تدرك الأطراف جميعها فتح- جناح عباس ومعها الفصائل التي تدور في فلكها، حماس ومعها فصائل المقاومة، ومصر وباقي قوى "الاعتدال"، أن موضوع المصالحة الفلسطينية لا يمكن أن يحل بورقة تفرض على الأطراف توقّع في مهرجان بحضور وزير أو وزراء خارجية عرب وعجم، ولا يمكن أن تنجح حتى وإن تم التوقيع عليها على رءوس الأشهاد؛ لأنه وببساطة تتمترس الأطراف جميعها حول مواقفها، ولا تثق الأطراف ببعضها البعض، ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن الأطراف متساوية، أو أن اللوم يتوزع بينها، لكنها حقيقة تعكسها المواقف المذكورة.
مصر الرسمية
لا عجبَ أن تكشِّر مصر الرسمية- تمييزًا لها عن الشعب المصري الأصيل- عن أنيابها وأن تحاول الضغط وبكل الوسائل على فصائل المقاومة لفرض رؤيتها التي لم تتغير منذ بداية وساطتها غير المحايدة أو النزيهة في الملف الفلسطيني- الفلسطيني، ولا عجب أن تكون اليوم أكثر وضوحًا في عدائها لقوى المقاومة التي تعتبرها خطرًا إستراتيجيًّا لها، ولنتذكر أن مواقف مصر الرسمية كانت دائمًا تصبُّ في مصلحة رام الله، ومنها:
* دعم محمود عبّاس في اختطافه للقرار السياسي والتعامل معه دائمًا بأنه الرئيس الذي لا يشق له غبار.
* منح محمود عبّاس الغطاء العربي للاستمرار في رئاسته للسلطة حتى بعد أن انتهت ولايته.
* شن الحملات الإعلامية العنيفة ضد المقاومة ورموزها شخصيات وفصائل.
* المشاركة المباشرة في حصار وخنق وقتل قطاع غزة.
* محاربة الرئة التي تتنفس منها غزة أي الأنفاق.
* التعامل مع الشأن الفلسطيني من المنظور الأمني لا السياسي.
* اعتقال الفلسطينيين من العابرين للأراضي المصرية حتى الجرحى منهم والتحقيق والتنكيل بهم للحصول على معلومات لصالح الاحتلال وأتباعه.
* دعم المجموعات الهاربة من غزة ومنحها الملاذ الآمن أمنيًّا وإعلاميًّا.
* ربط ملف إعادة الإعمار بملف المصالحة، وهو ما يُشكِّل جريمةً بحدِّ ذاته.
* التعامل بفوقية مقيتة مع الشأن الفلسطيني.
لقد غضت مصر الرسمية الطرف عن كل ممارسات عبّاس وطغمته خلال أشهر في المماطلة والتسويف، فلم تعلن مثلاً مسئولية عبّاس عن عدم تطبيق ما اتفق عليه من إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ولم تنبس ببنت شفة يوم قتلت ميليشيات عبّاس المقاومين في قلقيلية، ولم تعلن أنهم الطرف المعطل للحوار يوم أجلّوا وتهرَّبوا تحت حججٍ واهية كعقد سيركهم في بيت لحم.
لقد أعادت مصر الرسمية تخريج ذات النقاط المرفوضة شعبيًّا وجماهيريًّا وأخلاقيًّا، لتطرحها كورقة مصالحة وبذات الأسلوب "نفّذ ثم اعترض"، وفعلت وتفعل ذلك كل مرة إنقاذًا لحليفها الإستراتيجي سلطة أوسلو البائسة، والقارئ للورقة المصرية الأخيرة لا يجد فيها إلا هدفين فقط:
* إعادة إنتاج عبّاس المنتهي الصلاحية رئيسًا لكل شيء: مرجعية اللجنة العليا، قائدًا أعلى للقوات الأمن، رئيسًا للسلطة والمنظمة، وحامي حمى القانون والمراسيم والقرارات.
