البدوي عبد العظيم البدوي
أعاد مؤتمر الحزب الوطني إلى ذاكرتي رسوم الكاريكاتير التي كان يرسمها الأستاذ مصطفى حسين بعنوان (الوزارة في المغارة) والتي كان يسخر فيها من الحكومة التي انعزلت عن معاناة الشعب ومشكلاته وجلست في المغارة، ولكن لم تكن الوزارة وحدها هذه المرة في المغارة بل كان الحزب الوطني بأكمله في المغارة.

ولقد انتظر المتابع للمؤتمر السادس للحزب الوطني أن يرى نوعًا من المراجعات لمسيرة الحزب أو إنجازاته خلال الفترة الماضية أو البحث في معوقات تقدم الوطن أو التعاطي مع استطلاعات الرأي الخاصة بالحزب وشعبيته بين الشعب فضلاً عن انتخاب قيادة جديدة للحزب تعمل على الالتحام بالمواطنين وتلبي احتياجاتهم على غرار الدول المتقدمة ديمقراطيًّا مثل إنجلترا وأمريكا وفرنسا (والتي أخذ منها الحزب فكرة مؤتمره العام السنوي)، ولكن خلافًا لذلك بدأ مؤتمر الحزب وانتهى ولم ينجز أيًّا من تلك الأشياء بل غلب عليه إحساس قيادات الحزب بضعف الحزب في الشارع وعدم قدرته على تنفيذ حتى البرامج الانتخابية التي حددها لنفسه وانعزاله عن مشكلات الشعب وعجزه التام عن توفير أدنى علاج لتلك المشكلات.
الهدف من انعقاد المؤتمر
ونظرًا لأن الحزب وبعد أن كان قد اختار لنفسه شعار (من أجلك أنت) ونتيجة لشعبيته المتدنية أمام قوى المعارضة فقد عدل المؤتمر برنامجه واختار أن يشن هجومًا على المعارضة وخص جماعة الإخوان المسلمين وفضيلة مرشدها العام بنصيب الأسد من هجومه، وبعد أن انفض المؤتمر كانت هناك خلاصات حول المؤتمر وحزبه هي:-
1- رغم محاولات التطوير التي تبناها الحزب الوطني في السنوات الماضية مثل عقد مؤتمر عام سنوي وعمل ميزانية سنوية للحزب والحملة الإعلامية وأجهزة الحاسوب والبدل الجديدة... إلخ، إلا أن الذي ظهر على أرض الواقع أن ذلك التطوير والتغيير كله يتسم بالشكلية والخادع وغير حقيقي ودليل ذلك استقالة قيادات ليبرالية من الحزب كانت تؤمن بقدرة الحزب على تبني شعارات الديمقراطية وحرية الانتخابات، أيضًا الخطاب الإقصائي والمتدني الذي اتسم به المؤتمر والذي أكد عدم احترام الحزب أو قبوله للآخر أيًّا كان هذا الآخر طالما كان معارضًا.
2- إصرار الحزب وقيادته التي لم تتغير عقليتها- في واقع الأمر- على التعامل مع الأحزاب المعارضة على أنها محلل وأن دورها الوحيد فقط هو إصباغ الشرعية على النظام السياسي القائم دون أن يكون لتلك المعارضة أي دور حقيقي في التداول السلمي للسلطة أو أدنى حق في التعامل معها باحترام يليق بكونها تمثل شريحة من أبناء الشعب المصري حتى أنها عرضت عليها الرشاوى المالية والبرلمانية لتتمكن من تمرير ملفاتها الساخنة خلال الفترة القادمة 2010 /2011.
3- كشف المؤتمر عن يقين قيادات الحزب الوطني أن الفصيل الوحيد الذي يقف حجر عثرة أمام استتباب استبداده السياسي وفرضه وتكريسه وترسيخه في البلاد هو جماعة الإخوان المسلمين والتي نجحت في الالتحام بالشعب المصري باعتبارها جزءًا منه، وعجز محاولات الحزب من التقرب من أبناء الشعب حتى في دوائرهم الانتخابية والتي لم يستطع الحزب بكل إمكانات الدولة المتاحة له وإمكانات رجال الأعمال فيه من أن توفر ما استطاعت جماعة الإخوان المسلمين من توفيره للشعب من خدمات كقوافل العلاج المجاني وتوزيع شنط على المحتاجين في المناسبات المختلفة ولحوم الأضاحي.......
