بالنظر إلى الواقع السياسي الراهن للدول العربية والإسلامية، يتضح سيادة نموذج الدولة القومية القطرية؛ وهو النموذج القائم على العلمانية ومحاكاة النموذج السياسي الغربي؛ وسيادة نموذج الدولة القومية القطرية لم ينتج من أسباب خارجية فقط، والتي تمثلت في الاستعمار الذي بنى هذه الدولة وزرعها في المنطقة العربية والإسلامية؛ ولكن نتج أيضًا من عوامل خارجية مهَّدت لقيام هذا النموذج، أو مهدت لقبوله وانتشاره، والنظر إلى التحولات الحادثة في الوضع السياسي للأمة الإسلامية؛ يكشف عن مسار تحولات الدولة؛ مما يكشف عن مسار التحولات المستقبلية، وكيفية استعادة نموذج الدولة الحضارية الإسلامية.
تحول الدولة العثمانية للقومية
مثلت الدولة العثمانية واحدة من المراحل الناهضة في تاريخ الأمة الإسلامية، فقد حققت استقلال الأمة ودولتها، وحققت وحدة الأمة، كما حققت لها أوسع انتشار جغرافي، ومعه حققت أطول امتداد زمني لدولة إسلامية، وأصبحت الدولة العثمانية تمثل ذروة في المشروع السياسي والحضاري الإسلامي؛ ولكنها أيضًا شهدت بداية الهبوط من لحظة الذروة إلى التراجع الحضاري، ومن داخل الدولة العثمانية بدأت ملامح النهاية لحقبة النهوض الحضاري الإسلامي، والتي تمثلت في عدد من الملامح الأساسية، والتي سجلها عدد من الباحثين.
فقد عملت الدولة العثمانية على توحيد المذهب الفقهي في ربوع الدولة العثمانية، فأصبح هناك مذهب رسمي، وتلك خاصة من خواص الدول القومية، والتي تقوم على ملامح ونمط محدد، ولا تتسع للتعدد والتنوع الداخلي، فهي مرحلة تحاول فيها الدولة تأكيد هوية خاصة بها، ومنتشرة في كل ربوعها، ولا تتمسك فقط بالهوية الأصلية القائمة على المرجعية الإسلامية، والالتزام بالشريعة الإسلامية، ومع بداية تحديد هوية خاصة للدولة، ومحاولة تقليص التعدد الفقهي، تبدأ الدولة في دخول مرحلة الدولة القومية.
لاحظ الباحثون أيضًا، أن الدولة العثمانية وصلت لمرحلة توسعت فيها، دون أن يكون ذلك نشرًا للإسلام، بل اكتفت بفرض سيطرتها على مناطق غالبيتها من غير المسلمين، وحصَّلت منها الخراج، دون أن يؤدي ذلك إلى أي نوع من الاندماج الحضاري لتلك المناطق في الحضارة الإسلامية، أو أي اندماج بين الفاتحين والسكان الأصليين، وهذا بخلاف ما حدث في التاريخ الإسلامي من تزاوج عملية الفتح والاندماج الحضاري والاندماج بين الفاتح والسكان الأصليين، وهنا بدأت الدولة العثمانية تصل لمناطق تنتمي للحضارة الغربية أو غيرها، وتبقى على انتمائها الحضاري؛ ولكن تخضع فقط لسلطة الدولة، وهذا لم يكن إلا شكلاً من أشكال الاستعمار؛ حيث تفرض دولة هيمنتها السياسية على منطقة، ليس بهدف نشر رسالة وتحقيق اندماج شعب جديد فيها، ولكن بهدف توسيع نفوذها، ورغم أن تلك الحالة تخص حالات محدودة، ونطاقًا جغرافيًّا محدودًا، إلا أنها كانت عملاً من أعمال الدولة القومية، والتي تفرض هيمنة شعب على شعب آخر، دون أن تكون مدفوعة بنشر رسالتها، ودون أن يقتصر تمددها على نشر رسالتها دون هيمنتها.