* تحديد موعد انتخابات تفصَّل لاحقًا على مقاس فريق أوسلو، أما الأمور الباقية فترحّل إلى لجان لن يُكتب لها النجاح، أو عبر ميثاق شرف لن يلزم من ليس لديه شرف، أو من خلال عبارات فضفاضة لا معنى لها، وبالتالي هو فخ جديد ينصب لقوى المقاومة، لكن بأسلوبٍ ضاغطٍ لا نتوانى عن وصفه بالوضيع.
مصر الرسمية تتمترس خلف مواقفها المعادية لخيارات الشعب الفلسطيني، وتدعم عبّاس وبقوة، ولا تريد مصالحة إلا من خلال رؤيتها فقط، وبقوة الديكتاتورية التي تملكها:
ديكتاتورية الجغرافيا"، التي لولاها لقلنا مع القائلين ومنذ زمن بعيد "ارفعوا أيديكم عن غزة وعن فلسطين"، هذه الديكتاتورية التي ستزداد في الأيام القادمة عبر المزيد من الإذلال والإقفال لمعبر رفح.
عبّاس وباقي الطغمة
هؤلاء فقدوا كل شرعيةٍ نعرفها، فقدوا شرعيتهم الأخلاقية والسياسية والثورية بل حتى الآدمية، وتحولوا إلى دُمى بدون إحساس تنفذ ما يطلب منها وهي صاغرة، هؤلاء لم يحترموا أي اتفاق أو وثيقة، من اتفاق القاهرة عام 2005، إلى وثيقة الأسرى التي كاد عبَّاس أن يستفتي عليها وتحولت لوثيقة وفاق عام 2006، إلى اتفاق مكة عام 2007 والذي كان أزلام الاحتلال يعدون العدة للانقلاب عليه بحسب خطة "دايتون"، ولا ننسى الانقلاب على نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.
عبّاس ومعه باقي الطغمة ماطلوا ولأشهرٍ في مسألة الحوار، رفضوا التوقيع، ولم ينفذوا ما اتفق عليه في موضوع المعتقلين السياسيين، قالوا كلامًا في القاهرة وبدلوه في رام الله؛ لأنهم وببساطة وكما وصفهم الكاتب عامر سعد:
1- الواقعية السياسية "التنازلية".
2- التبعية والذوبان على المستوى السياسي وانتفاء الإرادة السياسية والقرار السياسي المستقل.
3- الارتهان الوظيفي لقوى دولية وإقليمية؛ مما أدَّى إلى تحويلها لمجرد أداة وشرطي لا أكثر.
4- التقاطع مع أجندة خارجية- منها العدو الصهيوني ببديهة الحال- لإضعاف خصومها السياسيين.
5- سلخ المسار التفاوضي عن المنظومة الكفاحية وعدم اعتباره شكلاً من أشكال المقاومة.
6- انتفاء وحدة الفكر والممارسة على صعيد الأبجديات والنظام الأساسي في مقابل السلوك المهجن لخدمة أجندة غير فتحاوية.
7- "حزب السلطة" أدَّى إلى اختزال فتح وقرارها بيد حفنة بيروقراطية تنزع لمنظومة مصلحية مشخصنة على حساب المصالح العليا لشعبنا- طبعًا حتى بعد المؤتمر السادس للحركة وإفرازاته- مما أدَّى إلى جملة خطايا انعكست سلبيًّا على واقع القضية ومفاعيل قواه الحية.
8- ثقافة البلطجة على كافة الصعد والتي أدَّت إلى تحويل النظام السياسي الديمقراطي افتراضًا و"حبرًا جافًا" لنظام أوتقراطي يحكم بالحديد والنار.
9- المال السياسي كأداة إستراتيجية للحفاظ على وزن الحركة شعبيًّا، وفي رسم الهيكلية التنظيمية والشخوص الوازنة على صعيد الحركة.
