الحرب الإعلامية

باتت الحرب الإعلامية جزءًا مهمًّا من الحرب التي يشنها النظام الحاكم على جماعة الإخوان المسلمين، مما يؤكد على أن عمليات الاعتقال المتكرر، لا يقصد منها إجهاد الجماعة فقط، بل تستخدم كعنصر أساسي في الحرب الإعلامية على الجماعة. حيث تصبح واقعة الاعتقال هي السبب المحوري والدليل المادي، في حرب تشويه صورة الجماعة لدى الرأي العام. وكأن عملية الاعتقال تمثل الدليل المادي على القصص التي ترويها الصحف والجرائد حول الجماعة، لتوحي للرأي العام أن الجماعة ترتكب أخطاء قانونية، رغم أن كل تلك الوقائع لا تُحال للقضاء الطبيعي؛ لعدم وجود دليل مادي على ما يتم ترويجه من تهم للجماعة.

 

وقد أصبح واضحًا أن الحرب الإعلامية ليست مجرد حرب تكميلية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًّا في الإستراتيجية الأمنية؛ ما يؤكد أن تشويه صورة الجماعة أصبح هدفًا مركزيًّا للسياسة الأمنية، وتطلَّب هذا قدرًا من السيطرة على ما يُنشر عن الجماعة في معظم وسائل الإعلام.

 

بعض تلك الوسائل الإعلامية تعمل مباشرةً بتوجيه من الأمن، وبعضها تعمل تحت ضغوط الأمن، وبعضها تحاول التخفف نسبيًّا من تلك الضغوط، ولكن المشهد الإعلامي الإجمالي يدار بالفعل من قبل أجهزة الأمن.. نفهم من ذلك اهتمام الأجهزة الأمنية بصورة الجماعة لدى الناس، قدر اهتمامها بالملاحقة الأمنية المباشرة، فصورة جماعة الإخوان المسلمين لدى عامة الناس تحدد موقف الرأي العام منها، وبالتالي تحدد تصرفات عامة الناس تجاه الجماعة، سواء في الانتخابات أو أي مواقف سياسية أخرى، مثل لحظات خروج الجماعة إلى الشارع في أي تظاهرة سياسية، وهذه السياسة الإعلامية الأمنية لها عدة أهداف تحاول تحقيقها، وأيضًا لها تأثير في الواقع، وغالبًا ما تختلف الأهداف عن التأثيرات المتحققة بالفعل، ولكن جملة ما يحدث من تشويه إعلامي مركز للجماعة، يؤثر في النهاية فيما تستطيع الجماعة تحقيقه من مشروعها الإصلاحي الحضاري الشامل. 

 

إقناع الخصوم

أول تأثير يمكن رصده، هو تأثير الحملة الإعلامية على خصوم الجماعة، ونقصد بها الفئات التي لا توافق على المشروع الحضاري للجماعة، ولا توافق على توجهاتها السياسية، وهذه الفئات تمثل المنتمين لتوجهات فكرية مخالفة لتوجه الجماعة مخالفة كاملة، أي الفئات التي لا تؤيد المشروع الإسلامي، وحملة تشويه صورة جماعة الإخوان تؤثر في هذه الفئات أكثر من غيرها؛ لأنها في الأصل فئات مستعدة لتصديق كل ما يقال عن الجماعة؛ لأنها تعادي مشروعها أساسًا.

 

ورغم أن ما يحدث من تشويه صورة الجماعة لدى خصومها يعد تحصيل حاصل، فإن له أثرًا لا يمكن إغفاله، يتمثل في تعميق الخصومة السياسية، لحد مبالغ فيه، فيتعمق لدى هذه الفئات الشعور بخطر وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم، وبخطر دورها السياسي، حتى تصل لقناعة مفادها أن الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين يمثل خطرًا على وجودها وطريقتها في الحياة، وتنتشر فكرة لدى هذه الفئات، تصل بهم لقناعة أن وصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم قد يدفعهم لترك مصر، وتعميق الخصومة السياسية لهذا الحد كفيل بتعميق حالة الاحتقان المجتمعي، وتصوير الأمر بصورة تخالف طبيعته، فالتنوع في المواقف السياسية يؤدي إلى نوع من التنافس بين تيارات سياسية مختلفة، ولكن تحويل القضية إلى صراع وجود بين فئات المجتمع، من شأنه أن يمهِّد لمواجهات سياسية حادة، ويجعل الصراع السياسي بديلاً عن التنافس السياسي، الممنوع أصلاً.