وهنا علينا تعريف حالة الدولة الحضارية الإسلامية؛ فهي دولة قامت لنشر فكرة وحضارة ورسالة، فحققت اندماجًا لشعوب داخل إطار حضاري واحد، وتساوى الجميع، وانتقلت السلطة بين مختلف الحواضر، دون سطوة لعرق على آخر، ودون سطوة لمركز حضاري أو سياسي على آخر، وهذا هو الفتح؛ أي عملية توسيع نطاق الحضارة، واندماج شعوب متعددة فيها، ولكن ما حدث في بعض مراحل الدولة العثمانية اختلف عن ذلك؛ حيث ظهرت حالة توسيع النفوذ السياسي للدولة، على مناطق لا تنتمي لنفس الحضارة والفكرة، وظلت على هويتها الخاصة بها، رغم وقوعها تحت سيطرة الدولة العثمانية.
ومع المراحل الأخيرة للدولة العثمانية، ظهر خطاب القومية، والذي يعمل على حماية القومية التركية أو العثمانية، ويؤسس لدورها في العالم، ويحمي مصالحها؛ هنا تحولت الدولة الحضارية التي تحمي الحضارة وتحمي الأمة إلى حماية قومية بعينها، وهذا التحول مثل خروجًا من إطار الفكرة الحضارية العابرة للقوميات، إلى فكرة تميز قومية على غيرها من القوميات، وبدأت الدولة العثمانية، تتحول إلى دولة تركية وعثمانية، أكثر من كونها دولة إسلامية جامعة.
القابلية للغزو الحضاري
تشكلت حالة تسمح بعملية الغزو الحضاري الغربي؛ فالدولة العثمانية تكون بداخلها نواة لفكرة القومية، وتعددت ملامح ظهور هذه النواة، ثم جاءها غزو خارجي يحمل الفكرة القومية القطرية، ويحاول سلخ الدول المنضوية داخل إطار الوحدة الإسلامية عن بعضها البعض، وبهذا تشكلت حالة التأهل لعملية الغزو، والتي استخدمها الاستعمار الغربي بصور متعددة؛ فكانت عملية اختراق تركيا نفسها؛ لتحويل الدولة العثمانية الإسلامية إلى دولة تركية علمانية، وتضخيم الهوية التركية القومية على الهوية الإسلامية الجامعة، وفي نفس الوقت، بدأ رد الفعل العربي متمثلاً في نمو القومية العربية في مواجهة القومية التركية؛ وهو أمر لاقى تشجيعًا غربيًّا، مما ساهم في الدخول في حقبة القومية.
وأصبحنا أمام تحول قومي في تركيا، وتحول قومي عربي مضاد له، وأصبحت حالة التوجه نحو القومية هي حالة من أجل حماية كل قطر على حدة؛ بسبب وقوع كل أقطار الأمة تحت الاستعمار العسكري المباشر، فبدأت حالة مقاومة الاستعمار، معتمدة على الفكرة القومية، أو في الإطار القومي، وليس في الإطار الحضاري الإسلامي الجامع، وأصبحنا نواجه الاستعمار الذي يزرع القومية في المنطقة، بموقف قومي، ونواجه حالة الضعف الداخلي التي أصابت الدولة العثمانية، وتمثلت في ظهور توجه قومي، بتوجه قومي مضاد.
ولم تدرك أجيال تلك المرحلة أنها تستخدم السلاح الذي يضعفها في مواجهة العدو، وأن هذا السلاح يقوي المخطط الأجنبي، ويدعم الاستعمار الغربي، ويمهد الطريق لحالة السقوط الحضاري؛ ولكن تلك الصورة لم تكن واضحة في ذلك الوقت، فقد كانت عجلة التاريخ تسير، وتفرض قوانينها على المشهد، فحالة الضعف لا تسمح بالاستقلال، بل السقوط.
القومية في إطار الجامعة الإسلامية
ظلت حالة الدفاع عن الاستقلال القومي أو القطري مستمرة، خاصة في القرن العشرين، ولكنها بدأت حالة من الدفاع عن قطر، ليس كانفصال عن الجامعة الإسلامية، بل كمرحلة للتحرر لا تتعارض مع هدف الوحدة داخل إطار الجامعة الإسلامية؛ ولكن سرعان ما تحولت هذه الدعوات إلى دعوات قومية، وأسقطت الجامعة الإسلامية، وأصبحت المعركة تدور من أجل التحرر القومي، وأصبحت دعوة مصر للمصريين، والتي بدأت شعارًا في مواجهة العدو الغربي، تتحول إلى شعار هوية، يفصل مصر عن غيرها من الدول، وهكذا أصبحت النزعة القومية تنمو مع الوقت، وتتحول من حالة مرحلية إلى هدف نهائي.
