هل نحن بحاجة إلى مشروع جديد؟

قد يتساءل الناظر للواقع الحالي لميدان المواجهة مع العدو الصهيوني: هل هناك حاجة لمشروع جديد؟

 

نقول: إن الساحة ليست خالية أو المقاومة ليست مفتقدة حتى نبدأ بالبحث عن مشروع جديد بعد هذه المرحلة الطويلة من الجهاد.

 

وإنما ننظر ونقيّم واقع المشاريع والتيارات العاملة في الساحة، وبنظرة علمية محايدة نجد أن المشروع الإسلامي المتكامل الذي وضعه الإمام الشهيد ما زال هو المشروع الفاعل في الساحة، وأنه هو الذي يقود الأمة في هذه المواجهة، وأن له الريادة والتميز في ذلك، إذا أخذنا شمول رؤيته وتنوع واتساع مساحة الصراع الذي يخوضه، ومدى ثبات أصحاب هذا المشروع وانتشارهم، ومدى كفاءتهم لهذا التحدي، وما يمتلكونه من تجربة وتاريخ، وقد أوضحنا بعض هذه الجوانب في المقالات السابقة.

 

إن التقييم العملي لهذا الأمر يقوم على نقاط محددة:

هل ما زال هذا المشروع موجودًا في الساحة أم لا؟

وهل هو يتقدم أم يتراجع؟

وهل ما زالت منطلقاته وأهدافه ثابتة أم طرأ عليها التغيير والتبديل؟

وهل يأخذ بشمولية الحركة في الصراع والمواجهة أم يحصر نفسه في محور واحد؟

وما هو مقدار ثباته أمام عامل الزمن، واختبار الضغط والابتلاء وتجاوز المؤامرات؟

هل هو قادر على الاستمرار والعمل في جميع الأحوال والأجواء؟

وهل رؤيته الشاملة مكافئة للواقع والمستقبل؟

 

ثم تقييم مدى ما قدمه، وحجم التضحيات التي قدمها، واستمرار أجياله في تبني مشروعها لا تحيد عنه، ومدى انتشار هذا التيار في الأمة ومدى تأثيره.

 

إن الإجابة على تلك النقاط لتؤكد لنا نظريًّا وعمليًّا أن المشروع الإسلامي المتكامل الذي أسسه وأطلقه الإمام الشهيد ودفع حياته في سبيل الله من أجله؛ هو المشروع الرئيس الرائد في تلك المواجهة، وأنه المشروع المكافئ والمناسب لهذا التحدي، ليس فقط من خلال إنجازه العملي الواقعي، وتواجده المؤثر بالنسبة للتيارات والمشاريع الأخرى، وإنما لأنه ينطلق من ثوابت الإسلام وأهدافه، وبالتالي لا طريق غيره إذا كنا جادين في تحمل المسئولية وأداء الأمانة والقيام بما أوجب الشرع، ويصبح الجهاد المطلوب ينصب على كيفية تطبيقه والسير بهذا المشروع الإسلامي، وليس مطروحًا أن نبحث على غير هدى عن مشروع آخر، أو نراجع ثوابتنا ومنطلقاتنا وأهدافنا.

 

إننا لا نمانع من الاستفادة من أي إنجاز ومن أي فرصة ومستجد حتى لو من الأعداء- لكن هذا يكون في الفروع والوسائل وليس في المنهج والأصول- ويصب في النهاية في خدمة المشروع الأصيل.

 

وإذا كان لنا من تقييم، فإنه يختص بمدى تطبيقنا وانتظامنا في هذا المشروع.

 

ولقد أشارت المقالات السابقة إلى نماذج مختصرة للأداء والإنجاز للرؤية والمسار تؤكد ما ذهبنا إليه من حقائق.

 

الرؤية بشأن التعامل مع الواقع:

1. إن المعركة القادمة والمستمرة بين الأمة وهذا المشروع الصهيوني– الأمريكي ستستمر لعدة أجيال، ولا يمكن حسمها في جيل واحد، وأن مصادر قوة المشروع الإسلامي تتبلور في يقينه بالله وبالأمل في تأييده ونصره وتحقيق أهدافه.