 

ويبدو أن السياسة الأمنية تريد بالفعل تكوين فئات تخشى من المشروع الإسلامي ومن جماعة الإخوان المسلمين، لحدٍّ يجعلها تعادي دور الجماعة، وكأنه مسألة حياة أو موت لها. وعليه تصبح هذه الفئات رهينة النظام الحاكم، وتقع تحت سيطرته المباشرة، بوصفه المنقذ الوحيد لها.

 

ومن جانب آخر، سنجد أن خصوم الجماعة من أصحاب الاتجاه العلماني، يتحولون بفعل عملية تشويه صورة الجماعة والتخويف منها، إلى أنصار أشداء للاستبداد وأعداء للديمقراطية.

 

بهذا تتحول تلك الفئات إلى تأييد الاستبداد؛ حمايةً لحياتها أو نمط معيشتها، ويتم مصادرة خصوم الجماعة لصالح النظام الحاكم، وليس لصالح الأفكار التي يؤمنون بها، ويتم بذلك ضرب توجهات وتيارات فكرية بكاملها، وتحويلها إلى فئات متحالفة مع الاستبداد  والفساد، خوفًا من المشروع الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين.

 

الكتل المعادية

ويحاول النظام الحاكم من خلال الحملة الأمنية المكثفة ضد الجماعة تحويل خصوم الجماعة إلى كتل معادية لها.. يفعل النظام هذا مع مسيحيي مصر؛ في محاولة لجعل الجماعة المسيحية تخشى من أي فكرة أو مشروع إسلامي، وبالتالي تخشى من الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، وهنا استطاع النظام ومعه النخب المثقفة المتحالفة معه تخويف الجماعة المسيحية في مصر، ليس فقط من جماعة الإخوان المسلمين، بل من أي مشروع إسلامي.

 

وبنفس هذا المنطق، يحاول النظام تخويف الفئات المتغربة في نمط حياتها؛ بجعل المشروع الإسلامي مهددًا لها ولحريتها، حتى يكسبها في صفه، وهذه الفئة تخشى المشروع الإسلامي برمته، كما تخشى جماعة الإخوان المسلمين، ويضاف لذلك محاولة زرع الخوف في نفوس رجال الأعمال، من المشروع الإسلامي أيضًا، ومن جماعة الإخوان المسلمين، على أساس أن المشروع الإسلامي سيؤدي إلى حصار مصر اقتصاديًّا.

 

والأمر المهم هنا هو أن تشكيل كتل متجانسة معادية للمشروع الإسلامي حتى تصبح معادية لجماعة الإخوان المسلمين؛ يحوِّل المسألة السياسية إلى مسألة اجتماعية، ويحوِّل الخلاف السياسي إلى خلاف اجتماعي، ونتحول بهذا إلى حالة أشبه بالنزاع الطائفي، فكلما تكتلت جماعات متجانسة لتحمي مصالحها من حركة اجتماعية، أصبحنا بصدد كتل تتنازع داخل المجتمع، وهو ما يؤدي إلى ضرب الوحدة الوطنية، ولكن النظام يركز أساسًا على حماية بقائه وليس حماية المجتمع، كما أن تشكيل كتل معادية للمشروع الإسلامي يمثل خطرًا كبيرًا، خاصةً أن أغلبية المجتمع تميل لهويتها الحضارية الإسلامية؛ ما يشكل حالة من الفتنة الداخلية.

 

لكن النظام يحمي نفسه بتفكيك المجتمع وإضعافه، حتى لا يتوحد المجتمع في مواجهة النظام. 