4- اعتماد الحزب الوطني وحكومته منذ سنوات طويلة على الأمن السياسي لمساعدته في السيطرة على الشعب والمعارضة مما لوث مؤسسات الدولة الدستورية وأعاقها عن العمل بالشفافية والعدالة المطلوبة واعتمد النظام في سبيل تحقيق ذلك على ضباط الشرطة والأمن السابقين- والذين ارتبطت مصلحتهم بالنظام- والمشتبه في ارتكابهم لجرائم تعذيب والتي لا تسقط بمضي المدة بموجب نص الدستور فعمد إلى إدخالهم إلى سلك النيابة العامة والمحاماة والقضاء وأخيرًا نواب بمجلس الشعب المصري.
5- اعتماد الحزب نفسه حكمًا وخصمًا في ذات الوقت في تعاملاته مع الشعب والمعارضة حتى أنه هو من يعطي التصريح بقيام الحزب الذي سوف يعارضه وهو الذي يختار القضاة الذين يفصلون في القضايا التي تهمه ثم هو لا ينفذ أحكام القضاء التي لا تأتي على هواه ومزاجه، وهو من يصبغ الشرعية على فصيل معارض ويسحبها من فصيل معارض آخر رغمًا عن أحكام القضاء مثل ذلك إصراره على أن جماعة الإخوان محظورة رغم أنه لا يوجد قرار بحل الجماعة أو حكم قضائي يؤيد مزاعم حل الجماعة وأنها محظورة بل إن أحكام القضاء رفضت نظر الدعاوى التي رفعها الإخوان بطلب بطلان قرار الحل تأسيسًا على عدم وجود قرار بحل الجماعة من الأساس، كما لا ننسى الأحكام القضائية التي حصل عليها حزب العمل بشرعية وجوده وإصرار حكومة الحزب الوطني على عدم تنفيذ أحكام القضاء رغم نهائيتها.
6- وأخيرًا فقد ظهر أن الهدف الحقيقي من وراء عقد مؤتمره هذا هو إلهاء الرأي العام عن المصائب المتتالية التي تعانيها البلاد الواحدة تلو الأخرى وآخرها مصرع ثلاثة في خروج قطار عن السكة بعد أيام من حادث تصادم قطاري العياط الذي أودى بحياة العشرات من غير جريرة أو ذنب وأطاح معها بوزير النقل ككبش فداء للحكومة بكاملها.
أساليب مبتكرة للحزب الوطني
إن شخصيات من المفترض أنها مسئولة (بغض النظر عن كيفية حصولها على تلك المسئولية) كان يفترض بها أن تتعامل مع غيرها من المعارضين بما يليق بها هي من احترام لا أن تتعامل مع خصومها السياسيين أو الحزبيين باعتبارهم موظفين في شركاتهم الخاصة، كما يفترض أن يتم استخدام عبارات أكثر تهذيبا تليق بالمتكلم والمخاطب وحضارة البلد والأعراف السياسية وليس أن يعدل الحزب برنامج عمله إلى وصلة من (الردح السياسي)، وهو مصطلح ليس بجديد على القاموس السياسي للحزب الوطني بل هو أحد ابتكاراته وإنجازاته مثل غيرها من المصطلحات وأساليب العمل السياسي الأخرى التي ابتكرها الحزب (الاستعباط السياسي، والطناش ورمي الجتت السياسي.... وهكذا)، لذلك نقترح أن يتم إدراج تلك المصطلحات في مناهج كليات الاقتصاد والعلوم السياسية والحقوق ومعاهد الدبلوماسية ليتم تدريسها حتى تكتسب مشروعيتها الكاملة.
وفي النهاية إن حزبًا يستخدم مثل هذه الأساليب (التي اعتذر عن ذكرها) ليس فقط في الممارسة السياسية بل في الحوار السياسي هو حزب يكتب شهادة، وفاته بيده وعلى من يرغب تقديم واجب العزاء انتظار أول انتخابات حرة حقيقية يتمتع بها الشعب المصري، وإن غدًا لناظره قريب.
---------
مستشار قانوني.