الدين في الدولة الحضارية
هناك فروق كثيرة بين الدولة القومية القطرية، والدولة الحضارية، فالدولة القومية القطرية تستند على قومية محددة، ثم تحدد لهذه القومية لغة تعرفها، وأيضًا تضع لتلك القومية حدود، وداخل تلك الحدود توجد القومية، وداخلها أيضًا توجد الدولة، فالدولة القومية توجد في نطاق حدود القومية نفسها؛ لذا تحتاج الدولة القومية لتعريف قوميتها، وتحديد تلك القومية بصورةٍ جامعة مانعة، وبهذا يكون للدولة أسس ثابتة ومحددة، ولهذا أيضًا قامت الدول القومية بعد سلسلةٍ من الحروب التي عرفها الغرب، فمن خلال الحروب والنزاعات، تم تحديد حدود كل قومية، وبالتالي تحديد حدود كل دولة.
ولكن الدولة الحضارية من الجانب الآخر، تقوم على القيم وليس على القومية، وهي دولة عابرة للقوميات، وحدودها تتسع أو تضيق بحسب القوميات والشعوب المنتمية لها، والتي تنتمي لنفس القيم التي تقوم عليها الدولة، والدولة الحضارية الإسلامية، هي دولة تستند للقيم العليا، وبالتالي فإن حدودها ترتبط بحدود المنتمين لهذه القيم، وهي بهذا حدود متغيرة.
وإذا قامت الدولة الحضارية في قطرٍ واحدٍ أو أكثر من الدول العربية والإسلامية، فإنها تظل أيضًا دولة حضارية مستندة للقيم، رغم أنها تحكم مجتمعًا من المجتمعات المنتمية للأمة المؤمنة بهذه القيم، وهنا تبرز مشكلة الأسس الثابتة التي تقوم عليها الدولة الحضارية، والتي تستند للقيم؛ مما يجعل أسسها معنوية أكثر منها ماديةً، رغم أن الدولة كيان مادي يحتاج لأسس مادية ليستند عليها ويمارس مسئولياته وحكمه.
الدين هو أساس الدولة الحضارية
هذه بعض الأسباب التي جعلت الدولة الحضارية تقوم وتنشأ في محيط الشرق المحافظ المتدين، أي المنطقة العربية الإسلامية، وهذه أيضًا بعض الأسباب التي جعلت الدولة الحضارية تمثل النموذج القائم على المرجعية الدينية، ولهذا أيضًا لم تقم دولة حضارية بهذا المعنى، أي دولة تستند للقيم لا للقومية، إلا على المرجعية الدينية، نعني بهذا، أن التجربة البشرية عبر تاريخها تؤكد أن نموذج الدولة الحضارية المستندة للقيم، لم يتحقق إلا في الحضارة المستندة على الدين، وبالتالي في الدولة المستندة على الدين، وتلك نقطة تميز الدولة الحضارية وتعرفها، وتكتسب منها قدرتها على البقاء.
فالدين يمثل مصدرًا للقيم العليا المطلقة، وعليه فإن منظومة القيم الدينية، تمثل منظومةً مطلقةً لها القدرة على البقاء والاستمرار؛ لأنها منظومة ذات مصدرٍ إلهي، ومن خلال القيم الدينية المطلقة، والتي لا تقبل التعديل أو التبديل، تتأسس منظومة قيم لها حدود ثابتة وقواعد ملزمة، ولهذا تتأسس الدولة الحضارية على القيم وتلتزم بحدود تلك القيم الدينية المطلقة، وتصبح ثوابت الدين هي حدود الدولة، وإذا كانت الدولة القومية تستند في وجودها المادي على الحدود الجغرافية، فإن الدولة الحضارية تستند في وجودها المادي على حدود القيم الدينية، وحدود المؤمنين بها.
نعني بهذا، أن التجربة البشرية التاريخية حتى الآن، لم تقدم لنا نموذج دولة حضارية عابرة للقوميات، تقوم على القيم العليا، وتستند في ذلك على منظومة قيم وضعها البشر، بل إن نموذج الدولة الحضارية العابرة للقوميات، يظل في تاريخ البشر مرتبطًا بتاريخ الأديان.
ولكن هذا النموذج لم يجد فرصته في التحقق إلا في النموذج الشرقي المحافظ، وفي منطقة الوسط الجغرافية، أي في الدولة الإسلامية، وتلك خاصية أخرى، فالحضارة الغربية تقوم على أسس قومية، وحتى عندما سادت المسيحية في الغرب، وقامت دول على أساس مسيحي، ظلت هذه الدول دول قومية مسيحية، ولم تتحول إلى دولة حضارية تستند إلى القيم العليا، وتستمدها من الدين، فالقومية هي عماد الحضارة الغربية، والقيم الدينية هي عماد الحضارة الإسلامية؛ لذا تحققت الدولة الحضارية في الدولة الإسلامية، ولم تتحقق في الغرب.