 

فصل المنتمين للفكرة

ولكن للسياسة الأمنية هدفًا آخر يتمثل في التأثير على المنتمين للفكرة والمشروع الإسلامي، وتشويه صورة جماعة الإخوان المسلمين لديهم، فمعظم الحملات الأمنية الإعلامية، تحاول رسم صورة غير حقيقية للجماعة، وتجعل منها كيانًا غامضًا وخطرًا، وهي بهذا تحاول تصوير الجماعة بصورة تتعارض مع المشروع الإسلامي الذي تحمله، وترسم لها صورة وكأنها تدعي لنفسها مشروعًا تحمله، على غير الحقيقة.

 

وهذه العملية هي من أهم ما تقوم به الحملات الإعلامية، فالفئات التي تخالف المشروع الإسلامي ولا تنتمي له، أو تقف منه موقف الخصومة، ليست فئات واسعة، وإن كان بعضها مؤثرًا، ولكن الفئات التي تنحاز ضمنًا للهوية الحضارية الإسلامية، تمثل في الواقع قاعدة عريضة، حسب معظم التحليلات والمؤشرات المتاحة، وتلك الكتلة العريضة المنحازة للهوية الحضارية الإسلامية، يمكن أن تكون كتلة مؤيدة لجماعة الإخوان المسلمين؛ لذا تعمل الحملة الإعلامية على تشويه صورة الجماعة لدى تلك الكتلة، حتى لا تنحاز لجماعة الإخوان المسلمين، رغم انحيازها للمشروع الحضاري الإسلامي.

 

وهنا يحدث تأثير مزدوج، فالحملات الأمنية والاعتقالات تؤثر في عامة الناس، وتخيفهم من تأييد الجماعة أو التعامل معها، والتشويه الإعلامي يؤثر في تصور الناس عن الجماعة، فيتم حصار الفئة المؤيدة للمشروع الإسلامي، وهي تمثل أغلبية؛ بحيث تبتعد أعداد كبيرة منها عن جماعة الإخوان.

 

ولأن الكثير من هذه الفئة ليس له علاقة مباشرة بالجماعة، والبعض يخشى من أن تكون له علاقة مباشرة مع أعضاء في الجماعة، والبعض الآخر يتعامل مع أعضاء في الجماعة دون أن يعرف، لكل هذا يصبح لدينا فئة واسعة من الكتلة المؤيدة للمشروع الحضاري الإسلامي، لا تؤيد جماعة الإخوان المسلمين.

 

يتحقق بهذا الفصل بين من يؤمن بفكرة جماعة الإخوان المسلمين ومن يؤيدها، ومعنى هذا حرمان جماعة الإخوان المسلمين من الكتلة الطبيعية المؤيدة لها، وحصار حجم التأييد الذي تحصل عليه الجماعة. ويصبح ما تلقاه الجماعة من دعم شعبي، يمثل جزءًا من الكتلة المفترض أن تؤيد الجماعة. 

 

تخويف المؤهلين

بهذه الصورة يمكن تصوُّر حجم الحصار المفروض على عقول الناس وعلى مشاعرهم، وهذا ما يؤدي إلى فقد الجماعة لعدد مهم من الأفراد المؤهلين للانضمام لها، فبعض من يؤمن بمشروعها، ولديه القدرة على النشاط والعمل من داخل الجماعة؛ يقع تحت تأثير عملية التخويف المستمر، ويبتعد عن الجماعة، وكثير ممن لا يصدقون التشويه الإعلامي للجماعة، يدركون أن تلك الحملات الأمنية والإعلامية، تمثل موقفًا حازمًا من النظام الحاكم ضد الجماعة، يجعل كل من ينتمي للجماعة خصمًا للنظام الحاكم، وبهذا تنجح الخطة الأمنية في تخويف أعداد ما كان من الممكن أن يلتحقوا بجماعة الإخوان، وتحرم الجماعة من عدد من الكوادر المهمة والنشطة.

