اختراع الانتصارات الوهميّة، وادعاء النجاح، والتهام الحكمة واصطيادها، وإتقان أضحوكة الديمقراطية، واختراع مصطلحات وكلمات أثْرَتْ قاموسنا العربي؛ مثل الشفافية والمصداقية والتنمية المستدامة، ومحاربة الواسطة والمحسوبيّة وغيرها الكثير من كلمات شاعريّة رنانة تداعب العواطف وتهيّج القلوب؛ طغت على افتتاحيّات عقولنا وأصول ذاكرتنا العشوائيّة، من خلال برمجة ممنهجة يستحيل مسحها من على السطور والصدور لصحفنا العربيّة جمعاء من البحر إلى المحيط.
انظروا إلى صحف الصباح في وطننا العربي الكبير، واقرءوا افتتاحياتها وعناوينها الرئيسية، فسوف تجدونها مليئةً بتلك الجمل والمصطلحات الإنشائية، والتي هي حكرٌ فقط على العرب العاربة الأصيلة، والتي يحرم على دول الأعاجم أن يعرفوا عنها شيئًا أو يتداولوا منها شيئًا.
ولن يهمَّنا أبدًا لو بقينا نعيش ضمن أُطر العالم الثالث، ولن يثنينا عن تغيير قيمِنا وحياتنا أن يبقى الغرب هم المنتجين المخترعين ونبقى نحن المستهلكين المبذِّرين.
طالعوا صحف اليوم يا عرب اليوم! طالعوا صحفكم العربية المبثوثة في شوارعكم العامرة ومدنكم الفاخرة! "المسئول الفلاني يفتتح مستوصفًا طبيًّا"، يقص الشريط لتبدأ الرقصات والاحتفالات وكأن مفاعلاً ذريًّا بدأ ينتج القنابل والصواريخ، رغم أن ذلك المستوصف حقٌّ طبيعيٌّ للغَلابة المحرومين من أدنى حقوقهم المهضومة.
انظروا وراقبوا فضائياتكم كثيرةَ العدد عديمة المدد، بمَن تتغنَّى تلك الفضائيات؟! ومَن احتفالاته تنْقِل وتَبُثّ وعلى احتفالاته تَرْقص وتفرح وتهزج؟
راقبوا واسمعوا يا محبِّي الطرب الأصيل والغناء الجميل، إلى من تغنِّي فضائياتكم؟ ومن تمجّد وتفخر وتلوّح وتصيح وتزعق؟ ومَن على أوجاعه تتراقص وتتمايل وتهز خواصرها؟.
أيها العرب الأفذاذ!.. يا من عجزت النساء أن يلدن أمثالكم، هل سمعتم أو رأيتم أحدًا من الأمريكان يمتدح الرئيس بوش حينما داس على كرامتنا في العراق وأعدم أحد رؤسائنا بكل إصرار؟ هل سمعتم أن أحدًا صاغ لبوش قصيدةً عموديّةً عبَّر له فيها عن شكره الجزيل لأنه دعس على شرفنا، ولوّث "كُوفِيَّاتِنا" ببقايا "الهمبرجر" و"الهوت دوج" و"البيتزا هوت"؟!
أليس حقًّا للأمريكان أن يحتفلوا بكل انتصار تمكَّنوا فيه من رقابنا، وجزُّوا فيه شواربنا ولحانا، ولوّثوا فيه عباءاتنا الذهبيّة بلحم الخنزير وشحمه وفيروساته؟
هل سمعتم أيها القحطانيون العدنانيون بأغنية أمريكية تغنّت على سحق العراق وأفغانستان؟ وهل سمعتم بمغنِّية أمريكية غنّت للرئيس ريجان لأنه فتّت الاتحاد السوفياتي وأطفأ آخر فتيل من فتائل الحرب الباردة؟ وهل سمعتم بأهزوجة أمريكية على نمط أهازيجكم الكثيرة، تهزِج بما فعلته القوّات الأمريكية بفيتنام وكوريا واليابان وانتصارها- بتفوّق- في الحرب الكونيّة الثانية؟!
هل سمعتم يا عرب اليوم بموَّال أمريكي لمغنِّية أمريكية شقراء لا تقلّ جمالاً عن فاتناتنا العربيات مثل المغنيّة (سلين ديون) أو (برتني) أو حتى (شنايا) مغنيّة (الكونتري) تتغنَّى بذلك الموال وتتمايل فيه؛ لأن بلدها أمريكا هي الأولى في كل شيء، وأننا الأُخَرُ في كل شيء، وأننا قطيع من المستهلكين نشكّل عالةً على العالم؛ لأننا لا نجيد إلا مضغ الطعام واجترار الكلام وصناعة التهويش على نسق طريب ومعنى لبيب يليق بأصحاب الأنام؟
ما لهؤلاء الغرب يعملون بصمت ولا يتكلمون ولا يحتفلون؟ هل حقًّا هم محرومون من نعمة الفرح والغبطة والسرور أم أنهم فقدوا الحس الوطني والانتماء القومي أم أنهم لا يملكون القدرة على صنع الأمجاد وابتكار الأعياد كما نفعل نحن ونفرح نحن ونستمتع نحن في هذه الدنيا رائعة الجمال؟
سنهملهم وندعهم وشأنهم، ولن ندلَّهم على بواطن سرورنا ومواطن أفراحنا؛ لأنهم أصلاً لا يستحقونها، وسوف نتركهم لاهين غافلين في صناعاتهم التي تأتينا إلى عقر ديارنا رغم أنوفهم؛ ليظلّوا زائغين عن أدنى حقوق الحياة الصالحة التي نعرفها نحن جيدًا ونقدِّرها جيدًا، وهي ثلاثية الأبعاد سهلة التناد: نعيش، ونلهو، ونلعب.
وسنظل نردِّد: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام.
-------------