د. إيهاب فؤاد

ربما كانت مصادفة لم يحسب لها حساب أن يحلَّ علينا بيريز رئيس الكيان الصهيوني المتغطرس، والذي أصاب أطفال غزة، ونساء غزة، وبنية غزة التحتية في مقتل، في وقت يغلي فيه الشارع المصري كالمرجل، ويركب الإعلام المصري موجة التصعيد، وكأن العلاقة بيننا وبين الجزائر لم تكن، وكأن الإسلام الذي يرفرف في جنبات الأرض لم يزل بيننا ماضيًا، لقد تناسى الجميع غضبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من نعرة الجاهلية التي تكاد تأتي على الأخضر واليابس إذا نزلت بساحة قوم في كل مكان وفي أي زمان، وأذكِّر هنا بما قاله الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمعها الله رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: "ما هذا"؛ فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنة".
وفي رواية قال عليه الصلاة السلام: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم".
إنَّ الجاهلية اليوم تعود في ثوب جديد، إذ يصبح دم المسلم مستباحًا، وعرضه لقمة سائغة على موائد اللئام، وأقل القليل سباب وسيل من الهجوم والشتائم، فهل غابت الحكمة، وضل رعاتها طريقهم إلى تسوية تريح القلوب والعقول، ولعل ما أورده ابن مسعود هنا يكون رادعًا؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (متفق عليه) .
فرّق بين السباب والقتال، فالسباب فسوق، والفسوق: هو الخروج عن الطاعة، فسقت الثمرة قشرًا إذا خرجت، ومنه سُميت الفويسقة الفأرة؛ لخروجها عن سائر الدواب بإفسادها.. وقتاله كفر، كذلك قتال المسلم كفر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"، فلا يجوز قتال المسلم لأخيه المسلم؛ لكنه لا يخرجه من الإيمان.
أليست متناقضات تحير اللبيب، وتأخذ بعقل الحكيم أن نفرش الأرض بساطًا لمصاصي دماء المسلمين، وأن نصافحهم، وأن نهادنهم، وأن نحسن استقبالهم، بينما عُرَى الإيمان تتمزق أوصالها، وتكاد علاقتنا بالجزائر تذهب إلى الهاوية، لا أنكر غضبي كغضب الكثيرين، ولا أنكر ألمي كألم الكثيرين؛ لكننا يا سادة يجمعنا دين واحد، وعقيدة واحدة، ولغة واحدة؛ رغم أنها مغيبة في الجزائر، إنني عاتب على متناقضات تكاد أن تَقُضَّ المضجع، نريد أن يكون لنا لون واحد، ولا يختلف معي اثنان على أن المصري مهان في بلده، قبل أن يكون ذلك خارج حدود بلده، لو كنا أعزاء في دورنا لطفح ذلك علينا، ولعاملنا غيرنا بما نستحق، المعتقلات في بلادنا لا تفتح إلا للشرفاء من أبناء الوطن، بينما يرتع اللصوص آمنين، أساتذة الجامعات مغيَّبون خلف الأسوار، الشرفاء من رجال الوطن مغيَّبون خلف الأسوار، ألا يُعدُّ هذا إهانة ما بعدها إهانة؟ أم أن الإهانة لا تكون إلا في كرة القدم، حين تعطل أحكام القضاء ويقبع البريء بعد صدور أمر براءته خلف الأسوار حتى يُعاد اعتقاله بقرار جديد، ألا تعد هذه إهانة؟
كفانا عنتريات، وكفانا سخفًا واستهانةً بمشاعر الشعب الكادح، أولى بنا أن نبحث عن وسيلة صادقة تعيد لنا كرامتنا، وترد علينا مكانتنا؛ لتكون مصر كما كانت رائدة في العلم وحكيمة بين شقيقاتها... هدانا الله لما يصلح أمرنا، ويغير حالنا.