 

فقدرة الناس على تحمل المخاطر تختلف من فرد إلى آخر، وتختلف أيضًا بالنسبة لكل فرد عبر المراحل العمرية، وليس كل فرد يستطيع تحمل المخاطرة المستمرة، ولقد ساد بين الناس في عهود الاستبداد المتواصلة، خوف من مواجهة النظام الحاكم؛ حيث نجح النظام في تحديد صورة خصومه، والتبعات التي تنتج من الانضمام لهم. فأصبح الكثيرون لا ينتمون لمن يعتبرهم النظام خصومًا له، رغم أنهم لا يؤيدون النظام، وبهذا دخل إلى الكتلة الصامتة أعداد كبيرة من الرافضين للنظام الحاكم، يخشون الانضمام إلى من يعتبرهم النظام خصومًا له. وربما يفسر لنا هذا جانبًا من حقيقة الكتلة الصامتة في مصر، فجزء منها يؤيد قوى سياسية موجودة بالفعل، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه يميل للتأييد الصامت، أو التأييد عن بعد، بعد تأثره بحملة التخويف التي يشنها النظام.

 

وهذا يجعلنا ندرك لماذا يخشى النظام من أي تحرك واسع في الشارع المصري، لأنه ضمنًا يخشى من خروج الكتلة الصامتة عن صمتها، وتتكشف مواقفها، فيجد أن غالبها مع خصومه، وجزء مهم منهم مع جماعة الإخوان المسلمين. وهنا يمكن أن تهدم جدران الحصار التي أقامها حول الجماعة، وينفلت الأمر من يديه. لذا يحاول النظام كبح أي بادرة لتحرك فاعل في الشارع المصري. 

 

حصار العاصمة

لعل من أهم أهداف التزاوج بين الحملة الإعلامية والحملة الأمنية، هو زيادة حد المخاوف لدى عامة الناس من تأييد المشروع الإسلامي، في مدينة القاهرة الكبرى. فقوة الأمن الباطشة تظهر في العاصمة أكثر من أي مدينة أخرى، ويحاول الأمن الضغط على جماعة الإخوان المسلمين وتحجيم نشاطها في القاهرة الكبرى. وهو ما يظهر في موقفه من المظاهرات، فالمظاهرات التي تجري خارج العاصمة، تختلف عن تلك التي تجري في داخل شوارع العاصمة. حيث يواجه الأمن أي حركة في الشارع داخل العاصمة بشدة مبالغ فيها. لأنه يريد ضمنًا منع أي حراك داخل العاصمة. فالحركة في العاصمة تكون تحت أضواء الإعلام والمتابعة المستمرة، كما أنها حركة في مقر الحكم. والتحرك في العاصمة يمثل فعلاً سياسيًّا مباشرًا في مواجهة النظام الحاكم، حيث يتمثل النظام الحاكم في العاصمة. فهو ليس نظامًا جماهيريًّا، بل نخبة مسيطرة مستبدة، لذا تصبح العاصمة هي المقر الرسمي والوحيد لتلك النخبة. ويصبح أي حراك في العاصمة هو مواجهة مباشرة مع النخبة المسيطرة.

 

كما أن النظام يعلم ضمنًا، أن غضبة الجماهير إذا انفجرت تنفجر في العاصمة، وأن الناس إذا تمردت عليه، تخرج في شوارع العاصمة. وأن اللحظة التي يخشاها، وهي لحظة خروج الجماهير ضده، سوف تحدث في العاصمة. لذا يحاول النظام تقليل أي مساحة للحراك السياسي في العاصمة، وجعل الفعل السياسي في العاصمة فعل نخب سياسية مؤيدة أو معارضة له، وليس فعلاً في الشارع العام وبين عامة الناس. وبهذا يحاول النظام تخويف الناس من الاقتراب من جماعة الإخوان المسلمين. فتقل قدرتها على جذب أعضاء جدد في القاهرة الكبرى، كما تقل قدرتها على تحريك أعضائها في مظاهرات عامة في القاهرة الكبرى عن غيرها، وأيضًا تقل قدرتها على تحريك جماهير مناصرة لها من غير أعضائها، في القاهرة الكبرى عن المحافظات الأخرى.

 

وبذلك  تصبح العاصمة تحت الحصار الأمني المباشر، حتى تظل تحت سيطرة النخبة الحاكمة، بما أنها مركز صناعة القرار السياسي، ومقر الحكم.