(مسلمو أوروبا على طريق الشوك)

أحسب أنه يوم مؤلم، ويحمل في توقيته ونتائجه رسائل أقل ما توصف به أنها مقصودة، ففي يوم الأحد ثالث أيام عيد الأضحى الموافق التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 2009م جرى الاستفتاء حول منع بناء مآذن المساجد في سويسرا في قلب القارة العجوز، وكانت نتيجته إقرار المنع بنسبة تقترب من ثمانية وخمسين بالمائة.

 

لقد كان الأمر صادقًا ومؤلمًا من أكثر من وجه، ومخطئ من يتصور أن أقسى ما في المشهد كان انحياز الغالبية السويسرية لإقرار أمر منع تشييد المآذن؛ فهو أمر كان أقرب الاحتمالات للتحقق من يوم تمت الدعوة إلى الاستفتاء عليه.

 

لقد فجَّر هذا الانحياز عددًا من العلامات التي يجب أن نتوقف أمامها على طريق العلاقات بين الغرب والشرق، أو بين النصرانية واليهودية من جانب، وبين الإسلام من جانب آخر؛ وليسمح القارئ الكريم أن أسوقها في صورة ملاحظات كما يلي:

أولاً: لا يصح أن تلهينا صدمة النتيجة عن فحص أمر النسبة التي تمَّ بها خروج النتيجة، ذلك أن نسبة السبعة والخمسين والجزء من العشر في المائة تعكس عددًا من الملامح الإيجابية التي أحرزها الإسلاميون في القلب الأوربي، ولا سيما مع مطلع النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي، بعد استقرار عدد من قادة الحركة الإسلامية في سويسرا، واشتباكهم مع الواقع هناك؛ ولعل تُذكر أسماء مثل سعيد رمضان رحمه الله، ومن بعده ولده الدكتور طارق سعيد رمضان، شاهد في هذا السياق على ما تقرر.

 

ثانيًا: كما أنه لا يصح كذلك أن تمر الحادثة، في بُعدَيْها الأساسيين؛ بعد الوصول إلى الدعوة إلى الاستفتاء عليه ابتداء، وبعد النتيجة التي أقرت الدعوة إلى المنع، وتحصينه مؤقتًا بحصانة الدعم الشعبي، من دون أن يتعلم منها الشرق في علاقته بالغرب من جانب، بمعنى أن على سياسات الدول الإسلامية والعربية أن تلجأ إلى التكتيك نفسه، فتُصَدِّر حكومات بلادنا فكرة الدعم الشعبي في قضايا الالتهاب المشتركة بين العالمين، ولا سيما فيما يتعلق بالقضايا المصيرية، وبخاصة ما يتعلق بالعلاقات مع الكيان الصهيوني.

 

ومن جانب آخر، ينبغي أن ينظر قادة الحركة الإسلامية في الجوار السويسري إلى المسألة على أنها مقدمة لخطوات أخرى ستتلوها، لا سيما أن دول الجوار السويسري الممتثلة في النمسا وألمانيا شمالاً وشرقًا وفرنسا غربًا وإيطاليا جنوبًا، فضلاً عن الامتداد الجغرافي المحيط بها من جهة كرواتيا والبوسنة والهرسك؛ هي دول متخمة بالوجود الإسلامي.

 

ثالثًا: لقد أظهرت هذه المحنة التبعية العربية المهلكة للإعلام الغربي؛ ذلك أنه لم يستثمر الحادث بشكل يخدم قضية الوجود الإسلامي في العصر الراهن؛ مما يشكل خطرًا ماحقًا، ربما ينسحب أثره على ممارسات تفتيت الظاهرة الدينية من داخلها، وإن أية مقارنة عابرة لما فعلته الآلة الإعلامية الغربية إبان أحداث هدم تماثيل بوذا في أفغانستان كان مثيرًا للدهشة، للدرجة التي تعاطف معها طوائف من النخب العربية والإسلامية- لأسباب تبدو مفهومة في الداخل الإسلامي- على ما ظهر من تحرك أسماء لها بريقها وثقلها من أمثال العلامة القرضاوي والعلامة محمد سليم العوا ومحمد عمارة وفهمي هويدي وغيرهم؛ ستصب في صالح حرفية الإعلام الغربي، وانتصاره للوجود الغربي بأفكاره في مواجهة الوجود الإسلامي.

 

رابعًا: كما أظهرت هذه المحنة الجديدة تهالك البناء الدبلوماسي العربي والإسلامي من داخله؛ فعلى الرغم من تصريح منظمة العفو الدولية على خلفية نتائج الاستفتاء السويسري بأنها تمثل تمييزًا ضد مسلمي سويسرا على أساس الدين، وبأنها تمثل ضربة قاسية لحقوق الإنسان المسلم في القلب الأوروبي؛ فإن أيًّا من الدبلوماسيات العربية لم تتحرك أي تحرك من أي وزن تجاه ما حدث.