 

إن ربانية هذه الدعوة قد لا يفهمها البعض، لكن في تاريخ الأنبياء وفي مصارع الطغاة الظالمين دليل وبرهان على ذلك.

 

2. إن ما أنجزه التيار الإسلامي على أرض الواقع رغم الفجوة الضخمة في الإمكانات، ورغم اتساع صف الأعداء وقدرتهم على توظيف شريحة ونخبة من حكام وكتاب الشعوب الإسلامية لصالحهم وضد التيار الإسلامي، ليعتبر بفضل الله نصرًا مبينًا، بل وشكَّل صدمة للأعداء ومن معهم الذين ظنوا غير ذلك... وإن ثبات هذا التيار الإسلامي واستعصائه على الاستئصال أو الإقصاء ليعتبر إنجازًا ومبشرًا ومقدمة للنصر الكامل بإذن الله.

 

3. إن المشروع الإسلامي يركز في هذه المرحلة على الشعوب وما يتعلق بها من مؤسسات وكيانات جماهيرية وأن تنتقل القضية والاهتمام بها وبكل أبعادها من جيل إلى جيل.

 

4. إن هذه المرحلة تشكل مرحلة الصمود والثبات وتأصيل العقيدة وتوعية وتوظيف الأمة الإسلامية، وأن يستمر لديها اليقين بحتمية الانتصار وتحقيق وعد الله عز وجل لها... وإن مظاهر تفاعل الملايين من الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها عند كل حدث يمسّ أرض فلسطين؛ ليؤكد نجاح هذه المرحلة والتي لا بد أن تتواصل لتنقل للمراحل الأخرى حتى تأتي مرحلة الحسم والمعركة النهائية.

 

5. وبالنسبة للحكومات، فلا تعول عليها هذه المرحلة كثيرًا، وإنما تستخدم وسائل الضغط السلمية وطرق الإقناع المختلفة، لمحاولة توجيهها للتصدي للخطر أو عدم التجاوب مع مخطط الأعداء.

 

6. إن الأعداء الغاصبين لهم دولة قوية يدعمها المشروع الأمريكي الغربي بكل قوة، ونعلم جيدًا أنه لن يبطلها وينهي وجودها إلا دولة إسلامية قوية بمعنى الكلمة، تقف معها كل الأمة العربية والإسلامية، لكن هذه المرحلة الطريق إليها يكون عبر مشروع متكامل متدرج يواصل المواجهة بوسائل متعددة في الحركة وقدرة على التعامل في الميدان.. ويضع التيار الإسلامي قناعته في مقدرات الأمة الإسلامية، وأنها من الحجم والقدرة بما يجعلها قادرة على دحر هذا العدوان، وذلك إذا تم إيقاظها وبث الروح فيها من جديد، وحسن توجيهها وتوظيفها.

 

7. إن أصحاب التيار الإسلامي ليدركون سنن التاريخ وقواعد التغيير في الكون، ويدركون جيدًا مصادر القوة عند الأمة الإسلامية، كذلك عوامل الضف والانهيار عند الجبهة المعادية حتى وإن لم تظهر نتائجها، وأن دورة التاريخ لقادمة بإذن الله، لكن هذه السنن يستفيد منها العاملون المجاهدون لا القاعدون المتكاسلون.

 

8. من الأهمية بمكان ترسيخ عقيدة المقاومة لهذا الكيان الغاصب، وأنه لن يتم دحره إلا بالقوة بكل أنواعها، وأنه مهما كانت مساحة المقاومة وتأثيرها صغيرًا أو ضعيفًا؛ فإن وجودها كأصل واستمرارها ودعمها لتتطور بعد ذلك ليشكل مرتكزًا أساسيًّا في الرؤية وفي الاستراتيجية.

 

9. ترفض الرؤية الإسلامية العمل بأسلوب رد الفعل فقط، أو الفورات المؤقتة التي تنشط وتهدأ كل حين، وإنما هناك أهداف أساسية ووسائل مستمرة متدرجة للوصول لهذه الأهداف وتحقيقها على كل المستويات الفردية والمؤسسية والشعبية.