لذا نقول إن: الدولة الحضارية هي الدولة التي تستند على القيم العليا المستمدة من الدين السماوي، أي الإلهية، والسند الديني للدولة الحضارية يكسبها قوتها، فالقيم المطلقة تمثل الأساس القوي للدولة الحضارية، وأيضًا نقول: إن الدولة الحضارية لا تقوم إلا بين الشعوب التي تتطلع إلى الوحدة العابرة للقوميات، والتي تعتبر تنوع القوميات ثراء، والتي لا تتعصب لقوميتها، فكل الشعوب التي تتعصب لقوميتها، تصبح غير مؤهلة لأن تكون جزءًا من دولة حضارية تستند للقيم العليا المستمدة من الدين.
العلمانية لا تقيم دولة حضارية
على الجانب الآخر، نجد أن العلمانية وهي في التعريف الدقيق الدنيوية، تقوم أساسًا على إلغاء دور الدين في الحياة العامة، وبهذا تؤدي الدنيوية إلى تقليص وجود القيم المطلقة، فالقيم المطلقة لا توجد إلا من خلال الدين السماوي، ولا توجد قيم مطلقة من صنع البشر، فعقل البشر نسبي، وكل ما ينتج عن عقل البشر نسبي أيضًا، وعليه تصبح الدنيوية، مذهب يؤدي إلى حصار القيم الدينية المطلقة لصالح القيم النسبية.
والنظام الذي يقوم على الدنيوية، أو العلمانية كما تسمى لدى النخب الداعية لها، هو نظام لا يقيم دولة حضارية؛ لأنه يفتقد أحد أهم شروط الدولة الحضارية، وهو مرجعية القيم الدينية، فالدنيوية تقيم دولةً قوميةً، تستند على القومية أو العرق أو الجنس، وترتبط بالحدود الجغرافية.
لهذا لا يمكن أن تقوم في تصورنا دولة حضارية علمانية، ولا يمكن أن تتوحد الدول الغربية القومية في دولة حضارية واحدة، فالحضارة الغربية السائدة هي حضارة بشرية تستند إلى القيم البشرية، وإلى منتجات العقل البشري فقط، دون أي مصدرٍ إلهي، وتلك القيم البشرية لا توحد قوميات؛ لأنها بشرية ونسبية، وبالتالي فهي قابلة للتعديل والتبديل، كما أنها تخضع للعقل البشري في تفسيرها، وتتعدد معانيها بين الشعوب والقوميات، كما تتعدد تطبيقاتها، وتتعدد أيضًا التعبيرات اللغوية عنها.
والمشترك الحضاري الغربي، لا يمثل منظومة قيم عليا حاكمة تضم كل الدول الغربية، بل يمثل مساحة للمشترك الحضاري بينها، فالعلمانية لم تنجح في توحيد الغرب، وهي أيضًا لم تكن مشروعًا لتوحيد الغرب داخل دولة حضارية واحدة، وظلت الدول الغربية دولاً قوميةً متفرقة، تبحث عن مصالحها المشتركة، فتقيم الاتحاد الأوروبي تحقيقًا لمصالحها المشتركة.
لم نقصد من هذا الدخول في مقارنةٍ بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، بقدر ما قصدنا أن نوضح ملامح الدولة الحضارية القائمة على القيم، في مقابل الدولة القومية القائمة على القومية أو العرق؛ لنوضح ملامح الدولة الحضارية، ولنصل إلى الخلاصة المهمة المتمثلة في دور الدين في بناء الدولة الحضارية، فالدولة الحضارية تقوم على الدين بوصفه المرجعية المركزية، وتقوم على تجاوز القومية بوصفه نتاجًا للإيمان الديني.
رسالة الدولة الحضارية
بهذا يمكن فهم ما تعنيه الدولة الحضارية، فهي مشروع لتوحيد الأمة المؤمنة بالقيم التي تتأسس عليها تلك الدولة، وهي أيضًا مشروع لنشر النموذج السياسي المستند للقيم بين شعوب العالم، وهي أيضًا مشروع لتجاوز العنصرية بكل أشكالها، ومشروع لمواجهة التعصب القومي بكل أشكاله، فالدولة الحضارية هي نموذج الوحدة العابرة للقومية، والتي تستند على الدين، وتجعل الدين مرجعيةً للحياة العامة والنظام العام، وعليه تكون رسالة هذه الدولة في تاريخ البشرية، هي استعادة دور الدين في حياة البشرية، وتجاوز القومية المتعصبة، وتنمية القومية التي تمثل الثراء والتنوع داخل إطار الوحدة، والتي تجعل من الاختلاف بين البشر وسيلةً لثراء تاريخ البشرية ونفعها.