فإذا تابعنا الحزب الوطني الأول في مصر بقيادة مصطفى كامل، وتابعنا الأحداث التالية، حتى ظهور حزب الوفد، مرورًا بلحظة سقوط الخلافة العثمانية؛ لأدركنا أن الفكرة تصنع مسارها، فالقضية لا تتعلق باختيارات الأفراد والجماعات فقط، بل إن الفكرة نفسها تحمل بداخلها خصائصها الأساسية، والتي تصنع لنفسها تحولاتها المستقبلية، فالفكرة تنتج ما يناسبها، وعندما يبدأ شعب في الالتصاق بفكرة يصبح في النهاية رهنًّا بتحولات تلك الفكرة، فلم تصمد فكرة القومية كمعبر للجامعة الإسلامية؛ لأن القومية عرق، والجامعة الإسلامية حضارة عابرة للقوميات، والتركيز على القومية ينميها ويجعلها هي الحاكمة في النهاية.
القومية العربية كبديل
ظهرت القومية العربية في البداية كرد فعل على ظاهرة القومية التركية؛ ولكنها تحولت إلى ظاهرة في حد ذاتها، فأصبحت القومية العربية وعاءً لمشروع تحرر وطني، أثر في العديد من الحركات، بل وصنع موجة كاملة من التحرر الوطني؛ ولكن القومية العربية على يد جمال عبد الناصر وحزب البعث، لم تكن وعاءً يفضي للجامعة الإسلامية، وإن كانت الفكرة في بدايتها ظهرت كمعركة مع القومية التركية، إلا أنها وصلت في مراحلها التالية لتصبح معركة مع الهوية الإسلامية، وبهذا نكتشف أن الفكرة أيضًا لها مسارها الخاص، ولها نتيجتها النهائية، داخل بنيتها الفكرية؛ لذا تصل إلى حالتها النهائية بفعل تكوينها الداخلي، فما دمت تبدأ بالقومية العربية، فإنك تنتهي بقومية خاصة تقيم دولة قومية، ولا تستند للسند الحضاري الإسلامي، وبهذا تبعد القومية عن الانتماء الإسلامي، حتى تصبح موجهة ضد وحدة الأمة الإسلامية، وتستبدل وحدة الأمة بوحدة قومية منافسة لها وبديلة عنها، وهي وحدة القومية العربية.
القومية القطرية
تلك هي النتيجة النهائية، فمع بداية بذور النزعة القومية بالدولة العثمانية، وحتى النزعات القومية الهادفة للتحرر، وحتى القومية العربية، اتجه مسار النظام السياسي في الدول العربية والإسلامية، إلى نهايته المحتومة، وهو الانغماس في القومية الضيقة، وتحول إلى القومية القطرية، والتي تفكك الهوية الإسلامية الجامعة، وتفكك أيضًا الهوية العربية الجامعة، فتضييق الهوية وتصبح محصورةً داخل القطر.
لم تكن تلك الظاهرة واضحة للعيان في سنوات القرن التاسع عشر؛ ولكنها أصبحت واضحة مع الربع الثاني من القرن العشرين، وبعد سقوط الخلافة، وأصبحنا نتجه من القومية الضيقة إلى القومية الأضيق، وتأكد أن القومية بالنسبة لأمتنا هي نزعة تفكك مستمر، ولا يمكن وقف قدرتها على التفكيك، وتأكد أن الدور الإيجابي الذي قامت به فكرة القومية في الحضارة الغربية، فأصبحت جزءًا من النهوض الغربي المعاصر، لا يقابله عندنا إلا دور سلبي يتواكب مع التفكك والتراجع الحضاري؛ بل إن القومية نفسها كنزعة سياسية، مثلت علامة بداية السقوط، كما مثلت ملمحًا من كل مراحل السقوط، وبهذا أصبحت أيضًا الدولة القومية القطرية، علامة على السقوط والانهيار، وعلامة على الوقوع تحت أسر الاستعمار المباشر وغير المباشر، وتحت الهيمنة السياسية الغربية.