 

منهجية التعامل مع المرحلة الحالية:

إن واجب المرحلة وفرضية الوقت ومتطلبات المشروع الإسلامي تقتضي منا العمل على هذه المحاور:

1. أن نستمر على هذا المشروع الإسلامي المتكامل بكل محاوره، وأن تلتف حوله الأمة كلها، وأن تكون قضية فلسطين في القلب منه بمنطلقاتها الإسلامية وأهدافها الشاملة.

 

2. أن نحرص في هذه المرحلة على تعميق الوعي لدى الأمة والشعوب الإسلامية، وبناء القناعات الراسخة لديها في هذا الميدان لكل شرائحها، وجيلاً بعد جيل، ليس ذلك قاصرًا على التيارات الإسلامية وإنما شاملاً لكل الأمة، مع تقوية ذاكرة الأمة حتى لا تنسى، وتقوية مناعتها ضد الكيان الغاصب الذي أجرم في حقها.

 

3. أن يتحول الوعي وتلك العقيدة إلى إرادة قوية وإلى تحرك عملي يصب في كل المحاور وبكل الوسائل المطلوبة.. لا بد أن يتبلور ذلك على المستوى الجماهيري والفردي، وأن ينبثق عنه مؤسسات وجمعيات وكيانات أهلية شعبية، ودولية، تساهم في متطلبات تلك المرحلة وتحافظ على الفعاليات المناسبة.

 

4. هذه المرحلة التي نحن فيها تركز على الأمة والجماهير، حيث إن الحكومات خرجت عن هذا المسار، وتعاون أغلبها مع الأعداء، لكن وبإذن الله سوف تلحق بهذا الركب في المستقبل عندما يتم إصلاحها بحق ضمن مراحل المشروع الإسلامي.

 

5. لا بد أن ننتقل من واقع العواطف والكلمات إلى واقع الحركة الجماهيرية عند الأحداث والمواقف، ولا بد أن ننتقل من مجرد التعبير وتفريغ الطاقات إلى وسائل ضغط وتوظيف للإمكانات؛ لتصب في صالح المقاومة والصمود.

 

ولا بد أن يكون لذلك رأسًا موجِّهًا وليست حركة وتعبيرًا عفويًّا يهدأ وينشط كل فترة.

 

6. ولا بد أن يشمل التحصين والتوعية ضد المساومات والاستدراجات ليصل وعي الأمة إلى أعلى مراحل النضج، وأن تتمكن من التمييز بين المجاهدين والمخلصين، وبين عبث المتاجرين بالشعارات .

 

7. وأن يصل هذا الوعي إلى الإيجابية والذاتية في حركة الأفراد والكيانات والجماهير؛ لأنها أصبحت قضيتها، تتفاعل معها وتعمل لها باستمرار.

 

8. التنبُّه واليقظة لمحاولات العدو الصهيوني هدم المسجد الأقصى أو تقسيمه وبناء هيكلهم المزعوم، حيث بدأت خطتهم في التسارع بهذا الشأن مستغلة ضعف الدول العربية وكثرة الصراعات فيما بينها، لهذا لا بد من إجراءات وخطوات رادعة وردّ فعل جماهيري قوي على مستوى الأمة يجعل العدو يعيد حساباته من جديد.

 

9. التأكيد على مشروع المقاومة ودعمها وترسيخ مسارها في المعركة وتوسيع قاعدتها والتعاون مع كل فروع وتيارات المقاومة؛ لبناء مرجعية ثابتة وداعمة لها، تستمد تأييدها ودعمها من عموم الشعب الفلسطيني ومن جماهير الأمة العربية والإسلامية، وتحقيق التنسيق والتعاون ثم الوحدة فيما بينها.

 

10. الحرص على وحدة الصف الفلسطيني، ولكن لا بد أن تكون هذه الوحدة على ثوابت القضية- وليست وحدة أجسام قلوبها وأهدافها متباعدة ومتناقضة- والأصول الثابتة، فمن شذّ عن الأصول والثوابت شذّ عن الصف وعن الوحدة، وستلفظه الجماهير، وسيدوسه الزمن ويتجاوزه.

