتى ولو تسلم أوباما جائزة نوبل (للكلام) وليست للسلام.
