د. حسن الحيوان

منذ حرب 73 بدأ التراجع الصهيوني بالتنازل عن الأرض لمصر، ثم بالخروج من لبنان، ثم من غزة، ثم شاهدنا صمود المقاومة الإسلامية في لبنان وغزة في 2006-2009م.

 

وعلى صعيد آخر بدأ انهيار النظام العربي المشترك منذ حرب الخليج (تحرير الكويت)، وكذلك بالانقسام العربي حول الحرب الصهيونية على لبنان 2006 وعلى غزة 2009م؛ ما أدَّى إلى تحول الإستراتيجية "الإسرائيلية" للهيمنة على المنطقة إلى التركيز على شتى أنواع التحالفات مع أنظمة المنطقة لمواجهة حركات المقاومة، ولذلك كان لا بد من محاولة إدماج "إسرائيل" مع الأنظمة العربية في جهة ما؛ لمواجهة جهة أخرى، يتم تسويقها على أنها تمثل خطرًا على المنطقة.

 

وبالتالي تم استغلال الاختلاف بين المذهبين السني والشيعي؛ لمحاولة اصطفاف "الكيان" مع الدول العربية السنية في فريق لمواجهة الفريق الآخر؛ المتمثل في الخطر الشيعي الإيراني، بالإضافة إلى سوريا وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، والتي يتم تسويقها إقليميًّا ودوليًّا على أنها إرهابية.

 

وبالرغم من أن لنا ولبعض المثقفين بعض المآخذ على النظام الإيراني فإن الأمر ليس له علاقة بالمذاهب الفقهية، فخريطة التفاعلات تشير إلى تقارب تركي إيراني، وأيضًا تركي مع حزب الله، وكذلك دعم إيراني لسوريا وحماس، مع اختلاف المذاهب في كل هذه الحالات.. فحقيقة الأمر أمريكيًّا و"إسرائيليًّا" هو تفكيك الجبهة العربية والإسلامية التي يمكن أن تدعم القضية الفلسطينية في مواجهة "إسرائيل".

 

بالنظر إلى التفاعلات الإقليمية الأخيرة؛ الدور التركي بدأ بتأسيس تحالف إستراتيجي مع دول الخليج ثم سوريا والعراق, وكذلك التركيز بالتقارب مع سوريا بمناورات عسكرية وفتح الحدود المشتركة، ثم تأسيس شراكة إستراتيجية بينهما، بالإضافة إلى العراق وإيران، والتي تربط البحار الأربعة: المتوسط, الأسود, الخليج, قزوين، وصولاً إلى رفض تركيا مشاركة "إسرائيل" في المناورات العسكرية الأخيرة، بالإضافة إلى الموقف التركي المناهض لـ"إسرائيل" بشأن الحرب الأخيرة على غزة.

 

تركيا بدأت تتحوَّل مرحليًّا من الحليف إلى المنافس للكيان، وأصبحت قادرةً على إفشال مساعي الهيمنة "الإسرائيلية" عمومًا وعلى إضعاف "إسرائيل" في مواجهة إيران وسوريا خصوصًا, وعلى صعيد آخر إذا نجحت إيران في مفاوضاتها مع أمريكا بشأن البرنامج النووي فقد تتطور علاقاتها إيجابيًّا مع الغرب؛ ما يؤدي إلى اهتزاز الموقف الإستراتيجي لـ"إسرائيل" في المنطقة، فضلاً عن ملاحقتها بتهمة العنصرية بعد حرب غزة وتقرير جولدستون.

 

فهل تنتهز الأنظمة العربية هذه الفرصة؟! لا نعتقد ذلك.

 

يرى بعض المثقفين أن أسباب التوجه التركي هو مجرد معاقبة "إسرائيل" على عدوانيتها ضد الفلسطينيين خصوصًا بعد حرب غزة، أو على عدم وفائها بتوريد أسلحة متطورة لتركيا، وقد يكون ذلك صحيحًا على المستوى التكتيكي، لكن الحقيقة أن أساس التغيُّر هو الاتجاه الحضاري الإسلامي للحزب التركي الحاكم الذي يعمل حاليًّا على تطوير مشروعه الإستراتيجي في المنطقة ذات الواقع المعقَّد، مع أقل قدر ممكن من الصدام مع "إسرائيل" وأمريكا، لحين يصل هذا المشروع التركي لمرحلة النضج والقوة، عن طريق تأكيد مرجعيته الشعبية والدستورية التي تتنامى حاليًّا في مواجهة التيار العلماني داخل تركيا.

 

فهل تفهم الأنظمة العربية أن المرجعية الفكرية هي أهم أسباب اكتساب الشعبية، وبالتالي شرعية الحكم اللازمة لتطوير مشروع إستراتيجي حضاري يؤسس للتنمية والنهضة في مصر، وكذلك للبقاء المشرِّف لشعوبها في المنطقة والعالم؟! نتمنَّى ذلك!!.

--------

* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com