 

11. كذلك الحرص على المقدرات الذاتية للدول والأمم الإسلامية، والرقي بها، وإحداث التقدم والتحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي المطلوب.

 

إن أي تنازع أو حروب بين هذه الأمم والدول ليصب في خانة مصلحة الأعداء، وإن أي فوضى وتخريب في مقدرات هذه الأمم ليؤدي إلى تحطيم قدراتها على المواجهة ويضعف ويؤخر انتقالها للمراحل التالية في المعركة.. إن الحرص على الدم الإسلامي وعدم إراقته في هذه النزاعات مهما رفعت عليها من أسباب وشعارت لهو عقيدة أساسية عند أصحاب المشروع الإسلامي الرائد، وهي تدرك أن ذلك من خطة الأعداء وضمن إستراتيجيتهم في المواجهة، فهم يصنعون المؤامرات؛ لإنشاء هذه الصراعات لإضعاف مقدرات الأمة، كما تدرك أن ذلك يؤخر أيضًا الوصول إلى الوحدة العملية بين شعوبها.

 

12. أن تكون هناك خطوات جادة على مستوى الشعوب والكيانات الأهلية والاقتصادية للتواصل والتعاون والتكامل فيما بينها، تمهيدًا لخطوات إعداة الوحدة والكيان الدولي للأمة الإسلامية.

 

13. وعلى المستوى الدولي يدرك التيار الإسلامي الخلفية الكاملة لمواقف الدول الأخرى، والخلافات القائمة بين أطرافها، وعقم المؤسسات الدولية، وكيف يتم توجيهها.

 

ولهذا فهم لا يبنون خطتهم على هذه الأمور، أو يتعلقون بأوهام ووعود وآمال زائفة، فمصادر القوة للأمة تأتي من داخلها، لكنهم في الوقت نفسه يوظفون هذا الواقع ويستثمرونه لصالح المشروع الإسلامي، ولرفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني.

 

14. لا بد من دعم الإعلام المؤثر الصحيح الخاص بهذه القضية ليصل لكل شعوب الأمة الإسلامية، ولكل شعوب العالم ومؤسساته، وأن نتحرك لمواجهة هذا الإعلام المزيف المنحاز للعدو، وأن نفضح تلك الجرائم، ونعمل على إيقاظ الإنسانية التي ما زالت فيها بقية من حياة رغم الركام والزيف الذي أحاط بها.

 

15. قطع الطريق على الحلول الاستسلامية، ورفض أي تنازلات وتراجع عن الثوابت والحقوق الفلسطينية، وفضح كل المؤامرات التي تحاك ضدها ومن يشارك فيها ويروج لها.. إن ما يفرضه البعض من تراجعات وواقع استسلامي للعدو الصهيوني والأمريكي على أرض الواقع نواجهه بالثبات على المبادئ والأصول، وبمنع إعطائه الشرعية التي يطلبونها، مع التعامل السياسي والإعلامي والميداني معها بما يحقق دعم استمرار المقاومة ودعم صمود الشعب الفلسطيني وتحسين أحواله.

 

16. التواصل الفعّال مع أهل فلسطين والاستفادة من كل مستجد في هذا الشأن؛ لتخفيف العبء والضغط عنهم، والاهتمام بأبناء المهجر مناخًا ومعيشة ووعيًا، والتواصل معهم بشتى السبل، وكذلك الدعم الاقتصادي لأهل فلسطين داخل الأرض المحتلة حتى يقلّ اعتمادهم على اقتصاد العدو الغاصب.

 

17. التأكيد على منهجية إسلامية نبَّه إليها مرارًا الإمام الشهيد حسن البنا وكان الشهيد أحمد ياسين يتمسك بها على الدوام، وهي عدم الدخول في مهاترات مع الأطراف الفلسطينية أو غيرها التي نختلف معها، ولا نرد بأسلوبهم على التشويه والحملات الإعلامية، فقد سمَّى الإمام الشهيد ذلك "كفاحًا سلبيًّا" يشغلنا عن مهمتنا الأساسية، وعن العمل الإيجابي، كما أنه يوغر الصدور، ويخرج عن مبدئنا الثابت، وهو: "عدم تجريح الهيئات والأشخاص".