وفي ضوء ذلك النهج فإن الحديث عن وجود نوايا صادقة تترجم لسلوك إيجابي لدى الحركة إزاء ملف المصالحة يعتبر هرطقةً وتخرصات لا أساسَ لها، فحقيقة الموافقة الفتحاوية على الورقة "المصيدة" المصرية إذن جاءت كسلوكٍ سياسي مصلحي بديهي- وبتواطؤ مصري- ينطوي عن جهود حثيثة للهروب إلى الأمام من لعنة سلوك سياسي سابق يرتدي طابع الخيانة والجريمة بحق الشعب الفلسطيني- تأجيل تقرير جولدستون- وصرف الأنظار عن تلك الجريمة وتفاعلاتها في الإعلام والخطاب السياسي لجهات عديدة. (انتهى الاقتباس)
لقد وصل الحال بهؤلاء للتآمر المباشر مع الاحتلال في حصار غزة، وفي العدوان على غزة، وفي أروقة الأمم المتحدة، وغيرها من المواقف التي لا حصر لها.
لكنهم اليوم يتباكون على المصالحة وسارعوا للموافقة على المقترح المصري القديم جدًا والذي يصب في صالحهم، وتباكوا أيضًا أن الورقة المصرية أخذت برؤية حماس وظلت فتح (جناح عبّاس)، يفعلون ذلك للتخلص من الضغط الجماهيري غير المسبوق بعد جريمتهم في جنيف، ولتحويل هذا الضغط نحو حماس باعتبارها المعرقل للمصالحة، طبعًا بدعم وتأييد وتشجيع الراعي غير النزيه- مصر الرسمية، لكنهم في قرارة أنفسهم وعلى ألسنتهم لا يريدون مصالحة مع "إمارة ظلامية" ومع "انقلابيين".
حركة حماس
لا يختلف الحال هنا من ناحية الاستمرار في حوار تحول مع الزمن لـ"عملية" حوار، لأن حماس تدرك تمامًا أنه لا مجال للتوصل لأي نوع من البرنامج السياسي المشترك، بين من يعتبر "الحياة مفاوضات"، وبين من يتمسك بالحقوق والثوابت والخيارات، ولأن حماس تعرف قبل غيرها الهدف من الحوار والمصالحة.
لكنها مع ذلك تستمر في الحوار، وتعطي الإشارة تلو الإشارة أن التوقيع بات قاب قوسين أو أدنى، وربما اضطرت في نهاية المطاف للمشي ضد التيار الجماهيري الشعبي الرافض لانتشال عباس من مستنقعه ورمي طوق النجاة له بتوقيع مصالحة له.
حماس في رقبتها اليوم مليون ونصف فلسطيني تتخذهم مصر الرسمية وعبّاس رهائن لتمرير مواقفهم ومؤامراتهم، وبين يديها حصار جائر لا يُبقي ولا يذر، ومن أمامها وخلفها جماهير الشعب الفلسطيني والعربي يطالبها بالتمسك بالحقوق والثوابت وعدم التفريط بها.
وحماس أيضًا في موقف لا تُحسد عليه بعد وصفها لطغمة رام الله وعبّاس شخصيًّا بما هو فيهم، وموقف أكثر صعوبة قد تضطر فيه لمواجهة مفتوحة مباشرة مع النظام المصري الذي لا يتورع عن استخدام أبشع الأساليب لتحقيق مآربه.
لكن ورغم ذلك عليها أن تتخذ الموقف المنسجم مع مبادئها ومع ما يبقيها رأس الحربة في مواجهة مشروع البيع والتفريط والتنازل بلا حدود.
الخلاصة
الأطراف جميعها تعلم علم اليقين أن المصالحة وإنهاء الحالة الفلسطينية المستعصية أمر شبه مستحيل- إن لم يكن مستحيلاً- لكنها تراوغ وتناور كل لأسبابه، مع ملاحظة أن هناك طرفًا يتعرض للمؤامرات والضغوطات وألاعيب الأنظمة الرسمية وأجهزة المخابرات، وفخاخ الأوراق التي ترمى في وجهه للتوقيع لا النقاش.
التوقيع وإن حدث لا يعني المصالحة، والتوقيع وإن حدث سيؤجل الانفجار الجديد القادم لا محالة، والتوقيع هو تفريغ لعملية نفاق سياسي وفرض لديكتاتورية الجغرافيا، والتوقيع هو طوق نجاة لعبّاس وطغمته، وفخ يُنصب لقوى المقاومة.
لا نامت أعين الجبناء...
---------