الدورة العكسية
مع التوجه نحو القومية القطرية، ظهرت الحركة الإسلامية لتمثل فعلاً نشطًا لمواجهة النزعة القومية، واستعادة الهوية العربية الإسلامية الجامعة؛ فكانت جماعة الإخوان المسلمين تمثل بداية الهجمة المضادة للنزعة القومية القطرية، وتبعها العديد من الحركات الإسلامية، على مدار العقود. لم تكن الحركة الإسلامية إلا جوابًا حضاريًّا على حالة الفرقة، وحالة السقوط الحضاري، فهي قامت في مسار عكس مسار السقوط، واتجهت في مسار عكس مسار الدولة القومية القطرية؛ فبدأت بتأكيد وحدة الأمة الإسلامية، بل وجعلت تلك الوحدة هي العنوان الأساسي لكل حركتها؛ فالحركة الإسلامية أدركت أن الداء في القومية القطرية، وأن الدواء في الجامعة الإسلامية، وبهذا بدأت الدورة العكسية للسقوط الحضاري؛ ولكنها دورة نضالية جهادية، تواجه قوى متحالفة تريد تكريس حالة الدولة القومية القطرية.
والدورة العكسية تبدأ بفكرة محددة، وهي الفكرة الحضارية الإسلامية، وتلك الفكرة تحمل في داخلها مصيرها النهائي، وهو تحقيق الوحدة الإسلامية، ولا يمكن للفكرة إلا أن تأخذ المسار المحقق لنتيجتها النهائية، تلك النتيجة التي تحملها داخل خصائصها الفكرية الخاصة بها، مثلها مثل الفكرة القومية؛ فالفكرة القومية تنتهي في البيئة العربية الإسلامية، بتفكيك الأمة والأوطان، والفكرة الإسلامية تنتهي بتوحيد الأمة سياسيًّا، وتلك هي المواجهة الحادثة الآن بين قوى تدفع لتفكيك الأمة، وقوى أخرى ممثلة في الحركة الإسلامية تهدف إلى توحيد الأمة.
والفكرة الحضارية الإسلامية أخذت مسارها داخل المجتمعات ونمت بصورة ملحوظة؛ حتى أصبحت الفكرة المركزية في وعي الأمة، وهي بهذا تعيد تشكيل هوية الأمة وهوية المجتمعات، وتبني مسارها في مواجهة الفكرة القومية القطرية، وسيظل هذا المسار متجهًا نحو إعادة توسيع الهوية، حتى يصل للدولة نفسها، وهي الدولة القومية القطرية القائمة؛ ليعيد توسيع هويتها من داخلها، حتى تصبح في النهاية دولة حضارية إسلامية، تقوم على الهوية الحضارية الجامعة للأمة الإسلامية، وترتكز على غاية تحقيق الوحدة السياسية للأمة.
تلك هي دورة النهوض من جديد في مواجهة حالة التراجع الحضاري؛ وهي دورة تمر بامتحانات كثيرة ولحظات حرجة، ومن أشد تلك اللحظات صعوبة؛ هي لحظة توسيع هوية الدولة القومية القطرية القائمة، فعندما يفرض على الدولة القائمة أن توسع هويتها حتى تتبع هوية مجتمعها، وحتى تحمي نفسها، عندئذٍ تبدأ مرحلة التغير الحرج، والذي يشهد تمدد هوية الدولة خارج الفكرة القومية القطرية؛ فالدولة كبناء اتجهت للقومية حتى تحمي نفسها من العدوان الخارجي، ومن النزعات القومية الأخرى، ولكنها في النهاية سقطت تحت الهيمنة الخارجية الكاملة، وعندما يدرك المجتمع أهمية تحرير دولته، ويدفعها ليوسع هويتها، حتى تدافع عن نفسها، يبدأ مسار استعادة الهوية الجامعة، وتبدأ مرحلة التحرر الحضاري؛ وهي لحظة حرجة في عملية النهوض، فهي لحظة الخروج من أسر الفكرة القومية التي حطمت حضارة الأمة، للفكرة الحضارية الإسلامية التي حققت نهضة الأمة.