 

18. تشجيع التعاون والتواصل مع كل القوى والأفراد والتيارات التي تعمل على مواجهة العدو والتصدي له مهما اختلفت متطلباتها؛ ما دامت تجمعها الثوابت الأساسية في ظل مبدأ: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".

 

19. مواصلة الحرب النفسية ضد العدو الصهيوني، مع الاستفادة من الطبيعة الشخصية اليهودية في قلقها وخوفها على كل ما يؤثر على حياتها والتأكيد على هزيمته الحالية والمستقبلية.

 

والواقع الحالي يشير إلى ثلاثة أمور يمكن توظيفها في هذا المجال:

أ‌- فشل المشروع الصهيوني في عقد السلام مع الشعوب أو أن تقبل به، فما زالت القضية حية عندها، وما زالت روح المقاومة قائمة متجددة، والعوامل التي ساعدت على ذلك- وعلى رأسها التيار الإسلامي- تزداد قوة يومًا بعد يوم.

 

ب‌-  فشل المشروع الصهيوني في القضاء على خندق المقاومة، بل انتقلت بقوة داخل فلسطين، وسببت له إزعاجًا شديدًا، وتمكنت من الثبات ضد هجماته المتعددة، وتجاوبت معها الأمة الإسلامية.

 

ج‌- التأثير السلبي على الشعب اليهودي في الدولة الصهيونية من جراء المقاومة الفعالة وتنامي الروح الإسلامية داخل فلسطين كلها، مما كان له أثر سلبي كبير على الروح المعنوية عند الجنود الصهاينة وعند قادتهم.

 

20.  في ظل هذه الثوابت التي تتمسك بها الجماعة، فهي تتعامل أيضًا مع الواقع الميداني بمتغيراته المختلفة وفق الضوابط الشرعية، وما تحمله من موازين وضوابط تخصّ الحركة والمواقف العملية، فهي تدرك أن المعركة ممتدة وطويلة، وأن الفجوة بين الواقع وهذه الأهداف المرتبطة بتلك الثوابت واسعة وكبيرة، لكن ذلك كله لا يشكل قفزًا فوق تلك الثوابت أو تفريغًا لها من محتواها.

 

• فرق كبير بين التدرج والمرحلية العملية، وبين التنازل المرحلي والتراجع الجزئي، وفرق كبير بين الهدنة بضوابطها الشرعية سواء أطالت أم قصرت وبين الاستسلام والإقرار بشرعية الغاصب وعدم مقاومته.

 

• وفرق كذلك بين السكوت عن أمر ميداني تفرضه بعض الظروف وبين الإقرار به وإضفاء الشرعية عليه.

 

• وإن ما يقدمه الأعداء- أو ما يسمونهم بالوسطاء- من حلول ومقترحات في مقابل هدم بعض تلك الثوابت أو التراجع عنها يرفضه أصحاب المشروع الإسلامي، حيث يرفضون ذلك التنازل حتى لو وافق عليه فصيل من الفلسطينيين، وفي نفس الوقت يوظفون الواقع العملي بشأن ذلك إذا تبناه أحد أو فرضه على أرض الواقع بما يخدم القضية ويدعم صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الفعالة.

 

• أنهم بفضل الله من الثبات والصمود بما يحقق استمرار المسار وسلامة الطريق والحفاظ على الثوابت مهما كانت التضحيات، وهم في الوقت نفسه من الحكمة والمرونة في مواجهة الأحداث والمواقف بما يستوعب المستجدات وينجحون في توظيفها والاستفادة منها.

 

• وإذا كان هناك من أخطاء- حيث لا يدَّعي أحد العصمة أو القداسة- فإن ذلك يكون في الوسائل وفي فرعيات العمل وليس في الأصول، وتأتي المرجعية والتقويم مع اللجوء لله عز وجل لتجبر ذلك فلا يشكل منعطفًا أو عائقًا حقيقيًّا.

 

مخاطر مستجدة وكيفية مواجهتها:

ما زال العدو يواصل مشروعه، ويحاول أن يطوره ويدفعه على أرض الواقع، والمُشاهَد أنه أحرز بعض التقدم في بعض المحاور، ويعاني من معوقات شديدة تصل إلى مستوى المعوقات الاستراتيجية في محاور أخرى، ونشير هنا إلى بعض هذه النقاط:

1. لقد نجح المشروع الصهيوني بالتعاون والدعم مع المشروع الأمريكي في إخضاع حكومات الدول العربية غالبًا، والوصول إلى حدّ التوظيف لها في محاولة خداع شعوبها، والاستجابة لمطالب العدو ودعمه في فرض حل على أرض الواقع فيه التنازلات عن الثوابت بحجة السلام المزعوم.

 

2. تمكن من عقد اتفاقيات حالية، وأخرى قادمة تعترف له بالشرعية وتساعده على تشكيل طبقة مرتطبة به من أصحاب المصالح ورجال الأعمال.

 

3. نجح العدو في أن يتواصل معهم على المستوى السياسي ويكون مَنْفَذًا لهؤلاء الحكام لقضاء المصالح وتبادلها خاصة مع أمريكا.

 

4. نجح لأول مرة في استمالة فصيل من أهل فلسطين- وإن كان عددهم قليلاً بالنسبة لباقي الشعب- يحاول دعمهم وتثبيت وجودهم؛ لأنهم يقبلون به ويتعاونون معه لفرض مشروعه الصهيوني على أهل فلسطين مقابل مكاسب زائلة.

 

5. انهيار منظومة الأمن القومي العربي.

 

• إن معركة فلسطين تشكل قلب الأمن القومي العربي، وهناك خطة من أمريكا والعدو الصهيوني لقلب هذه المعادلة بالمنطقة، محاولةً توظيف أحداث كثيرة تساعدها على تهميش القضية الفلسطينية عند الأنظمة والدول العربية، وإحلال قضايا أخرى في بؤرة الاهتمام؛ ليؤدي ذلك إلى جعل الدولة الصهيونية ضمن معادلة الأمن القومي العربي، وذلك من خلال محاور عدة، منها: تصعيد الخلاف الشيعي- السني، وإذكاء الصراع بين الدولة الإيرانية والدول العربية، ودعم النزاعات الأهلية بالمنطقة؛ لتكون إسرائيل بعد ذلك هي القوة التي تعادل الخطر الإيراني، وتكون نقطة الارتكاز القوية وسط دول أنهكتها الصراعات الأهلية والنزاعات فيما بينها، فتصبح بذلك في قلب منظومة الأمن القومي العربي الذي بدأ يستعين بأمريكا ويقبل بتواجدها العسكري- ولو مؤقتًا- في حين أن هذا التواجد لها يدعم من الثقل العسكري والسياسي للكيان الصهيوني.

 

• ومن هنا تتضح أهمية وضرورة المقاومة على أرض فلسطين في إنهاك دولة الكيان الصهيوني وأن تسبب لها الوخزات المؤلمة التي تعرقل تفرغها لهذه الخطة، وكذلك دعم مقاومة الوجود الأمريكي الخادم للمشروع الصهيوني- الغربي، بكل وسائل الدعم وبكل صور المقاومة.

 

• ومن المهم أيضًا استمرار الحراك الشعبي لإسقاط هذه الاتفاقات الجائرة التي تم عقدها مع الحكام وعدم اليأس من تحقيق ذلك بالوسائل السلمية والنضال الدستوري.

 

• كذلك يحاول المحور الأمريكي- الصهيوني جرّ بعض القوى المجاورة للمنطقة العربية لدخول معادلة التأثير في أحداث المنطقة، وأن يكون دخولها انحيازًا لمصالح إسرائيل وأمريكا، وأيضًا استخدام تكتلات دولية تخدم مثل هذا الأمر مثل التجمع "الأورومتوسطي"، وبالتالي تتضح أهمية التواصل مع تركيا وشعبها؛ ليكون انحيازها مع المصالح العربية، وأن يكون توجه حكومتها مؤيدًا للحق العربي وداعمًا له، وإضافة إيجابية لأمن المنطقة ومواجهتها للخطر الصهيوني.