 

خامسًا: عكست القضية القائمة الآن في سويسرا أمرًا شديدًا يتعلق بالجدل الدائر في الأوساط العربية والإسلامية حول نقل الديمقراطية الغربية، ولعل فيما حدث تجديدًا لما يسمى في علم اجتماع السياسة باسم "أزمة الديمقراطية الغربية"، بدءًا من الدعوة إلى الاستفتاء على مسألة تتعلق بالوجود الإنساني، ولو لأقلية- هم المسلمون في حالتنا على الأرض السويسرية- وهل هذا جائز؟ وهل يرضى أي ممن يحملون وصف الأقلية في البلدان العربية والإسلامية أن يعاملوا بالطريقة نفسها؟

 

إن أزمة مسلمي أوروبا ينبغي أن تدعو النخب العلمانية تحديدًا إلى مراجعة مواقفها من قضية نقل الديمقراطية الغربية في صورة استنساخ لها، وليست في صورة استفادة من وسائلها وتقنيات تطبيق بعض ملامحها، أو ما يحلو للبعض أن يسميها بـ"الإفادة من النسخة الغربية في خلق نسخة معاصرة للديمقراطية الإسلامية والعربية".

 

إننى أستطيع أن أزعم أن نقل الديمقراطية الغربية بكل عوالقها وروحها وفلسفتها، ربما حرمت من هم في موقع الأقلية في العالم العربي مما حرم منه المسلمون في سويسرا، وفي بعض ملامحه ولا شك حرمان من بعض محددات الهوية والكينونة.

 

سادسًا: لقد تجلى أيضًا على خلفية هذه القضية المرعبة الدور الرهيب الذي لعبته الدعاية ووسائلها المختلفة في خلق حالة من الخوف من الإسلام، والذي أعاد النفخ في ماء مشتعل الباطن بكثير من نيران تخلفت من وسائل التربية، وبرامج التعليم، وحلقات التاريخ الموصولة من أيام الحروب الصليبية، كانت تدعم كراهية ما يتعلق بالوجود الإسلامي، صحيح أن بعض محددات هذه الكراهية توارى بسبب من الوجود الإيجابي للإسلاميين في أوروبا وسويسرا؛ لكن عمر هذا الوجود الإيجابي ما زال قصيرًا إذا ما قورن بعمر الكراهية الممتدة نحو الإسلام في أوروبا ولو من الناحية التاريخية.

 

وهو الأمر الذي يعيد التذكير بإسهام الفنون بشكل عام والفنون التشكيلية بوجه خاص في بعث تلك الكراهية، لقد تعانق تصوير المآذن بأنها رءوس محمولة على الصواريخ في الدعايات السويسرية المضادة للوجود الإسلامي، ومظاهره على الأرض السويسرية من جانب، مشتبكة مع صورة المرأة المنتقبة التي تمثل خوفًا باديًا مما يمكن أن يكون مستترًا فيها، ومما يمكن أن يكون فتكًا بفلسفة المتعة واللذة والاستهلاك مما هو حاكم من حواكم الحياة الغربية؛ لتعود إلى الإسهام في بعض الذي حدث.

 

إن هذا الإسهام الذي مارسته الدعايات المضادة للوجود الإسلامي من خلال توظيف الفنون التشكيلية تعيدنا إلى مربع الترف الذي تحياه الطوائف المنتمية للحالة الفنية والثقافية في مصر والعالم العربي، وتكشف عن وجه قبيح من الأنانية والغرور الفاتك، وتكشف من جديد عن وجه أسميه منذ فترة باسم "توحش العلمانية".

 

ولعله من المفيد الآن أن نذكر بأن الانتصار لصورة المرأة التي تبرز صدرها العاري في الأزمة التي بطلها الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، ثم في تعاطي النخب العلمانية مع أزمة تماثيل بوذا، وما شابهها من اشتباكات حول مسائل فنية في ظاهرها يتم لحساب فلسفة غربية، ومن منظور مشايع للفكرة الغربية من جانب، ومعادٍ ورافض للفكرة الإسلامية من جانب آخر.

 

إن ما تم لا يمكن تصويره إلا في إطار التوظيف للفنون في الغرب، وهو قادر على أن يفسر لنا حالة عدم الانتماء التي تحياها النخب المثقفة في التيار العلماني من جانب آخر.

 

سابعًا: كما كشفت هذه الأزمة مؤخرًا تسييس المنظمات الدولية بشكل عام، وهو ما يظهر هذا الصمت الذي تمارسه منظمة الثقافة العالمية (اليونسكو) على الأقل في الأبعاد الفكرية والثقافية والوطنية للأشكال المعمارية الكامنة خلف المئذنة، ولو كان الأمر متعلقًا بحقوق أقلية، والعجب أن لا ترى اليونسكو فيما حدث تهديدًا للهوية الخاصة بالأقلية المسلمة على الأرض السويسرية، وأن لا ترى فيها خطرًا يتهدد بعض الملامح الثقافية المهمة، وتُؤذِن بخلل سببه التدخل القسري ضد ثقافة عددٍ هم في التصور الأخير بعض ملامح التشكيل الديمغرافي (السكاني) المرتبط بعدد من العناصر الثقافية والجمالية.

 

كثيرة هي الملاحظات والعلامات التي تطل بوجهها من خلف محنة مسلمي سويسرا، تقرر أن طريقًا طويلة ما تزال أمام العاملين للفكرة الإسلامية، تستوجب عليهم ضرورة الإسراع في طريق الوعي بأولويات الوجود الإسلامي في الداخل والخارج.

-----------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية.