كثيرًا ما كنت أقف أمام الأحاديث النبوية الواردة في شأن الدجال الذي يخرج بين يدي الساعة ليعلن للناس أنه إله يستحق أن يُعبد من دون الله، وأن مَن يناصره ويدخل جنته فقد حكم على نفسه بالنار التي أعدَّها الله للفجار، ومَن عصى الدجال ودخل ناره كان مؤهلاً لجنة ربِّ الأرض والسماء، كنت أقف متعجبًا وأنا أقرأ عن هذا الدجال كيف له أن يقنع الناس بهذا الهراء وكيف ينجح في أن يكون له أنصار حتى وإن جاء بخوارق العادات وعجائب الفعال وكيف لهذا الشخص أن يقلب الحق باطلاً والباطل حقًّا؟

 

إلا أنني مع شيء من التأمل والدراسة الواقعية في مجال الإعلام أدركتُ أن للدجال فرصةً حقيقيةً في أن يصل لمراده ويحقق أهدافه، تأملت كيف يستطيع الإعلام بأدواته وآلياته أن يقنع خلقًا كثيرًا من الجماهير بتغيير خريطة العلاقات التاريخية التي استقرت في الوجدان، كيف يمكن أن يتحوَّل شعبان يتكلمان لغةً واحدةً ويدينان بدين واحد وتجمعها روابط اجتماعية وأواصر أسرية، إضافةً إلى علاقات تجارية واقتصادية، إضافةً إلى تاريخٍ من التواصل على المستوى السياسي والإنساني والثقافي والفكري، كل ذلك يتحول بين لحظةٍ وأخرى إلى سراب بقيعة وهباء منثور، تتحول المحبة إلى عداء، وتنقلب المودة إلى شقاق، حتى يقول البعض- أي والله- إن الكيان الصهيوني أقرب لأحدهم من شقيقه.

 

نجح الإعلام في أن يرسم صورةً همجيةً لشعب كامل بجريرة مجموعة من البلطجية والقتلة الذين تواروا خلف نظامٍ يسعى لتوطيد أركانه، ويحرص على صرف أنظار شعبه عن بلاياه وكوارثه، ونسوا أن هذا الشعب الذي خرج منه بعض عتاة الإجرام أو بعض المخربين الذين لا يكاد شعب يخلو منهم، قد خرج منه في الأساس قادة أفذاذ ومفكرون فطاحل على وزن مالك بن نبي ومحفوظ نحناح وبن باديس وغيرهم من الرموز المشرفة للأمة كلها.

 

نسي الناس بين ما نسوا أن الصورة التي يُراد رسمها للشعب الجزائري بجريرة قلة من المجرمين توارت خلف نظام مترنح أن هذا الشعب قدَّم مليون شهيد لمقاومة الاستعمار وخاض بعد ذلك معارك ثقافية وفكرية لمقاومة الفرنسة والتغريب، وحاول أن يتمسَّك بعروبته التي كانت وما زالت تعني تمسكه بدينه وإسلامه.

 

الغريب أن الإعلام ينجح في ذلك رغم ما يشعره الناس من بطشٍ وظلمٍ واستبداد، وما يعاني منه الكافة من غلاء وفساد، وما يحيط بالكافة من إهمال وسوء إدارة للموارد والطاقات، وما يعتري الجميع من رفضٍ للواقع المعاش، وما يكتنف الكل من حنقٍ على الواقع ورغبةً في تغييره، رغم ذلك كله ينجح الإعلام في رسم صورة مغايرة وتحويل المسارات وتبادل الأدوار فيصير الحق باطلاً والباطل حقًّا.

 

أخذتُ في التأمل والحال هذه فما بالنا والحال غير الحال، وما بالنا والدجال يأتي بخوارق العادات ويصبُّ على أتباعه من النعيم العاجل صبًّا ويغدق على حوارييه وأنصاره ما يسيل به لعابهم وتهوى إليه أفئدتهم.

 

فما بالنا وإغواء الدجال وبطشه ترتعد له الفرائص وتتوارى أمامه البطولات إلا بحول وقوة من الله واعتصام به.

 

لا شك أن وقفةً متأنيةً مع الواقع المعاصر والجهد البالغ لوسائل الإعلام يستطيع المرء معها أن يدرك حجم الابتلاء في فتنة الدجال ويستطيع أن يدرك أن هذا التحول وارد في حقِّ خلق كثير ويجعلنا نستعيذ بالله من فتنة الدجال الأكبر وما دونه من الدجالين.