 

• وكذلك نزع فتيل الصراع مع الدولة الإيرانية وحل المشاكل بالطرق السلمية، وبناء آلية لحسن الجوار وحل الخلافات.

 

• إن على الشعوب واجبًا كبيرًا في هذا المجال لإقناع الحكومات وإطفاء الصراعات.

 

• وكذلك هناك المحور الثقافي والاقتصادي الذي يريد الكيان الصهيوني- وفق مشروع بيريز عام 1990م- أن يمسك من خلاله بمنظومة المصالح الاقتصادية والمؤثرات السياسية بالمنطقة، يدعمه في ذلك مناخ ثقافي وإعلامي مؤثر في المجتمعات؛ لتكون بيده شبكة قوية مؤثرة من العلاقات السياسية والاقتصادية يصعب الخروج عليها أو الابتعاد عنها من دول المنطقة.

 

• ومن هنا يتضح أهمية المقاطعة الاقتصادية والثقافية لهذا الكيان الغاصب، وإبقاء القضية حية في وجدان الشعوب، واعتماد آلية التعاون والتكامل الاقتصادي بين الدول العربية والإسلامية بدءًا من المستوى الشعبي وكياناته، وارتقاءً إلى المستوى الرسمي والدُوَلِي.

 

• لا بد من تطوير مجتمعاتنا وتنميتها واعتمادها على نفسها إذا كنا جادين في الحفاظ على أمتنا ومكانتها.

 

• لا بد من فضح مسارات العدو الصهيوني ومراكز إعلامه ومن يرتبط به في تنفيذ خطته تلك.
• وكذلك تشجيع المبادرات التي تحلّ الخلافات بين كيانات ودول المنطقة العربية حرصًا على مقدرات الأمة ومنعًا لإراقة الدم العربي المسلم بيدنا نحن وفي النهاية يصب ذلك في مصلحة العدو الصهيوني.

 

• إن الحرص على استقرار دول المنطقة يساعد على التنمية والتقدم الاقتصادي لها، ولا بد لمصر أن تستعيد دورها الرائد والمؤثر في هذا الميدان وفي منع الخلافات أن تصل إلى إراقة الدماء، وأن عليها ان تخرج من دوامة التأثير الأمريكي، وأن تدرك أن الأمن القومي العربي هو أمن قومي لمصر لا ينفصل عنه.

 

• كما يجب إعادة إحياء وتفعيل دور جامعة الدول العربية؛ حيث أصبح ذلك حاجة ملحة في هذه الفترة، وإلى حين أن يتحسن هذا الأمر على النخبة الشعبية وعلماء الأمة أن تسارع لتشكيل تكتلات وكيانات أهلية على مستوى المنطقة تحاول أن تؤدي هذا الدور وتقطع الطريق على الخلافات والنزاعات.

 

• خاتمة:

إن الناظر للظاهر من الأعمال وبعض أنواع الحراك قد يرى أن حجمه ليس كبيرًا أو مؤثرًا، لكن هذه النظرة السطحية لا تغوص وراء الأشياء، فكل هذه الأعمال والفعاليات- مهما قلّ شأنها- لها دورها وتأثيرها مع أهمية الاستمرار بها وتطويرها إلى درجات أكبر من التأثير والاتساع.

 

والذي نضعه في الاعتبار هو استمرار وتقدم المشروع الإسلامي ومدى ثباته وقدرته على اجتياز المعوقات، وأن يتكامل العمل على كل المحاور المتعلقة بهذه القضية.

 

إن المظاهر الشعبية التي تخرج في مختلف الدول للتعبير عن دعم أهل فلسطين- من مسيرات ومؤتمرات وغيرها- لها تأثيرها العميق على المدى البعيد، فهي تحقق أمورًا وترسل رسائل واضحة للأطراف كلها:-

1. لأهل فلسطين الصامدين، أننا معهم ولا يمكن أن ننساهم ونشاركهم معركتهم وصمودهم، وهذا الدعم المعنوي هامٌّ جدًّا ومؤثر فيهم.

 

2. رسالة للعدو الغاصب أن الأمة لن تسكت، وأن فيها من يواصل جهاده ضد مشروعهم وأهدافهم، وأن ما يفعلونه من تطبيع مع الحكومات التي استسلمت لهم لن ينفعهم أو يقدم سلامًا لهم.

 

3. رسالة إلى الدول التي تدعم الكيان الصهيوني وعلى رأسها أمريكا؛ أن الأمة الإسلامية ليست غافلة عن قضيتها الأساسية، وأنها ستستمر في الدفاع عنها، وأنها على يقظة مما يحيكون من مؤامرات.

 

4. رسالة إلى أبناء الأمة الإسلامية وأجيالها أن القضية ما زالت حية، وأن على الجميع أن يتحرك لها ضمن الوسائل التي تحاول عرقلة وإيقاف المخططات المعادية، أو على الأقل إبطاء مشروعهم، مع استخدام تلك الوسائل وغيرها من وسائل الضغط لدفع حكومات الدول لاتخاذ موقف بهذا الشأن.

 

• إن الأمة حتى اليوم لمَّا تدخل معركتها الحاسمة مع هذا العدو، وإن ذلك لآت بإذن الله.

 

والمشروع الإسلامي يعمل على إعداد هذه الأمة الإعداد الصحيح المتكامل ويواصل إضعاف العدو وإنهاكه وإنزال الرعب لدى قادته وجماهيره؛ تمهيدًا للوقت الذي يأتي فيه الحسم، فالعدو دولة ولا يمكن أن يهدمها إلا دولة قوية متمسكة بإسلامها.

 

إن المعركة حاليًّا معركة استراتيجيات وصراع إرادات.

 

وإن المراقب ليلمس مدى التقدم والكفاءة التي تزداد يومًا بعد يوم، ففي فترة زمنية بسيطة إذ بالمقاومة الشعبية داخل فلسطين تتطور من الحجر إلى هذه الكفاءة العسكرية التي تتصدى لجبروت العدو وجيوشه.

 

ولقد رأينا كيف أن صواريخًا مصنوعة يدويًّا تدوي على مدن الصهاينة، فيحدث الهلع والانهيار النفسي للمئات من اليهود، فتمتلئ بهم المستشفيات، في حين على الجانب المقابل يصمد أهل غزة لقصف متواصل من الطائرات والصواريخ شهرًا كاملاً متواصلاً، فنجد الصمود والثبات من الأطفال والكبار، أليس هذا من مبشرات النصر لقضية فلسطين والهزيمة للعدو؟

 

وعندما نجد كل هذا الرعب عند الجندي الصهيوني وهو مدجج بكل أنواع الأسلحة أمام المقاتل الفلسطيني البطل في محاولتهم الفاشلة لاقتحام غزة، أليست هذه هي الهزيمة قد بدأت داخل قلوبهم والتي ستستمر حتى تتحقق مظاهرها العملية في الميدان؟

 

إن مبشرات النصر قائمة نستمدها من عقيدتنا وإيماننا، ومن وعد الله لنا، ومن الواقع العملي للمقاومة، ومن خبرتنا بدورة التاريخ وسنن الكون، وإذا كان بعض الأفراد محبطين يائسين فلأنهم غفلوا عن هذه الأصول، ولأنهم تأثروا بحملة الأعداء وزيف إعلامهم.

 

وختامًا نقول: إننا نتحدث في هذا الشأن عن محاور عامة، أما خطط المشروع وتفاصيل عمله وتكتيكاته فلها مكانها وأهلها، وتكون على أرض الواقع وفي ميدان المعركة، وهدف هذه الصفحات هو المساهمة في نشر الوعي، وفي رفع الواقع، وبيان حجم التحدي، ورفع الهمة، وعدم اليأس، والدعوة للعمل الجاد والله يهدي إلى سواء السبيل.

------------

* عضو مكتب الإرشاد